إعلام حر، نزيه، مستقل .... موقع صحيفة الجسور المغربية يرحب بزواره الكرام ويتمنى لهم إبحارا ممتعا، فمرحبا بكل التعليقات المفيدة والتوجيهات السديدة...

هذه الجسور .....

أردناها أن تكون صوتا حرا لإعلان الاتفاق أو الاختلاف، دونما رقابة ذاتية أو أحكام معلبة. أردناها أن تكون منبرا يسائل الوقائع من أجل الخطو إلى الأمام، والإسهام في كل هوامش التطور الممكن في مغرب اليوم ضدا على كل اليقينيات الجاهزة، والإرادات المحافظة.

وأردناها أن تكون جسورا للتواصل، والتحليل، والنقد، والإبداع... وابتغينا لها الإسهامَ في محاربة ثقافة الهامش، ومنطق التيئيس الذي أصبح يحتل مساحات واسعة في تمثلات وسلوكات الفرد والمجتمع.

هذه الجسور تعلن انتماءَها، دون تردد، لمسار التحديث، وهاجس البناء... وكم هي شاقة جسور التحديث والبناء في مغرب متحول تحاصره إكراهات التقدم ومستلزماته، وجيوب المقاومة، الظاهرة والمضمرة !

--------------------------------------------------------------------------------------------


الأحد، أغسطس 17، 2008

سيدي إيفني، الجريدة الأولى... وأشياء أخرى

اعميار عبد المطلب

شهد المغرب خلال الأسابيع الماضية بعض الأحداث والوقائع التي أثارت ردود أفعال مختلفة، متباينة الوقع والآثار بالنظر لطبيعتها، ولحجم مخلفاتها. لعل أولاها الأحداث المؤلمة التي عرفتها سيدي إيفني، وما سيترتب عنها من تطورات سياسية وحقوقية، ثم وقائع نشر "الجريدة الأولى" لشهادات قدمها أصحابها أمام هيئة الإنصاف والمصالحة، ومتابعة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الجريدة المذكورة أمام القضاء لوقف نشر هذه الشهادات، ومن بعدها متابعة جريدة "الحياة الجديدة" لنفس الغاية.

عن أحداث سيدي إيفني لا يسعنا حقيقة إلا أن نستنكر كل أشكال العنف والظلم والشطط الذي لحق المواطنين العزل. وكم كلمة نحتاج لنقول بأن مثل هذه الأحداث بقدر ما تسئ لصورة المغرب وتشوه سمعته في الداخل والخارج، بقدر ما تكشف استمرار عقلية الانتهاك الساكنة في أدمغة بعض المسؤولين عن الأجهزة الأمنية، وتثير ملحاحية تحقيق الحكامة الأمنية، وهي بالمناسبة إحدى أهم التوصيات التي خرجت بها هيئة الإنصاف والمصالحة في تقريرها عن سنوات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان... فهل يحتاج المرء أمام مثل هذه الوقائع، وإن اختلفت حدة توصيفها، أن يكون حكيما أكثر من الحكماء أنفسِهم لكي يخفف من هول ما نزل، ويقنع نفسه، ربما أكثر من اللازم، بأن مغربا ديمقراطيا يصنع على الرغم من كيد الجزيرة، وشعبوية بعض الإعلاميين. ولن نمل من القول بأننا في المغرب لا نحتاج لمثل هذه الوقائع التي قد تزيد من توسيع دوائر الإحباط، والتذمر الاجتماعيين. كما أننا لسنا في حاجة إلى سماع تصريحات تطمينية في مستوى التصريحات "الذكية" التي نفت وقوع أحداث بسيدي إيفني إطلاقا، ناهيك عن "براعة" الإعلام العمومي الذي أبان حقيقة عن توفقه، وتفوقه الكامل في نقل الأحداث وتتبعها والتعليق عليها بترجمته البليغة للمثل القائل "كم حاجة قضيناها بتركها".

أما عن نشر شهادات في "الجريدة الأولى"، ومن بعدها في "الحياة الجديدة"، وهي إفادات قدمها أصحابها، في إطار فلسفة العدالة الانتقالية، أمام هيئة الإنصاف والمصالحة، فإننا نعتقد، بكل صراحة وبدون مجاملة أحد، بأن الطريقة التي نشرت بها، فيها مس بالحقيقة نفسها، ولا أحد من حقه أن يدعي حماية الذاكرة الوطنية والنيابة عن 30 مليون مغربي، ولو باسم حرية الصحافة المفترى عليها. إن الوقائع، في اعتقادنا، لا تتعلق بحرية الصحافة ولا بنقل الخبر بل بمعطيات عمومية يرجع للقانون وحدهُ تنظيمَ سبل الولوج إليها ونشرها على العموم كما هو معمول به في العالم. وحتى لو استحضرنا، بالمناسبة، ذريعة الفراغ التشريعي الذي ينظم الأرشيف العمومي، فهذا الأمر ليس مبررا "للاستفراد" الإعلامي بالذاكرة الوطنية، لنشرها بالطريقة المعلومة.

فهل تمكن المغاربة يا ترى، والحالة هاته، من اكتشاف كل الحقيقة؟ وهل تكفل بضع مئات من الجرائد وحتى بضع آلاف، النيابةَ عن الإعلام العمومي، وعن كل المغاربة، لادعاء الحق في خدمة الحقيقة وحمايتها. أما القول بأن المجلس الاستشاري ارتكب جريمةً في حق الصحافة بلجوئه إلى القضاء، فهذا أمر يجانب الصواب. لأن اللجوء إلى القضاء أسلوب حضاري. ومن الغرابة أن نقرأ كذلك بأنه كان من الممكن أن يلتزم المجلس الاستشاري الصمت تفاديا "للنفخ في النار". إن استبلاد القراء لا يقل خطورة عن الكذب على التاريخ. وإذا كان البعض يعتبر نشر الشهادات يدخل في خانة السبق الصحفي، فإننا نعتقد، بأن السبق لا يتحقق على حساب مقتضيات العدالة الانتقالية، ولا على حساب مصلحة الوطن. نعم، إن نشر بعض الشهادات قد لا يهدد المغرب بالانقلابات، ولكنه قد يسئ إلى الحقيقة في ذاتها، وقد يحجُبها، في النهاية عن ملايين المغاربة بالطريقة التي تم اعتمادها.

إن العديد من الدول العظمى، ذات الأعراف الديمقراطية العريقة، تنظم أرشيفاتها العمومية بمنطق القانون، وبمنطق الحفاظ على هبة الدولة ومصالحها، وما أحوجنا نحن اليوم إلى تمثل هذا المنطق بعيدا عن المزايدات والمتاجرة والمغالطات.

المغرب : من منطق نخب المخزن إلى منطق الحكامة


الحسين بوخرطة


إن موضوع النخب يكتسي أهمية قصوى في الدراسات السياسية والتدبيرية خصوصا في زمن العولمة لكونها سيرورة تفرض السرعة والنجاعة في الفعل التنموي سواء تعلق الأمر بالقطاع العام أو الخاص. وفي هذا السياق، فمسلسل تجديد النخب يترجم بجلاء حيوية المجتمع ومدى قدرته على رفع تحدي الاستجابة لرهانات التأهيل من خلال قدرته على الفعل لتجديد مصيره وتدبير شؤونه. كما ينم هذا المسلسل على القيم التي تتحكم في المشهد السياسي والمرتبطة أساسا بهوية ذلك المجتمع. كما أن تطوير هذا الأخير يبقى إلى حد بعيد مرتبطا بطبيعة نخبه لكونها المصدر الوحيد لإنتاج أفكاره ومشاريعه.

إن المغرب، في حركيته لتأهيل البلاد للاستفادة من التزامات الانفتاح وما يستوجب ذلك من تحركات سريعة وناجعة، حقق انجازات مهمة في بعض الميادين. إلا أنه لا يزال يشكو من ضعف نضج منظومته التدبيربية بسبب معضلة عدم التكامل وضعف مستوى الالتقائية في الفعل التنموي. ويرجع ذلك أساسا إلى عدم قدرة الممارسة السياسية في البلاد على إنتاج نخب في مستوى تطلعات المرحلة، وما تستوجبه من آليات ومعارف جديدة لخلق دينامية مستدامة في البلاد. فبالرغم من قطع أشواط ملحوظة في مأسسة الدولة، أبرزت تجربة الانتقال الديمقراطي مفارقة كبيرة بين الكفايات في الخطابة السياسية وكفايات الفعل الميداني في تدبير التغيير بشقيه السياسي والتنموي.

إن ما نعيشه اليوم من تعبير ازدواجي متناقض (الإرادة في التغيير وتقاعس أو ضعف النخب السائدة) هو نتاج لتاريخ منطق ممارسة السلطة في المغرب منذ الإستقلال، والذي يمكن تقسيمه إلى مرحلتين أساسيتين: مرحلة ما قبل 1999 ومرحلة ما بعدها.

إن طرح هذه الإشكاليات تقودنا في نهاية المطاف إلى البحث في أسئلة نوعية من قبيل:

هل بإمكان النخب التاريخية السائدة خلق التحول في التنظيمات التي تشرف عليها بشكل يضمن الاستمرارية بتخطي مرحلة اللافعل؟
هل لا زالت هذه النخب تتمتع بامتدادات كبيرة في النسق السوسيوسياسي المغربي أم حان الوقت لتساهم في فتح المجال لتوفير ظروف إبراز نخب جديدة؟
هل بإمكان التحول الداخلي والخارجي الذي يعيشة المجتمع خلق آليات وشروط ومصادر شرعنة جديدة وبالتالي ترسيخ منطق جديد لإنتاج النخب؟
1ـ مرحلة الصراع وهاجس الإستمرارية من خلال دعم نخب المخزن "الأعيان"

إن الصراع السياسي المبني أساسا غلى ردود الفعل منذ الاستقلال كان يعني "السلطة" بدون التفكير في التأطير السياسي والتنمية. وكان هاجس الأطراف المتصارعة هو البحث عن تموقعات في نظام الحكم أو التأثير في تغيير معالمه. لقد كان سبب الصراع منذ الإستقلال هو الإختلاف في وجهات نظر الأطراف المتصارعة حول القضية الديمقراطية حيث كان الملك الراحل الحسن الثاني يعطي الأولوية لبناء الدولة في حين كانت المعارضة تطالب بتأسيس الديمقراطية أولا. وما يؤسف له أن الصراع لم يقتصر على مقارعة الأفكار بل تحول إلى مواجهات عنيفة افتقدت من خلالها الثقة بين الفاعلين السياسيين الأساسيين في البلاد. إن التوترات السياسية التي طبعت المرحلة، والمتزامنة مع المحاولات الانقلابية للإطاحة بالمؤسسة الملكية جعل الدولة تتعامل بقسوة مع كل التوجهات والتيارات والتنظيمات المعارضة حيث استعملت كل الآليات للنيل من الخصوم السياسيين وردعهم قبل أن يبادروا إلى الفعل بالتضييق على هامش تحركاتهم وعرقلة آلياتهم المستعملة لاكتساب الشرعية السياسية. إضافة إلى الدعم المادي والمعنوي للنخب المخزنية التقليدية (التابعة) لتقوية قدرتها على مواجهة المعارضة (الاستفادة من مغربة الأراضي ومن تجهيزات السقي الكبير، الاستفادة من الامتيازات في ميدان الصناعة كالنسيج، والصيد البحري، والمقالع، والإستفادة من التسهيلات الإدارية، وتمكينهم من لعب دور الوساطة الزبونية مع المواطنين،...)، عملت الدولة كل ما بجهدها للحد من شرعنة النخب المعارضة الممركزة خصوصا بالمدن (تشجيع الهجرة القروية ومن تم الزيادة من عدد الدوائر الانتخابية، والتحكم في التقطيع الانتخابي، تمكين الأحياء غير القانونية والهشة من بعض التجهيزات وفرض الاعتراف بها كأحياء حضرية على حساب ميزانيات الدولة كآلية لتقوية الزبونية مع الأعيان، فرض مخططات التهيئة بالمدن المرؤوسة من نخب المعارضة وتقنين استغلال المجال بها مع ترك المدن المرؤوسة من طرف الأعيان خارج التغطية، تضييق هامش الفعل للمجالس المحلية المعارضة بالتدخل الدائم للمصالح اللامتمركزة للدولة في مجالات تخصصها،...).

وفي هذا السياق، أكدت الدراسات والأطروحات أن الدولة تمكنت فعلا، بفضل مهندس تدبير الصراع وزير الداخلية السابق إدريس البصري، من صناعة ثقافة سلطوية بأجهزة إيديولوجية موجهة، وبقنوات مادية ومعرفية مكنتها من ضمان الديمومة لسياساتها وسلطتها. لقد تأكد أن البصري، بتركيزه على تدبير الصراع وجعله من أولوية أولويات مهامه، لم يكن يمتلك النظريات والأجهزة المفاهيمية لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية، بل كان همه الوحيد هو ممارسة السياسة في تجلياتها البسيطة التي تحيل على المصلحة الفردية ومحاربة الخصوم السياسيين باستعمال كافة الأسلحة للإطاحة بهم.

لقد لعب البصري دورا كبيرا في هذه المرحلة. لقد قضى هذا الرجل أكثر من ثلاثين سنة في سدة الحكم بالمغرب وخبر سياسة المناورة، والتحكم في مجريات الأحداث السياسية تحت ذريعة الهاجس الأمني. كما تبين أن الرجل في ممارسته لمهامه التسلطية لم يكن يمتلك أو يؤسس لنسق سياسي ديمقراطي. بل ما ميزه هو استطاعته بدهاء كبير أن يؤسس لشبكة واسعة ومتداخلة من العلاقات اجتمع فيها الجانب الأمني بالعسكري والسياسي. لقد نجح في تدبير علاقات اقتصادية واجتماعية وسياسية ملتبسة مكنته من السيطرة على الوضع وخلق التوازن في موازين القوى. إن إبداعه في المزج بين الترهيب والترغيب خلال مواجهة المعارضة جعل منه الرجل القوي في الدولة ووزير الدسائس حيث نعتت وزارته بأم الوزارات. إلا أن طول مرحلة الصراع بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لم تفرز إلا مجتمعا متأزما تحول فيه المغاربة إلى كائنات مقهورة بالقوة وبالفعل.

لقد ورث المغرب مشهدا سياسيا يستند على ثلاث قواعد: الخبرة السياسية، والمزاج والزعامة السياسية. كما أن استغلال الخبرة لم تكن غايته ضمان التدبير المحكم لحقوق وواجبات المغاربة وإنما تم استثماره لخلق التوافق لتمرير قرارات سياسية مرسومة سلفا. إن عنصر الذاتية الزائدة والممارسات المزاجية جعل العلاقات العمومية تسير وفق خط عمودي استبعد فيه شرط التفاعل الإيجابي والبناء وترسخت من خلاله ثقافة التنفيذ والخنوع. كما وجدت البلاد نفسها أمام أجيال من المغاربة يفكرون بذات النمط الموروث عن زمن الصراع. على المستوى السياسي، ورث المغرب، بفعل عدم ارتقاء التوافقات الفوقية إلى تعاقد واضح المعالم ناهيك عن نشوب صراعات بين النخب المعارضة، مشهدا بقوى سياسية مشتتة لا تقوى حتى على الحفاظ على استمراريتها بشكل طبيعي. وعلى المستوى الاقتصادي، ورث المغاربة وضعية اقتصادية أضحى البؤس فيها نصيب الكثير من المغاربة والغنى والترف الفاحش من نصيب "كمشة" من المحضوضين بما في ذلك بعض رواد ورعاة التوافق.

وبخصوص إشكالية إنتاج النخب، عاشت البلاد مسلسلات توافقية ممنهجة لتحديد النخب. كان تحديد المجال السياسي يعتمد فيها على تحديد "القبائل" الحزبية المرشحة للفوز مسبقا وانتقاء وصناعة نخبها بطريقة توافقية تضمن استحداث مؤسسات كفيلة بإرضاء الجميع.

على أي، بالرغم من الصراعات المفتعلة والطويلة المدى، توجت المرحلة ببعض النتائج والتي يمكن اعتبارها إيجابية والتي نذكر منها:

الحفاظ على الوحدة الترابية. وفي هذا الصدد، كان حدث المسيرة الخضراء حدثا بارزا في تاريخ الحلول السياسية السلمية في العالم. كما تبين أن الإعلان عن الاستفتاء مبكرا مكن المغرب من ربح الوقت والتصدي ديمقراطيا للضغوطات الخارجية في عالم كانت فيه التقاطبات السياسية تساعد على تفتيت الدول وقلب الأنظمة السياسية تحت ذريعة دعم الحركات التحررية في العالم. كما مكنت التفاعلات المغربية مع الشرعية الدولية من خلال الإعداد لإجراء الاستفتاء التأكيدي بالصحراء المغربية تحت إشراف الأمم المتحدة، من إبراز صعوبة تنفيذه. مما جعل المشروع المغربي الحالي بشأن الحكم الذاتي يحضى بالدعم الدولي،
بالرغم من علة الإنتخابات التي أجريت خلال فترة الصراع، تمكن المغرب من فرض مبدأ التعددية كأساس للعمل السياسي،
بالرغم من الصراعات والتي تخللتها دعوات إلى المشاركة في الحكم لبناء الدولة، تمكن المغرب من توفير شروط التناوب التوافقي بجعل ورش بناء الدولة من جديد من مسؤولية الجميع،
تحقيق تقدم شكلي كبير في الهيكلة المؤسساتية للدولة: الحكومة، البرلمان، مجلس المستشارين، الجماعات المحلية، المصالح الخارجية الإقليمية والمحلية، الجهوية، ...
1ـ حكم الملك محمد السادس: الإستمرار في دعم مرحلة الإنتقال الديمقراطي و ترسيخ منطق الحكامة

في السنوات الأولى من حكم الملك محمد السادس، تعددت التحليلات بشأن التوجه الجديد لمنطق ممارسة السلطة بالمغرب (الاستمرارية أم القطيعة). وفي هذا الصدد أصدرت مؤسسة فريدرش أبيرت تقريرا في هذا الموضوع بإبراز ثلاث سيناريوهات ممكنة:

السيناريو الأول : العودة إلى نظام سلطوي تستمر من خلاله الدولة بتفعيل التزاماتها الدولية المتعلقة بالإنفتاح على الخارج بدون إدخال إصلاحات سياسية عميقة تضمن إعادة توزيع السلط،
السيناريو الثاني: التركيز على القيام بإصلاحات قطاعية تحت إشراف الملكية ودعم الإنتقال الديمقراطي ومن تم تمكين البلاد من إضعاف الثقافة المخزبية السابقة مع توفير شروط الإنفتاح على فاعلين سياسيين جدد. ويفترض، من خلال هذا السيناريو، تحويل الملكية من مؤسسة سلطوية إلى مؤسسة تنموية تستمد شرعيتها من الإقتصادي والتنموي وذلك من خلال تمكين عمال وولاة المملكة من الآليات الضرورية لإنتاج وتنشيط النخب الفاعلة على أساس القدرة على تفعيل الأهداف التنمية ذات الأولوية بعيدا كل البعد عن تأثيرات المرجعيات الإيديولوجية (التنمية الاجتماعية أولا كمدخل للتنمية السياسية)،
السيناريو الثالث: التعجيل بالإصلاحات السياسية العميقة كأساس لبناء ديمقراطية حقيقية.
وعليه، ومن خلال تتبعنا للمجريات والأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وللمجهودات الإصلاحية التي تعرفها الدولة، يتضح جليا أن المغرب اختار الحل الوسط (السيناريو الثاني) اعتبارا للقولة "لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين". فالديمقراطية كهدف يبقى تحقيقها رهينا بمدى قدرة المكونات المجتمعية على ترسيخ الوطنية والوعي السياسي. ويتضح لنا كذلك، من خلال المؤشرات التالية، أن الدولة عازمة للسير قدما لتحقيق أهداف هذا السناريو:

لقد عبرت المؤسسة الملكية، من خلال إعلان مشروعها المجتمعي الحداثي، أن مطلب الحكامة أصبح مطلبا للدولة حيث عبرت للمغاربة عبر إشارات قوية عن إرادتها لخلق القطيعة مع الماضي والتركيز على السرعة والنجاعة في إنجاز الأوراش الرامية لتأهيل التراب الوطني،
الإعلان الرسمي عن المفهوم الجديد للسلطة كأساس للتنمية الترابية، وازته مجهودات كبيرة لمأسسة الدولة والطي النهائي لملف الانتهاكات الجسيمة،
إقالة الرجل القوي إدريس البصري من منصبه كان إشارة كبيرة على الإرادة السياسية لخلق التحول في منطق ممارسة السلطة بالمغرب. ونعتقد أن قرار إقالة وزير أم الوزارات كان قرارا جريئا وشجاعا نظرا لقوة الرجل، ودهائه، وعلاقاته العنكبوتية في كل الميادين. إنه تعبير عن الرغبة في خلق نسق سياسي جديد مبني على أساس خلق القطيعة مع رموز الماضي. وهو ما دفع محمد اليازغي في إحدى خرجاته الإعلامية إلى إعلان موت المخزن مباشرة بعد إقالة إدريس البصري. هذا، لأن المخزن كان عقلية ونهجا لمنظومة ظلت تدبر الشأن السياسي في ظل غياب قواعد واضحة وشفافة لتنظيم اللعبة السياسية والتناوب على السلطة،
التصريح الرسمي للدولة عن اضطلاعها إلى تمكين المؤسسات من القيام بالادوار الموكولة لها من خلال تمكين الحكومة من القيام بمهامها، والبرلمان من التشريع والمراقبة، والجماعة المحلية من الاضطلاع بمسؤولياتها، ومضافرة الجهود لتأهيل القضاء لترسيخ النزاهة والشفافية،
التعبير على سعى الدولة من خلال تعيينها الإنسان المناسب في المكان المناسب إلى تضييق الخناق تدريجيا على نظام الامتيازات والمكافآت والريع،
التعبير عن الإرادة في الإعتماد، في تدبير الشأن العام ، على الآليات والمناهج والمقاربات التدبيرية الجديدة (الالتقائية في الفعل التنموي، والحد من آليات الشرعنة اللاقانونية، والمشاركة، والتشارك، والتوافق، والبرمجة والرؤية الإستراتيجية من مرحلة التشخيص وتحديد الحاجيات إلى التفعيل ثم التقييم والتدقيق وتتبع الوقع، والفعالية وجودة الخدمات، ترشيد التسيير وحسن استعمال الموارد، وتوزيع المسؤوليات، وصقل القدرات، وتبسيط المساطر، وتوضيح المرجعيات القانونية، والتحفيز والاستحقاق، وتدبير المشاريع، وتقنيات وتنشيط فرق العمل، وتدبير الإجتماعات، تقنيات التواصل والتفاوض، وتدبير النزاعات، وتدبير الوقت، واستعمال لوحات القيادة، والإعلاميات وأنظمة المعلوميات، ...)،
تعبير الدولة من خلال الأوراش الخاصة بالتنمية البشرية والتنمية الإجتماعية على إرادتها لخلق منابع جديدة لتشكيل نخب مستشعرة لطبيعة التحديات الداخلية والخارجية، وقادرة على ترسيخ العقلانية في الفعل التنموي الميداني، وعلى تجاوز الشخصنة والكرزماتية من خلال ترسيخ عقلية المأسسة، وعلى المساهمة للحد من التجاوزات بتقوية تفاعل مكونات وحقول السلطة السياسية،
التعبير عن الإرادة السياسية لتدعيم اللامركزية من خلال السعي لتحقيق التنمية المحلية بجعل المؤسسات التمثيلية قادرة على مواكبة مسلسل عصرنة الإدارة العمومية الترابية في إطار الحكامة المحلية الجيدة. إنه تعبير لخلق القطيعة مع آليات تدجين النخب والرغبة في الإنفتاح على نحب حداثية فاعلة قادرة على تنمية مجالها الترابي من خلال الاندماج الفعلي في البرامج القطاعية لمختلف الوزارات في إطار الإلتقائية كآلية لتقوية وقع المشاريع التنموية.
التعبير عن ضرورة تقوية مستوى الموارد البشرية الإدارية منها والتمثيلية لتحقيق التنمية المحلية. فبالإضافة إلى الإلمام بالجانب الإداري (اختصاصات وميزانيات القطاعات العمومية)، النهوض بالتنمية المحلية يتطلب إلمام النخب التمثيلية، ولو على المستوى المفاهيمي، بميادين ومرافق التدخل المحلي: المرافق العمومية المحلية، وسياسة إعداد التراب الوطني والتعمير والممتلكات الجماعية، وسياسة اللامركزية واللاتمركز، وتدبير الموارد المالية والمحاسبة، والتنمية الإقتصادية والإجتماعية، وتدبير الرصيد الوثائقي، والنقل والتنقل المحلي، والحاجيات والتجهيزات الأساسية المحلية (الطرق، الإنارة، النفايات الصلبة، التطهير، الماء الصالح للشرب، المساحات الخضراء، البنايات، الأسواق، الوقاية الصحية، البيئة، ،...)،... كما عليها كذلك الإلمام بالمقاربات التدبيرية الجديدة بشقيها الإستراتيجي (تشخيص المنظمات، وقيادة التغيير، ومقاربة الجودة،...) والعملياتي السالفة الذكر.
إلا أن وقع هذه المؤشرات بإمكانه أن يبقى محدودا إذا لم يتحقق الإندماج والإلتقائية بشكل فعلي لكل المكونات السياسية للبلاد خصوصا المكونات الحزبية الوطنية والجادة. على هذه الأخيرة الإستثمار الجدي لجعل تنظيماتها على مختلف المستويات الترابية قادرة على خلق منابع جديدة لتشكيل نخب قادرة على تحمل المسؤولية العمومية والدفاع على المشروع المجتمعي الحداثي الذي نصبو إليه من خلال مواجهة الإكراهات المتعددة والسير قدما بوتيرة سريعة. وهو الأمر الذي مازال لم تستوعبه نخبة اليوم.

كما أن الاستمرار في نفس المنطق السياسي الحزبي من شأنه أن يزيد من تأزم الحياة الحزبية من خلال تفوق الدولة في منطق العرض والطلب في المعادلة السياسية باعتمادها على الأطر المتخصصة في مجالات دقيقة. على النخب الحزبية المساهمة الجدية في الحد من الغموض والضبابية التي تكتنف المجال التمثيلي والمبني أساسا على الانتهازية، وتحقيق المصالح الشخصية بتكريس منطق نظام قسمة الغنائم.

وفي هذا الصدد، وجب استنباط الدروس من الاستحقاقات السابقة التي دقت ناقوس خطر التراجع. وهنا يمكن اعتبار ضعف المشاركة السياسية في استحقاقات 7 شتنبر 2007 تعبيرا عن رفض المواطنين لاستمرار القيم السابقة: قيم القبيلة، والعار، والبركة، وعبادة الأولياء، والزبونية، وقضاء الحاجة على حساب الآخرين، والشعودة، و"مشاركة الطعام"، وشراء الأصوات والذمم، والكرزماتية،... وما يؤكد ذلك كون النخب التقليدية المعتادة والمعلومة واجهت صعوبات كبيرة في الحفاظ على مواقعها، كما تم بالموازاة إسقاط عدد كبير منهم بالرغم من استغلالهم واستعمالهم لكل آليات الشرعنة القديمة السالفة الذكر ناهيك عن العلاقات القديمة التي تربطها مع جيوب المقاومة .

على أي، إن الوضع السياسي الحالي جد معقد لكونه يستحضر معطيين اثنين: تفوق الإدارة في الفعل التنموي يوازيه ضعف كفاءة عدد كبير من النخب التمثيلية. وهذا المعطى المحرج يفرض إعادة نظر داخلية في آليات إنتاج النخب الحزبية لخلق التوازن السياسي والتنمية في آن واحد. وفي حالة خلق هذا المنعطف الضروري يصبح الوضع السياسي الحالي ملائما لخلق التحول بجعل العطب الحزبي/السياسي مسألة ظرفية مؤقتة.

وفي الأخير، وعلى سبيل التذكير، لقد أصبح واضحا أن مسلسل اللاتمركز على مستوى الإدارة الترابية في تقدم مستمر. فبالإضافة إلى تفويض سلطة القرار مصحوبة بالموارد المالية الضرورة لتحقيق التنمية إلى ولاة وعمال المملكة، أصبح هاجس الاستمرار في منصب المسؤولية رهينا بمدى إلمام المسؤول بأنماط التدبير الجديدة السالفة الذكر. كما أصبحت كل مستويات المسؤولية مطالبة بتقديم حصيلة إنجازاتها الميدانية (التقييم). وبالموازاة، ثبت أن الإدارية الترابية أصبحت مدربة نسبيا في الإسهام بنجاعة في تحقيق المشاريع البنيوية للبلاد مع بذل المجهودات باستمرار لتثبيت سياسة القرب تحت الإشراف المباشر للمؤسسة الملكية وعلى أساس ربط علاقة مباشرة ووثيقة مع الشعب أساسها الفعل التنموي والاستماع والتتبع عن قرب لمشاكله وهمومه. إن معيار الكفاءة العالية المعتمد في اختيار النخب المسؤولة على تسيير وتدبير شؤون الإدارة الترابية يبقى وقعه على رفع تحدي تأهيل البلاد مرتبطا بمدى قدرة الأحزاب على إنتاج النخب السياسية الكفئة في المؤسسات التمثيلية. إن عدم التكافؤ في إنتاج الكفاءة والمسؤولية بين الإدارة والأحزاب السياسية لن يكرس إلا التبعية المعرفية وعدم قدرة الأحزاب على مسايرة الركب. وعلى العكس من ذلك ، فالتوازن في الكفاءة سيمكن البلاد من التراكم المعرفي ومن خلق الالتقائية ذات مردودية ووقع كبيرين على تنمية البلاد في مختلف الميادين.

ونظرا لخاصية التعقيد التي تتميز بها المنعطفات السياسية الرامية إلى تحقيق الانتقال إلى الديمقراطية من خلال التنمية البشرية وضرورة خلق التحول في سيكولوجية الفرد والجماعة، يبقى رفع تحدي إنجاح تدبير التغيير في المغرب مرتبطا بمدى قدرة الدولة بكل مؤسساتها وفاعليها على تكسير الشبكات العنكبوتية المقاومة للتغيير. إنه رهان صعب التحقيق ويتطلب الحزم المؤسساتي والالتقائية السياسية لكل القوى الحية في البلاد لتشخيص وضع تلك الشبكات (نقط القوة ونقط الضعف) ومن تم إضعاف أسس قوتها (القرابة العائلية، علاقات المصاهرة، تبادل المصالح على حساب الوطن،...). وأعتقد أنه حان الوقت لفرض شرط التصريح بالممتلكات كأساس لتقلد مناصب المسؤولية.