إعلام حر، نزيه، مستقل .... موقع صحيفة الجسور المغربية يرحب بزواره الكرام ويتمنى لهم إبحارا ممتعا، فمرحبا بكل التعليقات المفيدة والتوجيهات السديدة...

هذه الجسور .....

أردناها أن تكون صوتا حرا لإعلان الاتفاق أو الاختلاف، دونما رقابة ذاتية أو أحكام معلبة. أردناها أن تكون منبرا يسائل الوقائع من أجل الخطو إلى الأمام، والإسهام في كل هوامش التطور الممكن في مغرب اليوم ضدا على كل اليقينيات الجاهزة، والإرادات المحافظة.

وأردناها أن تكون جسورا للتواصل، والتحليل، والنقد، والإبداع... وابتغينا لها الإسهامَ في محاربة ثقافة الهامش، ومنطق التيئيس الذي أصبح يحتل مساحات واسعة في تمثلات وسلوكات الفرد والمجتمع.

هذه الجسور تعلن انتماءَها، دون تردد، لمسار التحديث، وهاجس البناء... وكم هي شاقة جسور التحديث والبناء في مغرب متحول تحاصره إكراهات التقدم ومستلزماته، وجيوب المقاومة، الظاهرة والمضمرة !

--------------------------------------------------------------------------------------------


الأحد، أغسطس 17، 2008

سيدي إيفني، الجريدة الأولى... وأشياء أخرى

اعميار عبد المطلب

شهد المغرب خلال الأسابيع الماضية بعض الأحداث والوقائع التي أثارت ردود أفعال مختلفة، متباينة الوقع والآثار بالنظر لطبيعتها، ولحجم مخلفاتها. لعل أولاها الأحداث المؤلمة التي عرفتها سيدي إيفني، وما سيترتب عنها من تطورات سياسية وحقوقية، ثم وقائع نشر "الجريدة الأولى" لشهادات قدمها أصحابها أمام هيئة الإنصاف والمصالحة، ومتابعة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الجريدة المذكورة أمام القضاء لوقف نشر هذه الشهادات، ومن بعدها متابعة جريدة "الحياة الجديدة" لنفس الغاية.

عن أحداث سيدي إيفني لا يسعنا حقيقة إلا أن نستنكر كل أشكال العنف والظلم والشطط الذي لحق المواطنين العزل. وكم كلمة نحتاج لنقول بأن مثل هذه الأحداث بقدر ما تسئ لصورة المغرب وتشوه سمعته في الداخل والخارج، بقدر ما تكشف استمرار عقلية الانتهاك الساكنة في أدمغة بعض المسؤولين عن الأجهزة الأمنية، وتثير ملحاحية تحقيق الحكامة الأمنية، وهي بالمناسبة إحدى أهم التوصيات التي خرجت بها هيئة الإنصاف والمصالحة في تقريرها عن سنوات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان... فهل يحتاج المرء أمام مثل هذه الوقائع، وإن اختلفت حدة توصيفها، أن يكون حكيما أكثر من الحكماء أنفسِهم لكي يخفف من هول ما نزل، ويقنع نفسه، ربما أكثر من اللازم، بأن مغربا ديمقراطيا يصنع على الرغم من كيد الجزيرة، وشعبوية بعض الإعلاميين. ولن نمل من القول بأننا في المغرب لا نحتاج لمثل هذه الوقائع التي قد تزيد من توسيع دوائر الإحباط، والتذمر الاجتماعيين. كما أننا لسنا في حاجة إلى سماع تصريحات تطمينية في مستوى التصريحات "الذكية" التي نفت وقوع أحداث بسيدي إيفني إطلاقا، ناهيك عن "براعة" الإعلام العمومي الذي أبان حقيقة عن توفقه، وتفوقه الكامل في نقل الأحداث وتتبعها والتعليق عليها بترجمته البليغة للمثل القائل "كم حاجة قضيناها بتركها".

أما عن نشر شهادات في "الجريدة الأولى"، ومن بعدها في "الحياة الجديدة"، وهي إفادات قدمها أصحابها، في إطار فلسفة العدالة الانتقالية، أمام هيئة الإنصاف والمصالحة، فإننا نعتقد، بكل صراحة وبدون مجاملة أحد، بأن الطريقة التي نشرت بها، فيها مس بالحقيقة نفسها، ولا أحد من حقه أن يدعي حماية الذاكرة الوطنية والنيابة عن 30 مليون مغربي، ولو باسم حرية الصحافة المفترى عليها. إن الوقائع، في اعتقادنا، لا تتعلق بحرية الصحافة ولا بنقل الخبر بل بمعطيات عمومية يرجع للقانون وحدهُ تنظيمَ سبل الولوج إليها ونشرها على العموم كما هو معمول به في العالم. وحتى لو استحضرنا، بالمناسبة، ذريعة الفراغ التشريعي الذي ينظم الأرشيف العمومي، فهذا الأمر ليس مبررا "للاستفراد" الإعلامي بالذاكرة الوطنية، لنشرها بالطريقة المعلومة.

فهل تمكن المغاربة يا ترى، والحالة هاته، من اكتشاف كل الحقيقة؟ وهل تكفل بضع مئات من الجرائد وحتى بضع آلاف، النيابةَ عن الإعلام العمومي، وعن كل المغاربة، لادعاء الحق في خدمة الحقيقة وحمايتها. أما القول بأن المجلس الاستشاري ارتكب جريمةً في حق الصحافة بلجوئه إلى القضاء، فهذا أمر يجانب الصواب. لأن اللجوء إلى القضاء أسلوب حضاري. ومن الغرابة أن نقرأ كذلك بأنه كان من الممكن أن يلتزم المجلس الاستشاري الصمت تفاديا "للنفخ في النار". إن استبلاد القراء لا يقل خطورة عن الكذب على التاريخ. وإذا كان البعض يعتبر نشر الشهادات يدخل في خانة السبق الصحفي، فإننا نعتقد، بأن السبق لا يتحقق على حساب مقتضيات العدالة الانتقالية، ولا على حساب مصلحة الوطن. نعم، إن نشر بعض الشهادات قد لا يهدد المغرب بالانقلابات، ولكنه قد يسئ إلى الحقيقة في ذاتها، وقد يحجُبها، في النهاية عن ملايين المغاربة بالطريقة التي تم اعتمادها.

إن العديد من الدول العظمى، ذات الأعراف الديمقراطية العريقة، تنظم أرشيفاتها العمومية بمنطق القانون، وبمنطق الحفاظ على هبة الدولة ومصالحها، وما أحوجنا نحن اليوم إلى تمثل هذا المنطق بعيدا عن المزايدات والمتاجرة والمغالطات.

ليست هناك تعليقات: