الأسئلة المطروحة...
الانتقال الديمقراطي. التناوب التوافقي. المفهوم الجديد للسلطة. المنهجية الديمقراطية. المجتمع الحداثي الديمقراطي. الحكامة الجيدة... هذه العناوين، وأخرى، شكلت مواد سياسية للتحليل، والمقاربة، والتقييم، والتأويل... وعلى الرغم من مساحات الاختلاف أو التبرم التي قد ترتسم إزاء هذا الشعار أو ذاك، ومن حجم التفاعل، بالإيجاب أو السلب، مع ما يحمله هذا المفهوم أو ذاك، فإن شيئا واحدا تلخصه سيرورة التحولات التي يعرفها المغرب منذ نهاية القرن الماضي، ومطلع القرن الجديد، وهو أن مغربا متحولا تتشكل معالمه بالتدريج، بتوليفات ومستجدات تختلف فصولها ووقائعها عن مغرب الأمس.
أشياء كثيرة تتغير: في أنماط السلوك الفردي والجماعي، في العلاقات الاجتماعية، في العقليات، في آليات التواصل ومنظومات التلقي، في سلم القيم، في علاقة الهامش بالمركز، في تطلعات الجماهير، في علاقة المثقف بالسلطة، في معايير الالتزام ومنطلقاته، في آليات فرز النخب... إلخ وفوق هذا وذاك، فإن العديد من المفاهيم التي كانت تحرك خطابات الحراك السياسي، بخلفياته وتشنجاته ورهاناته، عرفت طريقها إلى الانقراض الكلي. فيما بعض المفاهيم المتنطعة، سائرة، هي الأخرى، إلى طريق الزوال، دونما مقاومة أو حظوظ عيش إكلينيكي.
بعد 7 شتنبر، تاريخ إجراء الانتخابات التشريعية الأخيرة، كانت صدمة العزوف الانتخابي قوية. زعزعت كل القناعات والانتظارات، والأوهام، والتوقعات. ووضعت امتحان الانتقال الديمقراطي أمام معطيات ورهانات جديدة، وكان السؤال العريض مدويا: كيف يمكن بناء المشروع الديمقراطي، بأعرافه وتقاليده، دون ناخبين ؟.
وفيما كانت النخب السياسية ما زالت تبحث هنا وهناك، عن مسببات هذا العزوف، وتبحث عن تخريجات تعفيها –ربما- من إعلان حالة احتضار السياسة بالبلاد، جاء حدث إعلان مبادرة "حركة لكل الديمقراطيين" !
إنه "حزب الدولة"، "حزب الأعيان"، "حزب الملك"، "حزب الشبهة"... تعددت النعوت والمسألة واحدة، وهي أن "شيئا ما" يصنع في المغرب.
قبل شهور، عندما نزل عالي الهمة إلى دائرة الرحامنة لاجتياز مباراة الانتخابات تحدث حينها رجال الإعلام عن ظاهرة الهمة. وعندما دخل إلى البرلمان و"انتقى" فريقه النيابي تساءل الناس، والسياسيون، والإعلاميون، عما يفعل الرجل، وفيما يفكر. واليوم حيث اكتملت الدورة الطبيعية لما بعد عملية الترشيح بابن جرير، خرج مشروع "حركة لكل الديمقراطيين" ومعه تبدو ملامح المشروع السياسي شبه مكتملة، على الأقل هذا ما تنطق به العناوين الكبرى لأرضية 25 فبراير 2008 والتي شكلت محور اللقاء الصحفي المنعقد بالرباط يوم 27 فبراير 2008. ومنذ الاعلان عن ميلاد هذه المبادرة تعددت ردود الافعال...
فكان الغضب. انتفض أهل الحركة الوطنية، فيما صمت فصيل آخر. ذكَّر البعض بالمشروعية التاريخية، وبالمشروعية السياسية، وبالمشروعية الجماهيرية... إلخ. ثار أهل اليسار، وبعض أطياف اليمين والوسط. فتحدثوا عن عودة المشروع المخزني، وحذروا من استغلال اسم الملك في السياسة. قلَّبوا سجلات التاريخ، وذكَّروا بأن المغرب عرف تجربة اسمها الفديك والفديكيون... إلخ. تعددت المواقف. وما بين رافض، ومتحفظ، ومبارك، وصامت... تستقر الأسئلة السياسية الكبرى لمغرب اليوم. لماذا لم يذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع يوم 7 شتنبر؟.
هل نجح الممانعون والمقاطعون في صناعة خطابهم، والإقناع بحجية طروحاتهم؟. هل ما زال خطاب الشرعية التاريخية لأهل الحركة الوطنية صالحا لفعل السياسة أمام شعب عريض تغيرت عقلية أبنائه؟ هل نجحت أحزاب الدولة (التي كانت تسميها المعارضة المغربية أحزاب الإدارة) في تقوية المؤسسات؟. لماذا فشلت كل عمليات التوحيد والاندماج (والانشقاق أيضا) في بناء مشروعها السياسي. في كل عملية توحيد هزيمةٌ جديدة، وفي كل عملية انشقاق هزيمة إضافية.
ويبقى السؤال الجوهري: كيف للعقل السياسي المغربي أن يؤهل نفسه بإعادة بناء أطروحاته الوطنية لإقناع المغاربة بمشروعية قيامه. سواء كان الفعل من دائرة الملك، أو من المحسوبين عليه، أو من المقربين منه... ما دام أن الطبقة السياسية كلها مع الملك، فكيف السبيل لبناء الوطن على مقتضيات الديمقراطية الحقة، ولا شيء غيرها؟
إن رهانات مغرب اليوم تطرح على كل الفاعلين، أيا كان موقعهم، العمل على إيقاظ شعلة الإحساس الوطني في مختلف مناحي الحياة، وزرع أسباب الأمل في أجيال الحاضر والمستقبل، والتصدي لكل الإكراهات البنيوية التي تعيق قطار التحديث والدمقرطة، في زمن تختلط فيه بذور الإرهاب المحلي بخيوط الإرهاب العالمي، وفي سياق لم يعد يسمح بالتشكيك في إرادة الإصلاح المؤسساتي، وفي قدرة المغرب على خوض الرهانات المطلوبة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق