ها أنت، الآن، جالس على مصطبة بمدخل العمارة تحرص عيون الليل. تراقص سكانها يزداد قلة كلما توغل الليل في جوفه. بعد قليل عليك بالواجبات الأخيرة لليوم، أي أشغال النظافة. لكن لا بأس إن تأخرت. فالليل كله لك، سيما إن مر عليك ابن أختك الصغيرة ليؤنسك بعض الوقت، كما أخبرك بالهاتف النقال. الهاتف هذا لم يعد ميزة، بل صار من الأدوات اللازمة لحارس العمارة. حراس ضيعات الحوامض ببلدتكم البعيدة كانوا يملكون ترانزيستورات من نوع نيميرو 8 وكانوا يحفظون الأغاني والبرامج والعواصم ورؤساء الدول . برنامج "سمير الليل" كان يروقهم أكثر. ومع ذلك كانوا ينامون. ملاك الضيعات الذين ورثوا المعمرين يقيمون بعيدا في قصورهم بالمدينة. بل إن مهمة عساس بالضيعة كان لا ينالها إلا ذوي البأس والقربى.. ها خواطرك تعرج على "البيه البواب" إنه عنوان فيلم من أرض الكنانة دون شك. أنت لا تذكر هذا الفيلم بالمرة. وقد تكون، فقط، سمعت عنه. لكن بإمكانك أن تفترض، من العنوان، أن قصة الفيلم ساخرة مفارقة كاشفة قد تتناول سلطة أو نفوذ أو ذكاء أو دهاء أو نبل أو فقر أو غنى هذا الأسمر الذي يرتدي دوما ثوبا تقليديا واسعا أبيض. والذي ينحدر في الغالب، أي البواب، من بلاد النوبة. بإمكانك أنت أيضا أن تصير بيها، أي ضلعة كبيرة بالمغربية الفصحى. ومع أن الأمر، مجرد سينما، فإن الدنيا حظوظ. وقد يكون حظك ما يزال أمامك قريبا أو بعيدا. المهم أن لا تلتفت إلى تلك الحظوظ التي تركتها وراءك، أو تركتك وراءها، سيان. ابن أختك، إن مر عليك فعلا، فإنه لابد أن يذهب فيما بعد لينام. لم ينل حتى الشهادة الابتدائية، وهو الآن لحام، أي سودور، شاب أعزب وبسهولة يعثر على عمل بأجر لا بأس به. أنت معك إجازة في الهندسة الميكانيكية، والشيب يحاصرك من كل صوب، وزوجة تنام وحيدة في بيت بأحد السطوح. ليس طبعا سطح هذه العمارة، لتصحو باكرة على معمل النسيج. "مالي ياربي مالي، مالي من دون الناس... هو بايت هاني ، وأنا بايت عساس " هذه العيطة الشعبية التي أداها أغلب الشيوخ والشيخات كم هي جميلة وحزينة، ولكم انتشت بها كؤوس سبتنا أيام الجامعة. كم أشتاق الآن لسماعها مع كامل الانتشاء. سأفعلها وبكل العيوط حين سأصير بيها.. أنا متيقن بأن الليل يمرق بسرعة على بعض الأزواج بالعمارة، تماما ، أو ليس تماما، كما كان يحدث حين أسرق وصديقتي بعض الليالي الطوال أيام الجامعة. ليلك الآن سلحفاة، أو حارڭا يملي فجر ليله بالضفة الأخرى . حاولت مرة أن أفعل، أنا أيضا، وباءت محاولتي بفشل قدره خمسة آلاف درهم ، حين نجح أحد الوسطاء الصغار في النصب علي. المحاولة التي خلت نفسي فيها ناجيا، فعلا، كما غيري، هي قصة "النجاة" التي يعرفها الجميع سيما وأنها أشهرت في التلفزيون وعلى لسان مسؤول حكومي كبير .. وقتها حلمت بأنني سأعيد أمجاد سندبادنا البحري في الطواف بالبحار والأمصار وفي نيل ثروة العمر والإعمار. لما لا، وسندبادك البري، كان قد عاد للتو مندحرا مستكينا من جماهيرية الكولونيل وفي حلقه كثير من الملح تشربها لمدة سنتين قضاها هناك حارسا لغرفة الاتصال بإحدى شركات النفط الأجنبية. رحلتك إلى ليبيا تبدو لك اليوم أنها كانت عملية خاسئة خاسرة رعناء.
فإما كان عليك ألا تقدم عليها، أصلا، لتظل على رأس جمعية المعطلين تحصد النقط التي قد تبوؤك بيتا في الجنة ولا مكتبا بوظيفة عمومية ما. الخطأ خطؤك. كان بإمكانك أن ترتاح من وظيفة المعطلين والشعار الهادر " إلى متى سنبقى هكذا؟ إلى متى؟ " لو قبلت سنوات قبل ذلك المشاركة في مباراة الولوج إلى مدرسة المعلمين والمعلمات التي انفتحت على المجازين من أمثالك ، كسيدنا قدر، ثم أفلت إلى غير رجعة. ولو قبلت، بعد هذه الغصة، أن تكون معلما عرضيا، المعلمون العرضيون صاروا، اليوم، أساتذة رسميون. قرارك دوما مشلولا معطوبا أيا هذا.. أو قل أن لا قرار لك إلا بعد فوات الأوان..
أو كان عليك أن تتحمل، كالجمل، ملح الأشقاء العرب و تمدد مقامك بينهم إلى اليوم حيث فك عنهم الحصار، وأقبلت عليهم الاستثمارات الأمريكية والأوروبية، وصارت عملتهم متداولة في السوق العالمية.
حلم "النجاة" كان غاليا سامقا عندك . حلم ظل عسله جاثيا على يقظتك ومنامك يخيط المشاريع ويرسم زهو الألوان. حلم، اتخذت هذه المرة، قرار الإبحار فيه في الوقت المناسب . لكنه خاب. هل خاب لأنك اتخذت قرار الإبحار فيه في الوقت المناسب؟ هل كان عليك أن تترك لغيرك فرصة تحقيق أحلامهم يا عود النحس؟ لم يكتف هذا الحلم بأن طمر في أغوار البحار، ولكنه قادك من حيث لا تتوقع إلى واجب الخدمة العسكرية . لقد حصلوا على اسمك ، كما قالوا ، من وثائق جواز السفر الذي كنت تعده للنجاة. لم تتردد كثيرا و قلت مع نفسك " المعروضة ما فيها غير الخير ". عدا أنك مجاز معطل، ولربما وجدوها – يا لحظك الباسم أخيرا- فرصة للاحتفاظ بك ضابطا رفيعا. في الشهور الأولى، بسخاء تنقلت على عناء وشقاء التداريب و الأشغال بمجموعة من الثكنات، وتآلفت مع طبائع الغلظة والفظاظة، وتمثلت بإتقان مراسيم التراتبية العسكرية. حتى جاء اليوم المشهود. يوم قرروا تمييزكم أنتم المجازون إلى صف معشر الضباط، ثم صنفوكم إلى تخصصات بحسب شعب شواهدكم لأجل الدراسة النظرية و الخرجات الميدانية. ليس بمقدورك، الآن، أن تكشف عن تفاصيل برنامج تخصصك. إنها من أسرار الدولة التي أنت محلف ومؤتمن عليها. توجت الدراسة بامتحان نلته باستحقاق. قلت هذه هي البراعم الأولى لتباشير الربيع. ولما أحالوك ضاطا مكمولا هنيا في يوميات إحدى الثكنات ، قلت، هنا، ستنمو هذه البراعم وتزهر . تتغذى أنت مع الضباط في ناديهم الخاص. تنام كالضباط. الجنود يحيونك حيثما صادفوك. الكولونيل بالثكنة، بعد أن تحييه، يكلمك كالند. و لما تسر له بأسئلة المستقبل، أي مستقبلك، يطمئنك بالثقة في فرضية الاحتفاظ بك. بدورك تثق في هذه الثقة. فالأعداء يتربصون بتخوم البلاد، والإرهاب قد يزعزع أمنها لا قدر الله. فكيف يمكن أن يفرطوا، بسهولة، في هذه الطاقة الخبيرة المتدربة؟ ألا يخافوا أن ترتد على نحورهم من حيث لا يتوقعون؟ دعك ، دعك من هذه الهلوسة السيئة الفأل، وعد أخر الأسبوع إلى بلدتك عبر القطار. لاحظ كيف يحترمك الجابي من رخصتك permission المميزة. لا مجال، بعد الآن، لأن يرجف قلبك أمام الدرك، كما يفعل أهل الدوار كلما لمحوا مجرد طلعة سيارته. أحد البسطاء المبسطين من البلدة عانقك بحرارة قائلا " تبارك الله على السي كنينير (كولونيل يقصد) ديالنا" رجل الدرك لن يكتف باحترامك، بل عليه، هو، أن يبادر إلى تحيتك تحية خاصة . يمكن للصدفة ان تقود أحد هؤلاء الدركيين إلى هذه العمارة. تتمنى، طبعا، أن لا يتذكرك. و إذا تذكرك هل سيحييك كما كان.. أو كما يجب ؟
مرت الثمانية عشر شهرا كلمح البصر، و غادرت الخدمة العسكرية، مخلفا هناك في سراديب الارشيفات المغبرة اسمك بلوائح الضباط الاحتياطيين. يقال أن جمعية من أمثالك تشكلت بالعاصمة للمطالبة بالإدماج في سلك الجندية أو الأمن أو... وأنت لا مستطاع لك في أن تعود من جديد إلى سلك الجمعيات . هل عليك أن تتمنى وتنشد الحرب، في سريرتك، لكي تشتغل ؟
ماهو بامكانك الآن هنا، هو أن تنفض عنك غبار الأحلام، ليس أحلام الثورة كما فعل جيل السبعينيات، ولكن أحلام العمل في الوظيفة العمومية، بل وفي أية وظيفة كانت.. لقد تأخر ابن أختي، نسيت أن أقول أنه هو من دبر لي هذا العمل في عمارة رب العمل حيث يشتغل حتى ألتحق بزوجتي التي رأت مبكرا جحافل الغبار.. هل أشكر هذا الولد، ابن أختي؟، هل أشكر الخدمة العسكرية التي دربتني أبوابها على القيام كل الليل؟.. هل أشكر النجاة بالسببية المنطقية؟.. المهم أنني الآن غير نادم حتى على تلك الحراسة العصرية الخصوصية التي يسمونها سيكيريتي. والتي توهم صاحبها بأنه موظف فعلا. إنني حارس ديال بصح، حارس حقيقي، عساس، و قد يقول معلق عارض على هذه القصة العارضة أن لفظة بواب هي الأصح لغة و اصطلاحا.. المهم أنني أدركت، و بعد رحلة عمر، أن صاحب هذه المهنة ليس بالضرورة أو بالطبيعة أن يكون واعرا قويا غليظا ، كما كنت أعتقد هذا أيضا من طبائع الدرك والمخازنية وكل من له لبسة مخزنية .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق