إعلام حر، نزيه، مستقل .... موقع صحيفة الجسور المغربية يرحب بزواره الكرام ويتمنى لهم إبحارا ممتعا، فمرحبا بكل التعليقات المفيدة والتوجيهات السديدة...

هذه الجسور .....

أردناها أن تكون صوتا حرا لإعلان الاتفاق أو الاختلاف، دونما رقابة ذاتية أو أحكام معلبة. أردناها أن تكون منبرا يسائل الوقائع من أجل الخطو إلى الأمام، والإسهام في كل هوامش التطور الممكن في مغرب اليوم ضدا على كل اليقينيات الجاهزة، والإرادات المحافظة.

وأردناها أن تكون جسورا للتواصل، والتحليل، والنقد، والإبداع... وابتغينا لها الإسهامَ في محاربة ثقافة الهامش، ومنطق التيئيس الذي أصبح يحتل مساحات واسعة في تمثلات وسلوكات الفرد والمجتمع.

هذه الجسور تعلن انتماءَها، دون تردد، لمسار التحديث، وهاجس البناء... وكم هي شاقة جسور التحديث والبناء في مغرب متحول تحاصره إكراهات التقدم ومستلزماته، وجيوب المقاومة، الظاهرة والمضمرة !

--------------------------------------------------------------------------------------------


الأربعاء، أغسطس 13، 2008

محمد الطوبي، شعرية الغواية والانقياد لسلطة العشق 1/2

د. امحمد برغوت

بين تاريخ صدور بواكير دواوين محمد الطوبي، وصدور ديوانه: "غواية الأكاسيا"(1) ثلاثة عقود من الزمن تنقل فيها بين الهموم الذاتية، والهموم الوطنية بحكم تفتق وعي الذات المبدعة على ما كان يشغلها حينما كانت الآفاق مشرعة على المستقبل الحامل لبشارات الأضواء التي بدأ يخفت وميضها مع مرور الزمن، لتسلم الشاعر إلى نوع من الارتداد إلى هواجس الذات المهزومة التي تتجاذبها رغبات يومية بسيطة.
غير أن هموم هذه الذات المنهارة بحكم قساوة الواقع المر وفظاعته، لم تتخلص نهائيا من الأحلام التي كانت تؤرقه حين كان- مع رفاق له- يؤمنون بحتمية تحققها.
ومن ثم جاء ديوانه: "غواية الأكاسيا" نسيجا متساوقا مع هذه الأحلام.
وهي على بساطتها أحلام ثلاث.
1- أحلام الوطن المنزوع الهوية، الوطن المسروق.
2- أحلام الذات العاشقة لأطياف الأجساد المغسولة من صدإ النفاق والرياء الذي ملأ الدنيا.
3- أحلام التشرد والانصياع لغواية مملكة النبيذ.
والخيط الرابط بين هذه الأحلام الثلاثة التي تؤثث قصائد الديوان؛ هي الانخطاف تجاه سلطة العشق والغواية". فالحب في تصور الطوبي لازال ممكنا ولم تنطفئ ذؤاباته في الروح بعد. وهذا الإيمان بالعشق هو ما يدفع الشاعر إلى مقاومة الحزن واليأس.
" أنا أحببتكم
الحب لا يزال ممكنا
لم تنطفئ ذؤاباته في الروح بعد.
لكن فليكن انه لن يؤرقكم أكثر،
كم لا أريد أن أحزنكم بأشيائي"(2).
ويشكل هذا الإيمان بالعشق التيمة الكبرى المهيمنة على جل قصائد هذا الديوان كما سيتضح لاحقا.
1- أحلام الوطن المنزوع الهوية، الوطن المسروق:
"سطوة السؤال وأسطورة غيم الأقاليم، اسورة الفضة تحاكي لهجة بيروت حين رتلت سورة السكر لما سها السيف- أقمار ميلاد النيازك في شمس الظهيرة تكشف أن وهران الوقت أول خرافة رؤيا الحداد في ليل الدخان، ليل الأعزل المستحيل الشاحب المكتوي بنار الخرافة صباح الترنيمة، بين الرصافة والكرخ أقبل الشعراء ليهدوا وردة للشهيد المغربي ليل أورق الجلنار..."
هذه بعض من الظلال التي تلقي بأفيائها على قصائد محمد الطوبي الوطنية يرسم من خلالها مدى رسوخه في التربة المفضوضة للبلاد المنيعة التي لا تنبت إلا الحزن والقلق على حالها. ويحضر الهم الوطني بقوة في المتن الشعري لديوانه: "غواية الأكاسيا"، فبالإضافة إلى هذا التعلق الذي يكاد يكون بريئا بالوطن الذي آواه، وترسبت في وجدانه بيئاته وشموسه وظلاله الوارفة التي كان يستظل بها من رمضاء الزمن الأغبر العاقر؛ هناك بعد آخر للوطن/ الحلم، الوطن البديل الذي أرق أجيالا ممن انخرطت في حركات تصحيحية وثورية من أجل بناء وطن حر نام وواعد لجميع التطلعات المشروعة.
ويحرص محمد الطوبي على الخلط في القصيدة الواحدة بين الهم الذاتي والهم الوطني، عازفا على وتر العشق الذي تتلاشى فيه الحدود بين عشق المرأة/ الحبيبة، وعشق الأرض/الوطن. ففي قصيدة "وهران الوقت" يقول:
"إن غوى وطني المستحيل غويت مشيت
الذي شاء لي عاليا في ضواحي الهوى
عندليب جروحي"
...
لعينين عاشقتين تجلت بلادي
مرايا تجلت على ارجوان الحنين" (3)
ومن هذا المنطلق، ينتقل الشاعر إلى مستوى آخر في نسج علاقة العشق هذه بين المرأة/الوطن، المرأة/ المدنية. ليصل به المطاف إلى التشخيص النسوي لمدن هذا الوطن، حيث تبدو مشوهة ملعونة وبؤرا للخزي والعار لأنها استبدلت ملامحها، وتنكرت لشعرائها، وفتحت أذرعها للسواح والغرباء:
" فاحص كم مدن صلبت عاشقيها القدامى؟
فلنقل أنها مدن تشابه كالمعصية
فما اتعس الشعراء إذا احترقوا وحدهم داخل المدن
اللاتسمى ويصعب في وصفها الوصف والتسمية
وما أجمل الشعراء إذا عشقوا أطلقوا في شفيف النشيد
نيازك حتى تمر على جوسق الذهب امرأة كالخرافة والأحجية
مدن لا تزين إلا لسياحها كالبغايا التزاما
ولا تفتح الباب لله والحب أو مدن
تنجب الشوك والكسرة المخزيه
مدن تحبس الأفق في الأقبيه"(4).
أمام وضع المدن هذا الذي فقدت فيه كل مقومات كرامتها حينما سرق الدخلاء منها مواسم فرحها، يبدو الشاعر وكأنه لا يستطيع التخلص من زفرات التوجع والأسى التي تثير في نفسه رغبة الرثاء على أحوالها:
"مدن لانهمار المراثي مجهزة وصليل الصنوج
فلا تشعل الورد للشعراء مداما
ولا تشرع الصدر للأنبياء مقاما
ولكنها تتبرج مثل إمام القصور
ولا شيء يسمو بها إن سما غير
اسمنتها في سمو البروج" (5).
في مدن النفي والعسر والقهر، يرسم الطوبي ملامح الوطن المسبي، الوطن المستباح الهارب من نهار المرايا، وطن القمع والذبح والسطوة الكبرى :
"وطني لوعة النهار
وطني خصر شمس بتول
وطني صرخة الدم في صباح قتول
وطني وردة الشهداء"(6).
لقد أصبح الوطن معادلا للخزي والعار والهزيمة، وهذا ما يسلمه إلى رثاء حاله:
"وطني حاء ما يجمح العطر في منتهاه
وطني وهج عاشقة أشرعت لأنوثتها
شهوات البهاء
وطني زنبق العمر لما تضيء الملاحم
عرس الخيول
وطني صلوات فواخت سهدها
حلم أندلس جارح من مرايا وجمر
جرح أسطورة وطني"(7).
فالخيول لا تصاحبها السروج، والولائم لا تقام للصعاليك، والعشيقة لم تشعل زهو أيقونتها، ومن ثم يتوسد الشاعر رصيف حلم عشقه لوطنه المنهار ليعزف على أوتار الشجن معزوفات ملحمة العشاق:
"يا المتسكع بين مجاهدة الشنفرى
وبتاريخ رؤياك أي صباح ترى
لمديح الحمام وأنت الولوع بقمح المرايا
كأنك لا تشهر الحب إلا لتكتب ما يصطفيك
وما تتوجعه ذكريات القرى
وكأن وعول طفولتك اشتعلت طربا في نخيل الوصايا
لتأتيك أعراس منفاك أجراس عشقك في وطن
كم تمنيت لو لم تلجه خيول المغول ولا أمه
فقهاء الخطايا" (8).
ثم يعترف في الأخير بخيبة أمله تجاه الوطن وتجاه معشوقته معا، فلا حبه للوطن قاده إلى الشعور بالزهو على حاله، ولا المحبوبة أغذقت عليه من حنانها،
"كان جرحك فجر القرى لاغني بلادي
كان عشقك شمس النهار وذاكرتي لاغني بلادي
كان صوتك ينبوع أغنية من تباريح شيليا
كان حلمك أن يدخل العاشقون صباح البهاء البطيء براري بلادي
...
سيدتي ليس لي سلطة البدر إني المصاب برجس بدرك
شهيد مباهج عمرك
وعاشقك المغربي الذي خاض شهوة جمرك
...
من الخراب رسائلي وسنابلي اشتعلت
وكنت غوايتي القصوى
شمائلها المرايا والطيوب(9)
2- أحلام الذات العاشقة- لأجساد الفضة المغسولة بدموع الياقوت:
يبدو للمتأمل في قصائد ديوان "غواية الأكاسيا" أن الشاعر محمد الطوبي راهب في محراب الصبوة والعشق، يقدم فروض الطاعة والولاء لمن أحبهن كل هذا الحب الصوفي. فالعشق سيده ومولاه الذي استبد به ليسكن القلب ويفتك به:
" أسأل العشق: يا سيدي العشق كيف تشردني"
إنه يصلي من أجل عاشقة أدخلت البهجة على قلبه النازف منذ أضاع أربعة وثلاثين ربيعا في حانات الليل:
"وأنا صليت لبهجة عاشقة لما أوشك شكي أن يحصد أربعة وثلاثين ربيعا
ضاع على شهوات البرق وحانات الليل وفاكهة الأحزان.
...
عشقك سيدتي إنجيل المنفيين الغرباء
وصليب رصع من نور الصلوات
وأعراس النايات وقداس الأسماء
....
وأنا حرضت وعول السوسن حرضت
زغاريد الفضة فيك اخترت العشق القدوس القاسي"(10)
وللطوبي في وصف خليلاته جرأة ناذرة؛ إنهن الفاتنات الخلابات الميادات الصادحات الرشيقات، إنهن إيقونات العشق، الأميرات اللواتي تحرضن ملائكة الصبوة لاستدراجه لضواحي الفرح بغية الإيقاع به في حبائلهن التي لا يرجى منها فكاكا.
هذا هو محمد الطوبي، إنسان بقلب كبير مترع بالأسئلة التي لا تنتهي، فهو لا يهدأ له بال أبدا، إنه منشغل باستمرار، لقد سمي وأرّخ وآخى وصلى وحرّض وصوب" حتى تبدى له تاريخ الدالية وجرح الماء، ومن ثم انبرى ليكتب مزاميره لوليمة الدنيا في مملكة العشق الأسرة على إيقاع الصبوة والنشوة والجمر:
"أسمى هديل الروح برية طاووس الحنين فاكتب مزامير لنهار الأجراس وفوانيس للفصحى
وألقي خرافة جسد يمتلك نار الكون لضحكة طفل إله يلعب بكواكب النسيان
وشجر الوقت وأنا أسير صبوتي الأسطورية وسيوف الفرح تبايع سطوتك الزاهية الآسرة
يا المملكة الباهرة.
لغتي سكري وسبو هودج طيوب أيائل برق ومفاتنك القاسية أول البهاء"(11).
ويبدو الطوبي منجذبا لشهوة الجسد المغسول من صدإ الرياء والعواطف المزيفة لا يبغي عنه بدلا، كيف لا وهو الذي "قاد للخنجر شهوة الجرح، وحرض جسد الفضة المغسول بدموع الياقوت، وسرح مناديل البرق لقيامة الإيقونة ومجون النسرين". وهو بفعله هذا إنما يريد أن يحتفل الخراب بما أغذق عليه من غواية العشق على مدائح الصعلكة البهية.
لقد استبد العشق بالذات اذن، وانساقت هي لشهوته حتى أصبحت أسيرة لفوضاها، مسلوبة الإرادة:
" أنا الجارح الكاسح الحارق المارق العاشق الفوضوي،
أنا لو أشاء سلبت الردى سلطة الاستعارة كي أرتوي وسكنت عذوق
المرايا خطفت غزال انكساري
خبطت السؤال بنشوة ما يستقي صولجاني
وسويت أسماء مملكة سبايا الغواية
كان الذي سيكون مساري
كأن البداية لي والمشيئة لما تشائين ما شئت لي
وابتهال الدوالي مناري"(12).
وهو بإعلانه عن دخول مملكة الغواية يعترف أنه مصلوب ومعطوب الإرادة:
"أنت محفورة بالزبر جد مكتوبة بعطور الشراع المشاكس يا أنت ياخطو معجزتي
وصليبي الوثيق"(13).
والشاعر مصر على أن يتمادى في حبه لمعشوقته وإن أدى به إصراره هذا إلى المنفى والتشرد في فضاء سحيق:
"أحبك حتى أراني بلا وطن أو صديق
بلا ليلك في شرود الطريق
بلا خيمة في فضاء سحيق"(14).
وهو لن يتوب عن إعلان عشقه هذا والتزامه به حتى وإن قاده ذلك إلى الجنون:
"أنا قلق ومأساة واشرعة تحاربها الغيوب
أنا لا أتوب
من الجنون إلى الجنون أنا رخام العمر في وجعي أذوب" (15)
هكذا يعترف الشاعر صراحة بأنه منخطف باسـتمرار لنشـوة الصبـوة والـوله لأيقوناته اللواتي تحرضنه على ألا يبارح محرابهن، وتستدرجنه لوصف مفاتنهن وأطراف أجسادهن.
وهو وفي وصفه لهن حريص على رسم ملامحهن، وأعضائهن بدقة متناهية؛ "فالنهد أبهى النيازك من فضة" والشعر جامح المرايا" والجسد بأجمعه" محرض الروح لتغتسل من جراحها" ويكتب صبوات الماء ويغسل جروح الروح بلوعة الشيح" و"يرقش شهوة الفضة بحنين الحنة" والشاعر باسترساله في أوصافه هذه، إنما يلتمس دخول عالم الصبوة كي يسبح في مملكة العشق ويحصي مفاتن البهاء:
"أنا الذي قاد للخنجر شهوة الجرح هدى للفخذين غواية التفاح
أهرق لموسيقى الساقين شبق الحرير وساق لسطوة النهدين
مرايا الورد أنا الذي لمق الحاء على جهات منسية لبزوغ
جلنار بهيج بخلاخيل الغزلان المعمدة بألق اللوتس"(16)
ويقول في قصيدة أخرى:
"فدعني قليلا لأحصي وحوش البهاء التي تحفر الموج
في جسمها المتصبب بالضوء والطيب"(17)
وفي مقطع آخر من قصيدة: "نيروز البهاء" يقول:
"حمام الجسد المفتون المبتهل يقيم قرابين الشهوة لنيروز السكر
حمام الجسد المسفوك بصنوج اللذة يقرأ مروج الزغاريد
الخلابة كلما ابتهج الطيب بشهيق الخصر أجهش بالفرح
النهد الشرس الأمير كلما سالت الحرائق بين الجلد وبكاء
الجلد شهد السرير الوجيع معركة جسدين يخرجان من
نشوة الرماد لضراعة الجمر الكريم وتباشير الفتك
ومناسك السهو الأولى في لوعة الإيقونة ما بعد ظهيرة ناي
وزغردة فخدين أرستقراطيين ينورزان عذارى الماء
الحاسمات هناك على طعنة بنفسج على شغف فضة بالشحارير
تحتل أقاليم الجسد الراضية المرضية للسُرَّة الأمارة بالتبجيل..."(18)
على هذا النحو ينطلق الشاعر دون توقف في إحصاء مفاتن معشوقاته، ووصف أعضائهن حتى ليبدو وكأنه أصيب بالهذيان أو الجنون.
نعم لقد أغذق دمه للعشق ليظل مسفوكا بأرق الغزلان وألم الشوق، وأنذر عمره لمملكة البهاء. كيف لا وهو المؤمن بالعشق الصوفي حينما يقول:
"بالعشق قد أسس الحلاج مملكة
على صليب ولم يسأل لما صُلبا؟" (19)
أستاذ باحث في الأدب الحديث
Berghout 54@.yohoo.fr

ليست هناك تعليقات: