و إذا كانت كل الفئات الاجتماعية المتضررة بسبب وضعها المادي ضحية لشركات التمويل والمؤسسات المالية فإن الموظف يبقى الضحية الأولى لهذه الشركات وإغراءاتها، لتدني الأجور، ومحدودية الزيادات، وبطء سلم الترقي بالوظيفة العمومية.
لقد سبق أن صرح عبد القادر البنة حينما كان رئيس لجنة المالية والتنمية الاقتصادية (سنة 2004) لجريدة الأحداث المغربية "بأن 57 في المائة من الموظفين المدينين يتقاضون (قبل الزيادة الأخيرة) أجورا صافية تتراوح بين 2700 درهم و 4700 درهم شهريا، بينما لا تتعدى نسبة الموظفين الذين يتقاضون راتبا شهريا يساوي أو يفوق 4700 درهم 18 في المائة. أما نسبة الذين يقل دخلهم عن 2700 درهم شهريا فتمثل 26 في المائة.
ولا تتعدى الأجور الصافية ل 7 في المائة من الموظفين حوالي 1800 درهم شهريا، و تتراوح أجور 19 في المائة بين 1800 درهم و 340 درهم، وأجور 28 في المائة بين 2700 درهم و3400 درهم، وأجور 29 في المائة بين 3400 درهم و4700 درهم، وأجور 6 في المائة بين 7000 درهم و 8300 درهم، وأجور 6 في المائة تساوي أو تزيد عن 8300 درهم. ( جريدة الأحداث المغربية).
وبالرغم من الزيادات الأخيرة التي استفاد منها موظفو الوظيفة العمومية، والجماعات المحلية، وغيرهم من الأجراء، أو التي سيستفيدون منها قريبا، لن تحسن أوضاعهم بسبب الزيادات المهولة التي تعرفها المواد الأساسية، كما أن الوضعية التي تميز بنية الأجور لم تتغير في غياب أي إصلاح لهذه المنظومة، بالرغم من قناعة الجميع بضرورة مراجعتها.
فمنذ أن أعلن نجيب الزروالي الوزير المكلف بتحديث القطاعات آنذاك أن وزارته بصدد اللمسات الأخيرة لإخراج مشروع إصلاح منظومة الأجور، مازلنا ننتظر هذا المشروع و قد تعاقب على هذه الوزارة بعده كل من السيد محمد بنسعيد على عهد حكومة جطو ومحمد عبو الآن على عهد حكومة عباس الفاسي، والكل يردد نفس العبارة نحن بصدد إعادة النظر في منظومة الأجور دون تحقيق ذلك. وإن كنا نتمنى أن تكون وزارة عبو حاسمة في الموضوع، وجريئة في اتخاذ القرارات المنصفة لموظفي الوظيفة العمومية.
لقد آثرنا هذا على سبيل التذكير بوضعية هذه الفئة، باعتبارها الأكثر عرضة للاستدانة، بسبب عدم كفاية دخلها لتلبية الاحتياجات المتزايدة للأسرة، وكثرة المناسبات التي يجد الموظف نفسه مضطرا للاقتراض من أجل تغطية مصاريفها (الدخول المدرسي، الأعياد، رمضان، العطل)، بالإضافة إلى بعض المفاجآت غير السارة كالمرض أو غيرها، والتي تتطلب مصاريف إضافية لا توفرها إلا المؤسسات المالية وشركات التمويل حسب تصريحات بعض المقترضين. وقد استطاعت هذه المؤسسات أن تنجح في توظيف خبرتها، وأطرها في وضع إستراتيجية دعائية مغرية تواكب المناسبات، وتبسط الإجراءات، وتنوع المنتوجات، وتسهل عملية الدخول إلى عالم الاقتراض، بل تحاصرك بإعلاناتها أينما وليت وجهك. فلا ترى إلا يافطات اشهارية وملصقات على واجهة المنابر المخصصة للإشهار والجرائد وغيرها، أو تسمع إعلانات إذاعية أو تصلك رسائل قصيرة عبر SMS، أو رسائل بريدية، أو مكالمات هاتفية تدعوك إلى الاقتراض، وتوهمك بأنك من المحظوظين الذين تم اختيارهم للاستفادة من هذا العرض المغري أو ذاك، وما عليك إلا الاتصال بأقرب وكالة للشركة المعنية لتجد نفسك بعد لحظة أمام طاحونة تفعل ما تشاء.
وتشير الإحصائيات إلى أن عدد المؤسسات المالية التي تشتغل في مجال القروض الاستهلاكية بالمغرب
يصل إلى 36 شركة تمويل سنة 2005. حيث منحت هذه الشركات قروضا وصلت قميتها إلى 47 مليار درهم منها 24 مليار درهم للقروض الاستهلاكية وحدها فقط. مما يكشف عن تطور هذا القطاع وتناسل الشركات العاملة به. ولتغطية اكبر عدد ممكن من المدن المغربية تلجأ هذه الشركات إلى الاستعانة بالوسطاء، والسماسرة الذين يعملون على جلب الزبناء خاصة من فئة الموظفين والمأجورين. أولا لمحدودية المخاطر، ولضمان استرجاع القرض. وثانيا، لأنهم الفئات الأكثر استجابة لعروض شركات التمويل. وثالثا، لضعف قدرتهم الشرائية التي لا تمكنهم من تغطية جميع مصاريف متطلبات الحياة البسيطة، إلا بالاستعانة بالقروض. و قد أضافت هذه الشركات إلى لائحة زبنائها فئة المتقاعدين خاصة بعد المغادرة الطوعية.
ما يبرر إعادة طرحنا لهذا الملف مرة آخرى هو رغبتنا في إمكانية إيجاد حل لهذه المعضلة التي تقف أمام تطوير قطاع الوظيفة العمومية الذي يعتبر كصمام آمان للطبقة المتوسطة كطبقة ضرورية لأي تحول ممكن نحو التقدم والحداثة، وبناء الدولة الديمقراطية، دولة المؤسسات ودولة الحق والقانون، ونحو مجتمع ببنية اقتصادية قوية ومزدهرة. إلا أن هذه الفئة تظل عاجزة على تحقيق ذلك بحكم التغيير الذي طال بنية استهلاك المغاربة، وما تعرفه من ارتفاع للمصاريف المرتبطة بالتجهيز، والترفيه، والتغذية، والصحة، والملبس، والتنقل، والتمدرس، والسكن، وغيرها من مظاهر الحياة الاجتماعية التي اصبحت معها الأجور في صيغتها الحالية غير قادرة على مواكبة هذا التحول، إن على مستوى القيم الجديدة، أو الحياة الاقتصادية والتجارية العصرية التي تخضع في مجملها إلى منظومة العولمة الاقتصادية القائمة على الاستهلاك والتشجيع عليه بكل الوسائل. هذه الثقافة الجديدة على الأسر المغربية لم يتم استحسان التعامل معها، فكانت جل هذه الأسر ضحية المؤسسات المالية، و شركات التمويل، بالرغم من التحذيرات التي تم التنبيه إليها، وما قد يؤدي إليه الوضع من خطورة بسبب هذه القروض. ولم نلمس أي تحرك في اتجاه تصحيح الوضع، وحماية المقترض من جشع المؤسسات المالية سواء من جمعيات هذه المؤسسات أو من طرف الدولة. باستثناء الإجراء اليتيم الذي اتخذته وزارة المالية منتصف التسعينات حيث رفعت من السقف الذي لا يسمح مسه من أجرة الموظف من 500 درهم إلى 1000 درهم زائد تعويضات الأطفال، وهو الإجراء الذي لم يعد كافيا في مغرب الألفية الثالثة. فألف درهم غير قادرة على سد حاجيات أسرة صغيرة في عددها (أو لا أبناء لها) بسيطة في تطلعاتها، ومستقرة بمدينة أو قرية صغيرة، وغير ملتزمة بأداء سومة الكراء أو بمساعدة العائلة (علما أننا نتحدث عن أسرة مغربية عرفت عبر التاريخ بارتباطاتها العائلية وتضامنها...)، فما بالك بمصاريف أسرة متعددة الطموح كثيرة العدد.
وقد أتارث الجرائد الوطنية صيف 2006 هذا الملف بحدة، وناقشته من مختلف الجوانب، بل صورت مدى خطورة انهيار وضعية الطبقة المتوسطة بسبب الاقتراض، وقد مر على هذا الموضوع أكثر من سنتين دون أن تتغير الوضعية أو أن تقوم الدولة ببعض الإجراءات للحد من هذه الظاهرة، خاصة ظاهرة الإفراط في الاستدانة. وظل الحال على ما هو عليه إلى يومنا هذا بالرغم من العناوين الصادمة والقوية والمخيفة التي أطرت نقاشات هذا الملف حينها على صفحات الجرائد.
ونشير إلى عناوين هذه الملفات، ليس على سبيل التذكير، بل لأنها تشكل موضوعا لوحدها بمضامين ذات دلالات قوية تصل إلى حد دق ناقوس الخطر الذي يهدد هذه الفئة المقترضة، إلا أنه لم يلفت انتباه المسؤولين إلى خطورته، أو لأنهم تجاهلوا الأمر.
فقد عنونت جريدة الاتحاد الاشتراكي في عدد 8263 لشهر يونيو 2006، ملفها الأسبوعي ب "دوامة الكريدي أو أكل المستقبل" ، و قد تضمن بالإضافة إلى هذا العنوان الكبير عناوين من قبيل "الكريدي أو كما تستدين تدان"، "عشرات الآلاف التجار ضحايا تضخم قروض الموظفين"، "موظفون يتقاضون درهمين شهريا بسبب لكريدي"، "مصيدة التقسيط ومعضلة الكريدي"، "أحلام مقسطة وحياة معطوبة بأجرة أنهكتها الديون"، "دعاوي الأمر بالأداء أمام المحاكم التجارية".
وبأسبوعية العلم الأسبوعي العدد: 49620 غشت 2006 نقرأ- "غول "الكريدي" يلتهم أجور المغاربة"، كعنوان رئيسي للملف، و يتضمن عناوين نسردها على التوالي، "قروض الاستهلاك نعمة قد تتحول إلى نقمة"، "رحلات ومجوهرات ورخص السياقة ومعدات الرياضة والرشاقة بالتقسيط"، "ازدهار قروض الاستهلاك رغم أسعار فوائدها الشرسة"، "الموظف بات يساوي رقم 0 بسبب القروض التي التهمت المرتب والأحلام"، "المواطنون والقروض، والنصب والاحتيال"، "اكتشفت اقتطاعا من راتبي لأجل قرض لم أسع في الحصول عليه"، "متطلبات العيش اليوم تجبر الفرد على الاقتراض"، "القروض الاستهلاكية... شر لا بد منه"، "أسئلة يجب طرحها قبل الإقدام على الاقتراض"، "المغرب لا يتوفر على قواعد قانونية خاصة بتنظيم قروض الاستهلاك". وفي عدد أخر عنونت نفس الأسبوعية مقالا بعنوان، "24 مليار درهم حصيلة قروض استهلاك سنة 2005"، "3500 موظف يتقاضون أقل من 1000 درهم بعد أداء أقساط القروض.
وعنونت جريدة الأحداث المغربية في عددها 2756/18 غشت 2006 مقالا بشأن القروض ب "كل مغربي مدين بأكثر من 3300 درهم لمؤسسات القرض". وفي العدد 2742 عنونت نفس الجريدة مقالا ب "الاستدانة المفرطة للأسر أصبحت تهدد حوالي 20٪ من قروض الاستهلاك"، "خمس المقترضين في المغرب يجدون صعوبة في رد قروض الاستهلاك".
نكتفي بهذا القدر من العناوين التي تكشف عن عمق الأزمة التي قد تسببها القروض أو التي سببتها للكثير من الأسر المغربية، وربما للحياة الاجتماعية لفئات متعددة من المجتمع، وعلى رأسها فئة الموظفين...
(يتبع).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق