د. امحمد برغوت أستاذ باحث في الأدب الحديث
Berghout 54@.yohoo.fr
- أحلام التشرد والانصياع لسلطة مملكة النبيذ"
يقول الطوبي في قصيدة: "أول العطر"
"أنا الغريب المارق المفتون في سكري وفي سهوي أسير إلى شكوكي
كلما سكنت شحارير الغواية مفرداتي أمتطي زهوي Francesca-Francesca
كأن العمر يهوي من مديح الماء والصبوات نحوي صوبت نخل الأساطير
الحمام أعاد ذاكرتي لمرمر مشتهاها والسنابل من يديك نهار أغنية وفتنتك البداية
في غبوق المستحيل لا صطفي جسدي المعمد بالخراب واصطفي شبق القرنفل كلما اشتعل السواد ووشح العمر الجموح" (20).
بهذه الطريقة، ينصاع الطوبى الشاعر لسلطة التوغل في خراب السكر، إنه المهووس بعالم الشعراء الصعاليك، يقتفي أثرهم، ويستعيد سير تسكعهم وجنونهم ومنافيهم، إنه السابح في أعراس مملكة النبيذ تحت سطوة عشق من نوع ثان هذه المرة، وفي هذا يقول:
"أنا الملعون والمسفوك والمجنون
لا مُلك لي إلا مواسم زوجتي سهد أقداحي
أنا المنفي في أعراس مملكة النبيذ" (21)
ومن هذا المنطلق، يتقمص الطوبى شخصية الصعلوك الغريب المنسي:
" تجلي كما وجعي علم الشعراء الصعاليك أن يصعدوا شهوة العندليب يتامى
وأن يدخلوا جنتي عاشقين."
تجلي كما أنت أراني غريب الحمى للغريب الغريب نسيب، فلا واحتي واحتي، لانعاس سريري ولا حانتي وطني في اغترابي الفسيح"(22)
هكذا ينطلق الشاعر في بحثه الدؤوب عمن يحرره من شجونه وقلقه وغربته، فتتراءى له شخصية الأمير الشريد امرؤ القيس الشاعر الذي أدمن أحلام الصعاليك المشردين على أرصفة النفي بعدما أضاع ملك أبيه، والمسفوكين بأرق الغزلان المسكونة بالنزق والرعب في دوامة الزمن الأغبر:
"أنا النبيذ وجرح شهوتي ملك مشرد في المرايا والنهار طفولتي على جلنار السهو تحترق
أنا النبيذ أعمد انتمائي بقداس القرنفل لما يكتب البرق ميلاد الأغاريد
أسند احتفال خرابي للنشيد.
أنا النبيذ فاتحتي ابتهال، سيف هديل وردة سكنت دفاتر الحلم"(23).
إن تقمص الشاعر لرموز الصعلكة إنما هو اختيار إرادي أمام ما يحاصره من هموم وأحزان، وما يشعر به من غربة وجودية في الزمن العصيب.
" لي ما تمنيت المنافي من بلادي
واشتهاء العندليب إلى التسكح بين أحزان
الصعاليك الذين أحب في الزمن العصيب
ولي صفاتي كلها وحدي أصوبها إلى وجعي
فيجهش بي صليبي لو أنا ضقت
وضقت بها الدروب."(24)
والشاعر لا يملك أمام سلطة الراح إلا أن ينقاذ لها بطواعية، فهو المفتون بالسكر يلجأ إليه كي يعمد جسده بالخراب الذي يحاصره، ومن ثم يعلنها صراحة:
"أنا النبيذ والنبيذ أنا" ويرتلها إذ يقول:
" أنا النبيذ وأحوالي مرتلة للعاشقين من الكشوف حتى وقوف الشك بين وضوح غامض وغموض جارح واضح أنا النبيذ ولا وضوح في أول الوضوح" (25).
وقد خصص الشاعر قصيدة بعنوان: "سورة السكر" يرسم فيها ملامح الذات العاشقة لسلطة النبيذ والمنخطفة لدهاليز الحانات يبدو فيها ذلك الناسك المبتهل في محراب نشوة الصبوح والعذوق والشمول، والمنقاذ باستمرار للمزيد من الارتواء عله يطفئ الجمر الذي يهدد يناعة الوطن المسروق، إلا أنه وهو في أقصى حالات الثمالة لا يرتوي، ولا يستطيع إطفاء نار الشهوة المتأججة في دواخله، وهذا ما يقوده إلى إعلان فروض السكر والتشرد في ملكوت البهاء:
" أشعل بالشهوات عذوق الأساطير لما أحبَّ وعبَّ شمول الحنين على أرق
ثمل العمر بين ضلوع المدينة أبهى سباياه مشطن بالسهد أشجانهن البهيجة
هذا الأمير المشاكس لما أحب توحد في سورة السكر واستبد بأبهة الصبوات القتول، فانتخبته شتول الغواية مبتهلا بين سيف القصيدة في غنجها ومرايا "أمينة" في وهجها وتشرد في ملكوت البهاء "البتول"(26).
إلا أن إعلانه لفروض الطاعة في مملكة السكر لن تقوده إلى مبتغاه، لقد بدأ اصطدام براءة الحلم بجهامة الواقع الذي لا يساعده على الانطلاق بحرية لتحقيق غوايته، ومن ثم أصبح يساوره الشك، وتنثال عليه الأسئلة:
" أي عشق كان لي حتى يكون الجرح دفلى؟
أي صعلوك شهى جسد الريح
وأعذق للعشاق ينبوع النبيذ الصب مثلي؟
أي سيف وثني شاء قتلي
...
يا أجراس روحي الشهل هلا
جئت من برق الخزامى
وسكنت السكر والحلم والصاعقة الولهى " (27)
ويسرح الحزن غيومه على الشاعر ولذلك تراه في القصائد التي يختم بها ديوانه:
"غواية الأكاسيا" كثير الارتداء إلى الذات المنكسرة المفجوعة المتبرمة، فها هو يمشي رصيف الجراح، ويسافر في منافي التشرد وكأنه اليتيم الذي غوى الفرح المستحيل ولم يحصد منه سوى زفرات الألم والأسى:
"يا السيد الناي، يا قمح تغريبة حاصرت في سطوع المواجع فوضاي فوضاك حتى صعود انتماء يتيم غوى فغوينا معا فرحا أعزلا وجعا عاليا يتزوج شمس المراثي" (28).
لقد أصبح يحكم القصيدة معجم شعري يساعد على شيوع الإحساس بمشاعر الإحباط، لأن شهوة الحلم اصطدمت بمرارة الواقع، ومن ثم بدأ اليقين يزحزح مكانه ليحتله الشك:
" لا امرؤا القيس أنت
ولا الوقت وقتك فاذهب إلى غسق الشك
وحدك سيفا صقيلا
ولا الملك ملكك لا تبك ملكا قتيلا
نبيا تشردت في سكرك الوثني فلا تنكس
وتصعلك طويلا
بأقصى المنافي الجميلة عمرك كان نخيلا
وحلمك أطلع من شهوات الشذا
قمرا مارقا وجميلا (29)
ويمكن القول بأن نزعة الشك هذه تسربت إلى أحلامه الثلاث وبدأت تحاصره بالأسئلة المؤرقة حول ماذا حقق منها؟
- فهل خاض تراب الأرض وأمسك بشهوة الحجر؟ وهل رتل غبطة الخضراء؟
- وهل عانق الفرحة وضم البهجة في ولهه بأيقونات العشق؟
- وهل ارتوى فعلا، وأطفأ الغلة التي طاردته عبر مسيرة انخطافه لغواية النبيذ؟
يمكن تلمس الإجابة بالنفي عن حصيلة أحلامه الثلاث هاته في هذه المقاطع الشعرية التي يقول الشاعر فيها:
"غريبا غريبا إلى وجع الورد تذهب لما تحب
لك النار من قدح يسفك السهد من وقت مملكة الماء تسطع شهوتك الملكة
غريبا غريبا تسافر صوب صباح غزال طوى المنتهى بتباريح ايقونة في
مرايا وطن نازفا بمواثيق منفاك تمضي و... لن
لن تطال مباهجه الوثنية لن تدركه" (30)
" تذكر وصايا جنونك
أو فتوسد سهام النهار قليلا
فكل الذي كان سوف يكون منافيك
لم يبق إلا مسار النبيذ يناديك
شهّي التراتيل لما حنين الأكاسيا يفيك
سهى السرى
لا تطلق كنائس شوقك إن أرقتك بروق التراتيل
صوب مروج القرى
لغبوق القصيدة والمشتهى وانتخب أقحوان المرايا خليلا" (31)
" أيها السيف القرمطي تركت العمر مجنون السكر
في العشق يقتل
أي سيف هذا الذي أشعل الوقت
وأغوى الحمام كي يكتب الورد لميعاد العطر
لوعة مشتل" (32)
وبهذه الطريقة ينساق الطوبي لاستشعار الغربة والنفي والتشرد والحزن السوداوي، فيستسلم لأوجاع الذات المتعبة الظامئة لدفء العشق والصبوة والوله في صقيع الزمن الجاحد، ومن ثم لا تبدو له في المقبل الآتي أية بارقة أمل، وهذا ما يدفعه إلى التمادي في تمسكه بوصايا جنونه الأولى، لمواصلة السير في خراب السكر عله يساعده على استمرار بوحه الشعري.
الهوامش:
محمد الطوبي: "غواية الأكاسيا: البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع القنيطرة 2007
محمد الطوبي: من قصيدة: "الكسندر بوشكين" ص 11
محمد الطوبي: من قصيدة: "وهران الوقت" ص 76.
محمد الطوبي: نفسه: ص 79.
محمد الطوبي: نفسه: ص 80.
محمد الطوبي: من قصيدة: "وردة لمقام مغربي" ص 111.
محمد الطوبي: نفسه: ص 109-110.
محمد الطوبي: نفسه: ص 93-94.
محمد الطوبي: من قصيدة: "وهران الوقت" ص 63.
محمد الطوبي: من قصيدة: "أقمار الميلاد" ص 61-62.
محمد الطوبي: من قصيدة: "نيروز البهاء" ص 15-16.
محمد الطوبي: من قصيدة: "أول العطر" ص 57.
محمد الطوبي: نفسه: ص 58.
محمد الطوبي: نفسه: ص 57.
محمد الطوبي: من قصيدة: "شحوب" ص 67-68.
محمد الطوبي: من قصيدة: "نيروز البهاء " ص 14.
محمد الطوبي: من قصيدة: "صحو العمر" ص 45.
محمد الطوبي: من قصيدة: "نيروز البهاء " ص 14-15.
محمد الطوبي: من قصيدة: "ترغلة" ص 30
محمد الطوبي: من قصيدة: "أول العطر" ص 53-54.
محمد الطوبي: من قصيدة: "نهار فاطمة" ص 12.
محمد الطوبي: من قصيدة: "كما أنت تجلي" ص 27-28.
محمد الطوبي: من قصيدة: " النبيذ ابتهال" ص 32.
محمد الطوبي: من قصيدة: "سحوب" ص 67.
محمد الطوبي: من قصيدة: "النبيذ ابتهال" ص 33.
محمد الطوبي: من قصيدة: "سورة السكر" ص 41.
محمد الطوبي: من قصيدة: " الرؤيا" ص 85.
محمد الطوبي: من قصيدة: "وردة لشهير مغربي، ص 113.
محمد الطوبي: من قصيدة: "ليل" ص 89.
محمد الطوبي: من قصيدة: "الحداد" ص 87.
محمد الطوبي: من قصيدة: "ليل" ص 89.
محمد الطوبي: من قصيدة: " صباح الترنيمة" ص 72.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق