إعلام حر، نزيه، مستقل .... موقع صحيفة الجسور المغربية يرحب بزواره الكرام ويتمنى لهم إبحارا ممتعا، فمرحبا بكل التعليقات المفيدة والتوجيهات السديدة...

هذه الجسور .....

أردناها أن تكون صوتا حرا لإعلان الاتفاق أو الاختلاف، دونما رقابة ذاتية أو أحكام معلبة. أردناها أن تكون منبرا يسائل الوقائع من أجل الخطو إلى الأمام، والإسهام في كل هوامش التطور الممكن في مغرب اليوم ضدا على كل اليقينيات الجاهزة، والإرادات المحافظة.

وأردناها أن تكون جسورا للتواصل، والتحليل، والنقد، والإبداع... وابتغينا لها الإسهامَ في محاربة ثقافة الهامش، ومنطق التيئيس الذي أصبح يحتل مساحات واسعة في تمثلات وسلوكات الفرد والمجتمع.

هذه الجسور تعلن انتماءَها، دون تردد، لمسار التحديث، وهاجس البناء... وكم هي شاقة جسور التحديث والبناء في مغرب متحول تحاصره إكراهات التقدم ومستلزماته، وجيوب المقاومة، الظاهرة والمضمرة !

--------------------------------------------------------------------------------------------


الأحد، أغسطس 17، 2008

عبدالله العروي و السينما

محمد الحاضي

" لا حد لا نعكاس الصورة في مرايا متقابلة " ع الله العروي

مقدمة داخل /خارج السياق

عبدالله العروي "مفكر عميق (و عريق نضيف ..)الانتماء الى عالم الحداثه "كما يقول المؤرخ اللبناني مسعود ضاهر (ضمن الملف الذي خصصته مجلة الطريق البيروتية لمفكرنا الكبير /العدد الثالث/ مايو –يونيو 2003) فاليوم ، فقط، و بعد ان كشر التقليد عن عدوانيته الفظيعة مع احداث 16 مايو بالبيضاء، استفاق خطابنا السياسي و الاعلامي على مقولة "المجتمع الحداثي الديمقراطي" الاثيرة، بشكل يكاد يكون يوميا لدرجة و طبيعة صرنا معهما لا نتلمس في هذا الخطاب نوايا/حدود الصدق و الباطل، التمثل و الادعاء، الجدارة و الاستسهال، الحسم و التردد، العالمية و التقوقع...

و بعيدا عن هذا الخطاب او "الفكر اليومي" الطارئ، ظل عبد الله العروي، طيلة عقود مسيرته الفكرية، مدافعا جريئا، جسورا، "حاسما"، و مثابرا عن قيم و مفاهيم الحداثة و التاريخ و العقلانية من، وب "دلائل الشياء" و ليس بسفسطة و عواهن الانشاء.. دون ان تنال اعماله ما تستحق من الانصات و الاهتمام و المتابعة و التمثل و الاستيعاب، كما يلاحظ ذلك كمال عبداللطيف بخلفية و هموم المثقف العميق..، وكأن قدر الاسهامات النوعية في تاريخنا الفكري و الثقافي ان تظل، منذورة لهوامشها المهملة، او "تكتشف"، في احسن الاحوال، متاخرة، ومن طرف الاخر.. (كما حدث مع ابن خلدون ، وابن رشد...مثلا)

فعسى ان يكون خطابنا اليوم عن "المجتمع الحداثي الديمقراطي" مناسبة يلتفت فيها حقلنا الثقافي و السياسي معا الى افكار و اراء هذا المفكر الفذ، في الحداثة و الدولة و الثقافة و التاريخ و العقل...

المعلوم عن عبدالله العروي انه مؤرخ، و ناقد فيلسوف للتاريخ و الافكار، وكاتب روائي ، اما علاقته بالسينما، وان ظلت "مجرد" علاقة تربية و ذوق و تذوق (= سيرة ذهنية)، فانها ، أي هذه العلاقة، تنطوي على محطات و علامات نوعية هي من صميم انتمائه العميق الى عالم الحداثة و ضوء التاريخ..

فيما يلي تمرين، نحاول فيه الوقوف عند ما بدا لنا من هذه المحطات/ العلامات:

لحظة جمعوية:

ليس لدي إلمام بالتفاصيل.. لكنني اتذكر انني رايت بالعين العابرة، صورته بجريدة "الاتحاد الاشتراكي" ان اسعفتني الذاكرة، وهو ينشط لقاءا سينمائيا بأحد الأندية، لا اتذكر اسمه، ولا تاريخ هذا النشاط، لكن يعنيني من هذا الاخير كونه علامة قوية، اولا، على حيوية و اشعاع الاندية السينمائية سابقا، وثانيا، على تمثل مفكرنا لأهمية و جدوى الانخراط الحركي في أنشطة النادي السينمائي على التربية على الذوق السينمائي بالمشاهدة و الحوار و التعليق و النقد..

صحيح ان عبدالله العروي، لم يكن وحده، المثقف الذي عانق أنشطة الأندية السينمائية بالمغرب سالفا، بل و صحيح ايضا ان بعض المثقفين تجاوزوا العناق العابر، "ليتخصصوا في السينما إعلاما، او نقدا، او إخراجا، أو كتابة (=السيناريو).. لكن ما يهمنا، ليس هو الوفاء للسينما من عدمه.. فذلك شان/حرية خاصة و طبيعية بكل واحد، و"المفاضلة" بين المثقفين ليس مردها الى جنس الكتابة او التخصص لذاته، ولكن الى طبيعة و حدود و افاق الجدة و التاصيل و المطابقة في هذا الجنس/ التخصص او ذاك..

و عبدالله العروي من القلائل المشمولين بالصفات الأخيرة في إنتاجه التاريخي و الفكري و الابداعي.. وفي بعض ارائه و تاملاته النظرية و الاشكالية "غير المتخصصة" حول السينما في مناسبات معدودة.. و حول الأدب و صيغ التعبير.. في المحور الأخير من كتابه " الايديولوجيا العربية المعاصرة" (1)

من ثمة، اذن، نسوق أهمية و رمزية هذه العلامة الأولى، و في البال غير قليل من الاسف على انحصار دور الاندية السينمائية اليوم.. وعلى ضعف و فتور علاقة النخبة الثقافية بها بالأمس، وأكثر باليوم..

هل يمكن اعتبار هذه اللحظة، استئناف ميداني –لم يدم- لسيرورية ذوق عبدالله العروي؟؟

سيرورية الذوق: السيرة السينمائية من خلال كتاب "اوراق"

طبعا، مرجعنا هنا هو كتاب "اوراق" سيرة ادريس الذهنية.. (2) و كقارئ، فانني سأختار بناء زاوية نظري باعتبار شخصية إدريس "شخصية واقعية من لحم و دم" و بالتالي، "فان البعد السير ذهني هو الذي سيتعزز فارضا تتبع فقط ما يتعلق بالمسار الفكري و التعليمي للمترجم له" كما يقول محمد الداهي (3) "فالسيرة الذهنية هي تكون ادريس الفكري و العاطفي" (ص240)، و المؤلف نفسه في تقديمه ل"اوراق" ترك لنا، معشر القراء، حرية الفصل في تحديد هوية الراوي، و شعيب، و المؤلف، و الحق في رفض "التمييز بين مؤلف كتاب "اوراق" وادريس كاتب اوراق والراوي جامعها و مرتبها و شعيب المعلق عليها و صاحب الكلمة الأخيرة في تأويلها "(ص07)

و عليه، وفي إطار اهتمامنا ، هنا، بالعوالم السينمائية في هذه السيرة الذهنية، فإننا سنستقصي، قدر الإمكان، رحلة التربية السينمائية لإدريس من خلال مستويات الفرجة و التذوق و النقد و الحب.. و من خلال تقنيات كتابة كتاب "أوراق" (نفسه) كتقنيات تعكس، بنوعية الترتيب و الهيكلة و التقصيص، تأثرا واعيا و ضمنيا بحركية السينما و إيقاعها و سيروريتها..

في الفصل الثامن من "أوراق" و المعنون ب "الذوق" نقرا ان "...ذوق ادريس تكون بالتأكيد في عاصمة فرنسا.." (ص172) لكننا نقرا أيضا "..عاش إدريس منذ صباه في جو سينمائي . وعى مبكرا التناقض بين الحياة و الخيال ثم أدرك بارتياده القاعات المظلمة أن ذلك التناقص هو موضوع الأشرطة التي يشاهدها .فلم يعد يدري على أي تناقص يدور كلامه ،عن تجربته المباشرة أم عن صورتها المنعكسة على الشاشة ؟هذه تكيف تلك،و تلك

تضئ هذه ،دون أن يتوقف أبدا التأثير المتبادل بينهما .."(ص172) .واضح هنا ،إن التربية ،السينمائية ،بصورها و تناقضاتها واستهاماتها ورواسبها الاجتماعية و النفسية و القيمية ،كانت مبكرة في سيرة ادريس و عليه فان بدايات هذه التربية ،سبقت مقامه الفرنسي ،زمنيا على الأقل ..و إذ نسلم ،معه ،بان ذوقه السينمائي قد تكون و نضج بباريس ،ورتب ،تاليا ،في القسم الأخير،و الفصل الثامن (مابين فصلي العاطفة و التعبير ..) ضمن السيرة الذهنية (-أوراق ).فإننا نجد عدة إرهاصات /بدايات لهذه التربية الذوقية متفرقة في الفصول السابقة :

1-فمن المقدمة "التوضيحية ".نقرأ أن من بين صعوبات الصيغ التعبيرية للأوراق :"صورية اللغة السينمائية .."كما نفهم أن "تجربة ادريس مع الفن ،مع الصورة ،كمنحة الفتى المؤمن مع الأصنام –"(ص07) .

وفي معرض طرح سؤال الغرض من تعددية الأصوات في الكتاب ،تتوسل المقدمة أيضا هذه الصيغة البلاغية الكثيفة العميقة :"انعكاس الصورة في مرايا متقابلة ." مما يعني و ينبئ أن الصورة كلفة فنية هي من صميم الهواجس التقنية و التعبيرية المستعملة في التقاط الواقع المشاهد الموصوف في الأوراق ..

2-في "شبح شعيب "نوع من النوستالجيا الروحية التي تسترجع المسار الذي كان بسلكه ادريس و شعيب نحو قاعات السينما ..و التى لا تقوى استرجاع "موزع البطاقات في الكوليزي أو الرويال"ص12و في محاولة شعيب استرجاع شكل ادريس ،يعتمد أسلوب اللقطات السينمائية ،كما يقر بذلك و هو يقول :"صورة مؤلفة من مجموعة لقطات غير متزامنة ."(ص12).

3- في القسم الأول من "أوراق" و الذي يتكون من ثلاثة فصول، نتعرف في الفصل الثاني (=المدرسة) على الجو السينمائي الذي عاشه ادريس وهو بالثانوية الداخلية بمراكش بعيد الحرب العالمية الثانية، حيث تحضر السينما "يوم العتق" الذي هو الأحد، فنلمس تلهفا و عجلة لقصد قاعة "ريجان" او "بالاس" قبل افتتاح الشباك.. وسطوة الوسطاء على التذاكر.. و نتعرف على تصنيف سوسيو مهني لرواد القاعة المداومون (الجنود و الموظفين و التجار الفرنسيين، بينما التلاميذ اقلية...) لقد كان التهيب لمشاهدة الفيلم على اشده و كانه لحظة تصوف بالنسبة لمجموعة ادريس.. و من الافلام المشاهدة بسينما "ريجان" هناك اشارة الى فيلم "القاتلون" و فيلم "كل صباح اموت". و لان الثقافة السينمائية لهذه المجموعة كانت ما تزال ضعيفة جدا، فانها، اي المجموعة، لم تكن تهتم الا بمضمون الحكاية. و بعد العرض، تقرا هذا المضمون من جديد بشراء نص مكتوب و مؤثث ببعض صور الشريط في اسبوعية "مون فلم" "كما لو كان (الشريط) قصة مصورة ليس الا " (ص27)

بعد مراكش، تنتقل مع ادريس و شعيب و تلميذ ثالث الى ثانوية الرباط، و الى قاعات مثل "كوليزي" و "ريناسانس" وخلال هذا المقام الذي دون فيه ادريس كل الافلام التي شاهدوها.. يتذكر شعيب مشهدا من الفيلم البوليسي "معذرة الرقم خطا" لاناطول ليتفاك وهو المشهد الذي ادركوا من خلاله ما لا يعلمونه، و ما لم يودوا ان يعلمونه عن كيفية التعبير عن الرعب او الحذر.. وهو الفيلم نفسه الذي اثار تعليقا متبادلا سريعا، قبل الدرس، بينهم و بين استاذ اللغة الفرنسية غوطلان الذي كان يعلم ما ينطوي عليه حبهم للافلام الامريكية من مغزى ثقافي و سياسي..

بعد الرباط ، حلت البيضاء. و يبدو تأثير السينما على ادريس ، في هذه المحطة، قويا و حاسما حتى تغيير مسار حياته.. لقد بدا يفكر جديا في الاتجاه نحو مهنة التدريس، لكن مشاهدته لفيلم "وداعا مستر تشيبس" بقاعة "ريتز" جعله يقرر بعد العرض "لن اكون استاذا ابدا ابدا، انها مهنة حقيرة!" ربما تحت تاثير المصير الخائب لبطل الفيلم مدرس الاداب اليونانية،" رغم تفانيه و كفاءته خلال الحرب و الدرس " (ص37).

من البيضاء، تمت العودة من جديد الى الرباط في خريف 1952، فتجدد اللقاء بالسينما في قاعة "روايال" و بالخصوص "فوكس" التي كان يستهويهم فيها عرض الافلام الامريكية من نوع ب (=الافلام السوداء، الوسترن، المغامرات، الكوميديا الاجتماعية..( وهي افلام، بغم تواضعها، تكسب الجاذبية و الحب و الالفة بتكرار موضوعاتها و بممثليها الكبار "عندما يبدأ نجمهم يخبو" من هذه الأفلام. ما اثاره شريط عن مخاطرات البحار الجنوبية مثل فيه "ارول فيلن"، من انتقاد بلغ حد السخرية اللاذعة اتجاه طالب من المغرب الشرقي (ستهزئ من الممثل.. فقال ادريس بعد ذلك "هذا جاهل ينبه العارف. الفن مبني على قواعد اصطناعية لا يدخل حيزه الا من رضي ان يطلق ، ولو مؤقتا، طرائق الدنيا.. و سنن الدين…" (ص42). كلام ينم عن وعي مبكر و عميق بطرائق الفن و قواعده التي لا تقبل في حيزها من هو متزوج بطرائق الدنيا و شرائح الدين.. وهو الوعي الذي سيصبغ، بعطاء نقدي غني و متواتر، مفهوم الحداثة، في المشوار الفكري الحافل لعبدالله العروين و ما يستلزمه من ضرورة الطلاق بين العقل المطلق، و العقل التاريخي/البشري في المسار المعطوب للايديولوجيا العربية المعاصرة…

4- "عبر (اي ادريس) عن فلسفة الحب بواسطة السينما" (ص235) ذلك ما نلمسه في القسم الثاني من "اوراق" وفي الفصل الرابع تخصيصا (=الوجدان=. هذا التعبير الذي يعني به التخيل، التقطير، التصفية..، هو لصيق الذوق الجديد الذي غير نفسانيته بفرنسا..

فبخصوص علاقته بالنساء و موقفه المتناقض من الازواج يقول "انه سيناريو امثله باستمرار لنفسي" (ص78). لغة السينما هنا، مسعفة في التعبير عن حالات ادريس الوجدانية اذ "يتظاهر باختفاء زملائه اللاهثين وراء الانثى" من جهة، ومن جهة اخرى، يكاد يفيض غما وهو "وحيدا مهجورا في قاعة مكتظة بالأزواج"

وفي سياق ما تثيره السينما، في احاسيس الاخفاق الوجداني لادريس، من تناقضات بين الحياة/ التجربة ، و الخيال/الصورة، لا يتوانى في انتقاد تساهل و تملق "تشابلين" (في فيلم limilight 1952) ببكائه و ابتسامته ، انتحابه و فرحه، "فينشر النفاق و الضعف بين الناس أكثر مما يعلم الصبر و الحلم "(ص85)، ولا ندري، فعلا، مع هذا القول، هل يتعلق الأمر بتجربة ادريس المباشرة، ام صورتها المنعكسة على الشاشة؟ بالأصل، ام الظل؟؟

لقد منحت السينما لإدريس بواسطة قاعاتها و افلامها و ممثليها و نقادها تربية شعورية عميقة، و مخلخلة لموقفه من الحب.. و لعل في هذه الدعوة: "الدين حب و الحب دين "(ص88) التي كان يرددها وقتئذ نقاد السينما في كل مناسبة، ما يلخص الأثر الذي حفرته السينما في هذه التربية، وهذا الموقف.. لادريس.

5- في القسم الثالث، تحضر السينما في بعض لحظات لواعج "العاطفة" (=الفصل السابع): اتجاه الالمانية الصغيرة "برودنثيا"، التي ود ادريس لو يكتب لها رسائل ليحدثها فيها عن فيلم كازن "شرق عدن" كتعبير عن ، أو امتزاج ب، او انعكاس لحنينه و شوقه.. واتجاه الفرنسية ، التي دعاها لمشاهدة فيلم روبير برسون ) (les dames de bois de boulogne 1950 كحمام للتطهر و التحرر من عاطفة رخيصة.. و تواصل مختل..معها.

اما في الفصل الثامن (=الذوق) فنحن بإزاء المفصل من التربية الذوقية السينمائية لادريس. ولعل في حجه الى حي مونمارت بباريس عبر السينما/المتخيل، ثلاثة سنوات قبل الحج الواقعي/ الميداني، ابلغ تعبير عما منحته السينما من فضاءات الإقامة و إمكانيات التعويض.

فباريس، عاصمة السينما، التي زاد فيها وضعه الوجداني اتساعا و عمقا، كانت في الثلاثينيات تحتل الصف الأول في إنتاج الفيلم الفني، ولما إلتحق بها في الخمسينيات، كانت تتهيأ لاستقبال إنتاج الموجة الجديدة حيث المخرجون المتألقون لاحقا ما زالوا نقادا، وحيث متحف السينما الذي أنشاه هنري لانجاوا. لقد حضر ادريس حفلات الثلاثاء باستديو فافين حيث سمع مناقشة كلود شابرول، واختلط مع طلبة معهد الدراسات السينمائية ، وقرا مقالات مجلة الدفاتير السينمائية، وعاشر في دار المغرب طلبة ممنوحين ليتدربوا و يصبحوا تقنيين في المركز السينمائي المغربي..

في هذا الجو ارتقى ادريس من مستوى استهلاك السينما الى مستوى تذوقها، وادرك ان اصالة هذا الفن تكمن في كونه ملتقى الفنون الاخرى، اذ التفكير في خصوصية الفن السينمائي يكشف عن خصوصيات الفنون الاخرى. اما عن النقد، فبقول انه قد لا ينفع المخرج المبدع، و لكنه يفتح للكاتب و المفكر ميادين جديدة للتأمل..

ففي ظلمة قاعات العرض تكون ذوق ادريس، ونما وعيه بقضايا الشكل و التعبير..

و ليس في مجالس الفلاسفة تعلم ما يميز أساليب القول من ملحمة و مأساة و غناء و دراما و رواية، الخ..، بل من خلال اجتهادات كبار نقاد السينما مثل جورج سادول، واندريه بازن، وهنري اجل، ورثة ريني كلير، وايلي فور (ص 173)

وفي اطار تفكير ادريس في الشكل الملائم لكل تجربة عاطفية تتعلق بالوطنبة، بالثورة الاجتماعية، بالحب، بالعزلة..، بل و الموحد ( اي الشكل) في مجال الوعي لعواطف متعددة.. وهو الشكل الذي يشبه في شموليته و اكتماله الفن السينمائي، والذي أنجزه مارسيل بروست بالمكتوب الرائع، ما اعجز كبار المخرجين عن تحويل مطولته الروائية ( والمقصود هنا:في البحث عن الزمن الضائع ) الى فيلم مقنع.. قلت في اطار هذا التفكير، اذن، تحقق لادريس عبر السيناريو مفهوم السيرورية، وعبر التقطيع مفهوم الايقاع، وعبر الحوار مفهوم اللغة الوصفية، وعبر الديكور مفهوم الهيكل.. الخ (ص173). و بفضل ثقافته السينمائية هذه، لم يجد ادريس شيئا جديدا في مقالات الان روب –غرييه عن الرواية الجديدة، كما استوعب، وان بشكل مؤقت و جزئي، درس بروست" وادرك بمشقة كبرى "ان الحياة الحقة توجد في هذه الدنيا".. (ص174).

و ضمن الملاحظات النقدية التي سجلها ادريس على بعض الافلام نقرا اربعة اوراق: الاولى بعنوان "الخشب و الحديد" حول فيلم انييس فاردا ) (la pointe courte1954، وهي ورقة تنطوي على ثقافة و تحليل لافتين للغة السينما، واذ تستحضر منهج المقارنة مع افلام اخرى جديدة، و تناقش مشكلات الصورة و الحوار و الرمزية في السينما، و تحبل الى و على الخلفية الفكرية و الادبية للمخرجة و بالجملة فهي ورقة نقدية تنم عن ثقافة واسعة سينمائيا و فكريا و ادبيا..

الثانية: بعنوان" الحب و الإبهام"، وسجل فيها ملاحظات و تساؤلات نقدية غنية على فلم سنسو/ 1954 للمخرج الايطالي فيسكونتي، فعرف بالأخير، مركزا على ما يضيء فهم و تحليل و تاويل الفيلم، وبخاصة سؤال الافراط الميلودرامي و الهوس الفرويدي الذي شاب مسار العلاقة الغرامية بالفيلم؟؟ و هكذا، يمضي، مستدعيا للمقارنة فيلم رينوار "قاعدة اللعب" و مستدلا على استفادة فيسكونتي من تقنيات بريخت المسرحية، ومفحما راي اندريه بازن في سيناريو الفيلم.. و مناقشا العناصر التي افقدت الفيلم توازنه و اسقطته في الابهام.. و مقترحا ما كان يستطاع فيسكونتي فعله او تجنبه.. خاتما باراء مخلخلة لمسلمات المدرسة الواقعية ، وبخاصة ثنائية الشكل و المضمون الاثيرة عندها..

الثالثة: بعنوان "الجذور" و يورد فيها تحليلا فكريا و روحيا لفيلم المكسيكي بنيتو الازرقي (الجذور) 1954، المكون من اربعة فيلمات. هكذا يسجل ايجابيات الفيلم المنافحة عن القومية المكسيكية.. ثم يعري جوانيه السلبية كاشفا عن القيم التي لا فائدة منها لأمة فتية طامحة كالمكسيك، مثل تزاوج قيم التمييز و التجزئة.. التمجيد و التحقير.. ليخلص إلى ان هذا الفيلم "درس وأي درس لنا المغاربة إذ نهم ببناء مجتمع جديد في وطن محرر." (ص186)

الرابعة، بعنوان استفهامي "أي بساطة؟"، ويحلل فيها ادريس مشاكل وافات الواقعية التسجيلية من خلال فيلم مارسيل هانون "قصة بسيطة "/1959 ، والتي يذكر منها: العفوية و الاعتبار السلبي للمشاهد ، ثم غياب الوعي الفني..

ربما لادريس اوراقا نقدية اخرى.. لكن اختيار هذه النماذج الاربعة بالذات، قد يكون مفكرا فيه، اي مستهدفا، لاخذها كامثلة فيلمية معبرة، عن مزالق التطرف في الواقعية (بالنسبة للنماذج الثلاثة الاولى) و عن صعوبة الانفلات من هذه المزالق لم تكتمل الا بملاحته للمسارات البعدية لاصحابها: حيث اهتدى فيسكونتي الى ان قوام الفن هو التوازن/ فجاء فيلمه "العهد شريط ايطالي الوطني.. بينما بهت المكسيكي.. و ضاع هانون في بحر النسيان..

بعد هذه الاوراق/ النماذج الاربعة، نقرا ورقة اخرى منفردة بعنوان "عماد الوهم" بلغة ادبية مصورة مركبة يقف فيها ادريس وقفة خاصة عند الممثلة كيم نوقاك كنموذج سينمائي هوليودي.. يختزل ذكريات امريكا وأحلامها، ندمها و مفاراتها الوجودية و الاخلاقية ..

بعد ذلك ،حوار بين الراوي و شعيب حول السينما كخمر ينتعش به خيال الملايين من البشر ،و يمثل الالتذاذ بالأفلام من درجة ب قمة هذا الانتعاش (و هي الافلام التي سبق أن تعرفنا على عشق ادريس و جماعته لها في محطة الرباط الثانية /خريف 1952 و في قاعة فوكس بالذات ،عبر الفصل الثاني "المدرسة ").في هذه الافلام تتشابه و تتكرر القصص و الممثلون و الديكورات مما يعطيها متانة الواقع في تجلياته المرئية و المشمومة و الملموسة و المذاقة ..و هنا يمكن سحر هوليود ،في عصرها الذهبي ،التي شكلت خصبا ويانعا لسيرورية يغتني فيها المتخيل بالواقع ،و الظل بالاصل ،و التطلع بالتجربة ..مما يجعل هذه السيرورية "حصيلة جماهيرية بل مؤسسية "(ص191) ،بعدما كانت في الماضي عفوية بلا تخطيط ..

ليست هناك تعليقات: