إعلام حر، نزيه، مستقل .... موقع صحيفة الجسور المغربية يرحب بزواره الكرام ويتمنى لهم إبحارا ممتعا، فمرحبا بكل التعليقات المفيدة والتوجيهات السديدة...

هذه الجسور .....

أردناها أن تكون صوتا حرا لإعلان الاتفاق أو الاختلاف، دونما رقابة ذاتية أو أحكام معلبة. أردناها أن تكون منبرا يسائل الوقائع من أجل الخطو إلى الأمام، والإسهام في كل هوامش التطور الممكن في مغرب اليوم ضدا على كل اليقينيات الجاهزة، والإرادات المحافظة.

وأردناها أن تكون جسورا للتواصل، والتحليل، والنقد، والإبداع... وابتغينا لها الإسهامَ في محاربة ثقافة الهامش، ومنطق التيئيس الذي أصبح يحتل مساحات واسعة في تمثلات وسلوكات الفرد والمجتمع.

هذه الجسور تعلن انتماءَها، دون تردد، لمسار التحديث، وهاجس البناء... وكم هي شاقة جسور التحديث والبناء في مغرب متحول تحاصره إكراهات التقدم ومستلزماته، وجيوب المقاومة، الظاهرة والمضمرة !

--------------------------------------------------------------------------------------------


الاثنين، أغسطس 11، 2008

المدرسة العمومية على شفير الانهيار

د حميد تباتو
تعيش المدرسة العمومية وضعا غير طبيعي أوصلتها إليه أطراف عديدة. ورغم مشاريع عديدة للإصلاح، يزداد هذا الوضع تدهورا، ومن تجلياته الواضحة اهتراء الكثير من البنيات التعليمية، ووجود خصاص في الموارد البشرية في الكثير من المناطق وتضخم الوقائع غير التربوية والشاذة في فضائها وتقلص مردوديتها.

وهكذا، أصبح معناها مقلصا إلى الحدود الدنيا بل إلى دلالات سلبية، خاصة بعد أن تم الإعلاء من شأن التعليم الخصوصي ليتأكد للأقل تشاؤما أن المدرسة العمومية تسير نحو الانهيار، أما من زادت لديه نسبة التشاؤم فقد أعلن مسبقا أن المدرسة العمومية قد انهارت وما يوجد الآن ليس إلا شبحا لها.
صور متعددة
على الرغم من أن المدرسة العمومية لها دلالة وحيدة، باعتبارها مؤسسة للتربية والتعليم وتكوين المتعلمين عبر مستويات دراسية يقدم عليها الصغار للاغتراف من المعارف والعلوم وتقليص مساحة الجهل والأمية في ذهنهم وعقلهم، فإن عناصر عديدة تجعل صورها متعددة، بل إن تمثلها قد يختلف باختلاف واقع ونفسية من يلجها، كما قد يتعدد بتعدد النظر إلى وظائفها. وهكذا فمن جاء إليها مجرورا ككبش العيد ليس كمن قصدها مرتاحا بحلوى شهية في فمه. ومن قطع الوديان والجبال ليصل إليها، ليس كمن توصله سيارة الأسرة دافئا ومنتعشا إلى بابها، وليس من يعطي فيها بلا حدود مراعاة للمسؤولية والواجب كمن يجعلها معبرا للراتب الشهري وتحقيق ما لم يتحقق خارجها بأقل مجهود بل وبإخلال تام بالمسؤولية أيضا.
لقد شكلت المدرسة العمومية مؤسسة لتعليم الوطنية أولا، كما شكلت المجال الذي تخرج منه أغلب الوطنيين وكبار رموز السياسة والثقافة والفن والاقتصاد والعلوم الحقة، إلا أن هذا لا يعني أن ربط المدرسة الوطنية بالمشروع المجتمعي الوطني قد حسم منذ البداية، وذلك لأن الصراع على هذا المجال وعلى توجيه وظائفه استمر طويلا وخلف الكثير من الضحايا في محطات عديدة، من بينها 1965، وبداية وأواخر السبعينات وفي تواريخ أخرى، خاصة بعد أن سعت الأطراف الفاعلة في هذه المؤسسة (خاصة التلاميذ والأساتذة) إلى تكريس تصور مخالف لما يريده الحاكمون من المدرسة كمؤسسة تعيد إنتاج السائد وتثبت العلاقات القائمة بين الفئات والطبقات وتناصر المنتصر على المهزوم. وما كان هو أن تم إلزام المؤسسة العمومية بتصورات غير ناجعة عطلت الكثير من إشعاعها، من قبيل التعريب الذي تم إيقافه على مداخل الجامعة المغربية، وإغفال اللغات والثقافات الوطنية في برامج التعليم وتعدد الإصلاحات، وزرع التفرقة في الجسم التعليمي. وحين بدأ كل هذا يعطي أكله تم قتل قيمة الشواهد التي تعطيها المؤسسات العمومية، وفي المقابل بدأ الدفع بالتعليم الخصوصي إلى البروز، إلى أن أصبح المنفذ الوحيد والأساسي ليس للمسألة التعليمية بالمغرب بل لكينونات أخرى عديدة. إلا أن هذا الاندحار التدريجي لمعنى المدرسة العمومية وقيمتها ووظيفتها، وإن كان نتيجة لسياسة موجهة لهذا الغرض في إطار حسم الصراعات المجتمعية، فهو تم بإسهام أو تواطؤ أو صمت أطراف أخرى عديدة من المفترض أن توجد في الموقع الآخر النقيض، أي الأطراف التي يجب أن تنشغل أكثر بقلق المحافظة على المعاني الإيجابية لهذه المؤسسة.
بين الحق والواجب
حسب محمد عياش –أستاذ بالثانوي- لا يجب أن ننسى جميل المدرسة العمومية، فقد أعطت أحسن الأطر لكل الحقول، لكننا نلاحظ تراجعا كارثيا لوظائفها الآن، ومسؤولية ذلك يتحملها أكثر من طرف بما في ذلك الدولة التي تخلت عن مهامها الحقيقية فيما يخص الإشراف على استمرار إشعاع المدرسة العمومية والانخراط الفاعل في تطويرها، والشغيلة التعليمية التي أصبحت تعمق من أزمة هذه المؤسسة بعد أن عوضت ثقافة الواجب بثقافة المطالب والحقوق. فرغم أن وضعية هذه الفئة قد تحسنت كثيرا، فإن مردودية البعض منها ليست على ما يرام، وهذا ما يعطي فرصة هائلة للناقمين على المدرسة العمومية ولبعض الأسر للتقليص من قيمة المدرسة والنظر إليها بشكل سلبي والدفاع عن التعليم الخصوصي. ويحصل هذا، حسب عياش، في الوقت الذي تعمل فيه الدولة على إعطاء أهمية أكبر للقطاع الخاص الذي لم يكن له أن ينتعش لولا تراجع الوظائف التاريخية للمدرسة العمومية. وهذا ما يتمثل في سياسة تعدد الكتب المقررة في المستوى الواحد، إلى التغيير الشكلي للمقررات، فالمقارنة البسيطة بين المقررات السابقة والمقررات الحالية تبين أن لا شيء يتغير في الجوهر، والنظر إلى الأثمنة وتعدد دور النشر وتعدد الكتب المبرمجة يؤكد أن المدرسة العمومية أصبحت سوقا تجارية ومجالا للكسب المادي والاغتناء، وهذا ما يقضي على قلقها الأصلي وهو التربية والتعليم، وإنقاذ أبناء الوطن من براثن الجهل. وما يزيد الطين بلة هو أن النقابات، التي كان همها في الأصل الدفاع عن المدرسة العمومية وعن مسؤولية الجميع في الحفاظ على وظائفها، أصبحت تغطي على مجموعة من السلوكات التي تتنافى مع ما هو تربوي".
مدرستي الحلوة
الإخلال بالواجب مسألة يكرسها البعض ويرفضها البعض الآخر، ليس على مستوى التدريس فقط بل على مستوى الإدارة والتأطير التربوي والمسؤوليات الجهوية والوطنية. خاصة أن أول من تنعكس عليه بشكل كبير هو المتعلم أولا، لأن كل ما كان يسمعه عن "المدرسة الحلوة" وعن "رسولية المعلم" يصير بدون معنى، بل ويصير أي مرب بالمدرسة مماثلا للمخل بالواجب، وهذا له أثمنته الباهظة التي سيؤديها الجميع ويؤديها تاريخ الوطن بشكل أغلى، لأن ما كافح من أجله الناس عهد الاستعمار ولاحقا هو الحق في التعليم للجميع وتأصيل الوظائف الكبرى للمدرسة العمومية والمجانية، إلا أن أشياء عديدة تميز وضع المدرسة العمومية بشكل سلبي وتدفع وظائفها إلى الضمور، وهذا ما ليس في مصلحة الجميع خاصة أبناء الشعب الفقراء، لهذا يقول عبد الإله مسوس (مفتش التعليم الابتدائي): "المدرسة العمومية مكسب للشعب المغربي، علينا أن نعض عليه بالنواجذ، ومؤسف جدا تدهور مردوديتها، وهذا التدهور –حسب مسوس- راجع إلى أسباب متعددة، منها اهتراء البنية التحتية ووجود خصاص كبير على مستوى القاعات الخاصة في العالم القروي". ومن الأمثلة التي يعطيها مسوس، هناك تدريس كل المستويات من الأولى إلى السادس في قسم واحد، وهناك أيضا قاعات غير صالحة للتدريس لأن سقوفها تقطر في فصل الشتاء، وهذا هو حال الأقسام بكل من مدرسة الشريف الإدريسي ومدرسة الخنساء بخنيفرة، بل إن جناحا بمؤسسة المختار السوسي آيل للسقوط، إضافة إلى هذا نجد خصاصا هائلا على مستوى الموارد البشرية. وبالنسبة لخنيفرة مثلا، فالوزارة لم تلحق بها المتخرجين الجدد لموسمين متوالين، ولهذا نجد الكثير من المدرسين يدرسون الفرنسية والعربية لمستويات الثالث والرابع والخامس والسادس، وهذه الظاهرة غير تربوية وغير صحية بالمرة. وما يضيف إلى الطين بلة هو غياب آليات المراقبة على مستوى التسيير الإداري، وهو ما يشجع الكثير من الأطر التربوية على التغيب غير المبرر خاصة يوم السبت".
لقد حاولت الجهات المعنية اقتراح إصلاحات عديدة لتجاوز أزمة المدرسة، كما رفعت شعارات مهمة تهم الجودة وتكريس السلوك المدني وإشراك الأسرة في المجال… إلخ، إلا أنه بالنسبة لمسوس "فهذا يبقى مهما على المستوى النظري فقط، لأننا نجد شيئا آخر في الواقع ليست له علاقة بمضامين الشعارات ونظريات الإصلاح. فماذا ستعني الجودة مع وجود مدرس واحد لمجموعة من المستويات والمواد؟، وماذا ستعنى الشراكة مع الجماعات المحلية في الوقت الذي لا تجد فيه بعض الجماعات ما تؤدي به رواتب موظفيها!. وماذا بإمكان مؤسسات تعليمية فقيرة أن تمنحه للشركاء ما دام أن الشراكة أخذ وعطاء؟. وكيف يمكن إصلاح التعليم العمومي في الوقت الذي يتم فيه إعطاء القطاع الخاص قيمة أكبر؟. المطلوب، برأي مسوس، هو توفير شروط الجودة في القطاعين الخاص والعام، ثم يبقى الاختيار للمواطن، أما أن يدعم القطاع الخاص ويتم تهميش المدرسة، فهذا يعني دفعها إلى الإفلاس والقضاء على مكسب وحق الشعب المغربي".
مواجهة المجهول
المدرسة العمومية، حسب الكثير من الآراء، أصبحت عاجزة عن القيام بمهامها، ويبدو ولوج أفواج التلاميذ لفضاءاتها كالولوج إلى المجهول، كما تبدو العملية من دون معنى، وذلك لأسباب يحصر منها طلحة إسماعيل (أستاذ) "عجز المدرسة عن تلبية حاجات المتعلمين وتأهيلهم للاندماج في الحياة المهنية، وعدم تناسب مهارات المتعلمين مع متطلبات سوق الشغل، وانسداد آفاق التوظيف بناء على التحصيل المدرسي والشواهد الجامعية. فما توفره المدرسة أساسا اليوم وكل التعليم العمومي هو أفواج من المعطلين والكثير من اليأس والإحباط لدى المتعلمين والمتخرجين ولدى أسرهم وعائلاتهم أيضا، أي أن اختلال وظائف التعليم والمدرسة العمومية لا يجب أن ينظر إليه بشكل معزول عن باقي الاختلالات الأخرى التي يعرفها الجميع، سواء على مستوى الصحة أو الاقتصاد أو تدبير الشؤون العامة أو كل ما تبقى، فالمميز لكل مجالاتها هو الهشاشة، لهذا كان من الطبيعي أن تعيش المدرسة العمومية وضعا هشا ينعكس على مردوديتها وينعكس على المجتمع ككل".
إن ترسخ الهشاشة كمكون بنيوي في المجال التعليمي يعني تعطيل دور هذا القطاع في التنمية المجتمعية، ولأن هذا حاصل الآن، يكون من الضروري على الجميع اقتراح مبادرات لتجاوز الوضع وتقييم حصيلة الانتكاسات والإيجابيات في السياسة التعليمية المغربية.
وإلى هذا الرأي، يذهب محمد بوتخساين، حيث يقول إن تحليل حصيلة المنظومة التربوية العمومية منذ الاستقلال إلى الآن مسألة ضرورية من أجل توضيح صورة الواقع الحالي وصورة ما يجب القيام به وصورة الاختلالات، فقد تم اقتراح إصلاحات عديدة إلا أن ذلك تم بدون إشراك الجميع، وهو ما أعطى تخبطا واضحا في السياسة التعليمية.
"المفارقة، حسب بوتخساين، هي أن الجميع، كان منشغلا بالمدرسة العمومية كهم وطني بعد الاستقلال، وقد ركزت وثائق أغلب الأحزاب على المسألة التعليمية كمحور مركزي، وهو ما أعطى صورة متميزة للمدرسة العمومية سابقا، وهذا ما لا نجده اليوم، خاصة بعد أن تدخلت الدولة لتقويض فاعلية التعليم في بناء الوعي الإيجابي والوطني".

ليست هناك تعليقات: