في سياق الحديث المتواثر عن إصلاح منظومة التربية والتعليم ببلادنا، والذي يستجيب في شعاراته العامة -المصرح بها- لضرورة النهوض بقطاع التعليم ليلعب أدواره المفترضة في مشروع التنمية، في هذا الظرف بالذات يعرف حقل التعليم تنامي العديد من الظواهر التي تحتاج إلى وقفة تأملية، ومن ضمنها ظاهرة الدروس الخصوصية التي أصبحت تشكل نشاطا موازيا للمؤسسة التعليمية العمومية، نشاطا لا يخضع لأي ضبط أو تقنين تشريعي من قبل الدولة، في شخص الوزارة الوصية على هذا القطاع. والواقع، أن تنامي هذه الظاهرة يطرح العديد من الأسئلة الموضوعية المرتبطة بطبيعة هذا النشاط، وبضوابطه وبنتائجه. وإذا كانت مسؤولية الدولة قائمة في تأطير هذا النشاط وتقنينه، فإن واقع الحال يؤكد بأننا أمام نشاط تعليمي استثنائي لا يخضع لأي نوع من أنواع المراقبة، سواء تعلق الأمر بأبعادها التربوية والتعليمية، أم بأبعادها القانونية والتشريعية.
وبغض النظر عن الدواعي أو المبررات التي يستند عليها "منشطو" هذا القطاع، فإنه بات من اللازم طرح تساؤلات عن ماهية هذه الممارسة وانعكاساتها التربوية على الفعل التعليمي داخل المؤسسات العمومية.
وإذا كانت العديد من الأسر تتعاقد ماليا مع المدرسين لتمكين أبنائها من حصص للدعم في بعض المواد (الرياضيات- الفيزياء- اللغة الفرنسية...) بحجة التحفيز والتأهيل...، فإن هذا التعاقد أصبح –مع الأسف- في العديد من مظاهره يشكل إعاقات تربوية تتمظهر علاماتها في:
- إخضاع هذا النشاط لإكراهات تأخذ في بعض الأحيان أشكال لا تربوية يتحول فيها القسم لفضاء تمييزي تتشكل فيه مجموعات الامتياز، وهي التي تستجيب لشروط التعاقد المالي مع المدرسين، وهي التي تستفيد طبعا من حصص الدعم خارج المؤسسة، أما المجموعات المقصية فهي التي لا تنخرط في هذا النشاط.
- أصبح النشاط التربوي داخل بعض الأقسام نشاطا ثانويا بالموازاة مع النشاط الرسمي الذي تحكمه ضوابط الساعات الخصوصية. مما يعني بالمحصلة، أن هذا النوع من الممارسة يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص الذي يشكل أهم الدعامات الأساسية في كل منظومة تعليمية ديمقراطية تواقة إلى تكوين مواطن المستقبل على قواعد الحق والواجب والمساواة...
- إن تعاطي التلاميذ مع هذا النشاط يعتبر امتيازا بالنسبة لهم لأنه يقوم على قاعدة "الأداء المالي". وهو ما يعني أن قواعد التقويم قد تتأثر –بشكل أو بآخر- بطبيعة هذه العلاقة التي تنهض –لاشعوريا- على آلية الامتياز والحظوة. في مقابل شرائح واسعة من المتمدرسين الذين لا تسمح لهم ظروفهم المادية بالاستفادة من "الخدمات" التي تقدمها الدروس الخصوصية.
إن الدرس الخصوصي، مع ما راكمه من تقاليد خاصة، سمح بفرز تراتبية تخص المواد التعليمية. إذ كرس داخل المنظومة التعليمية ثقافة اختزالية تنطلق من إقامة تمييز بين "المواد الأساسية" وهي التي تنشط في سوق الساعات الخصوصية –"والمواد الثانوية" التي لا تخضع لقانون العرض والطلب بحكم الهامشية التي لحقتها.
وحيث إن العديد من المدرسين الذين يقومون بهذا النشاط يصرحون بأن هذه الممارسة تمكنهم من تحقيق "إضافة مالية" إلى جانب الراتب الشهري –وهو ما قد يمكنهم من سد بعض الحاجيات ومتطلبات الحياة على حد تصريحهم! - فإن هذا النشاط لا يعرف حدودا معينة في الجهد ولا في عدد الساعات، والذي قد يضاعف غلافها عدد الساعات الرسمية التي تسند إلى المدرس في المؤسسة العمومية. وهو ما يدفعنا للتساؤل المشروع عن طبيعة أداء المدرس الذي يتعاطى لهذا النوع من النشاط. وهو المنهوك جسديا وعقليا بحكم الاستنزاف الذي يلحقه يوميا من جراء انخراطه في دوامة الدروس الخصوصية، والمتطلع إلى الربح أكثر فأكثر.
وحري بالذكر أن هذه الممارسة، بفعل هاجس الربح المالي قد تحولت إلى طقوس تنتظمها بعض القيم البعيدة عن أهداف التربية والتعليم، حيث يتحول الطفل/التلميذ إلى معادلة حسابية تفرغ العلاقة التربوية من كل محتوياتها النفسية والفلسفية والثقافية. ولن نغالي إذا قلنا بأن بعض الفضاءات التي تستضيف هذا النوع من النشاط، تثير العديد من الأسئلة المرتبطة بالشروط المجالية التي تتحقق فيها هذه الممارسة.
ولكي لا يفهم من كلامنا بأننا نصدر حكم قيمة مسبق إزاء هذه الممارسة، أو أننا بصدد التهجم على ممارسيها، فإن المقام لا يخرج عن حدود السؤال المرتبط بالضوابط التشريعية الكفيلة بتأطير هذا النشاط، وإخضاعه لشروط واضحة تسمح بتحديد المسؤوليات التعاقدية المشتركة بين الدولة والأسرة والمدرس، لكي لا يتحول الدرس الخصوصي الموازي إلى عامل هدم إضافي ينخر جسم المدرسة العمومية. ولكي لا يتحول المدرس إلى كبش فداء تطحنه آلة التعليم، بحكم ما يعرفه القطاع من تدهور وأعطاب. إن العديد من الأسر التي تلجأ للدرس الخصوصي، بطواعية أو بإكراه، وهي تتطلع في ذلك لتمكين أبنائها من اكتساب مهارات التفوق، تدرك تمام الإدراك بأن قاطرة التعليم العمومي معطوبة، وتعيش على وهم التأهيل الذي يأتي أو لا يأتي... ولكي لا تتبخر أحلامنا المشتركة، فإن الدفاع عن المدرسة العمومية يظل هو المدخل الوحيد لحماية قيم المواطنة، بكل أبعادها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق