هذا النبش بحثا عن استرجاع هذه الأسماء، حنينا إلى دق جرس سلوى من جديد، إلى سروال علي وهو لما يهترئ، هو نبش يتوخى تكريم أحد أعلام التأليف المدرسي. يقول فكتور هوجو: "أوكد طريقة كي تصبح على حق، هي أن تموت". مات أحمد بوكماخ، فهل نحن مطالبون بقياس ما أتى به من "حق" في المجال التربوي التعليمي؟، أم أنه يتعين علينا أن نستحضر أحمد بوكماخ انطلاقا من أسئلة الحاضر حول التأليف المدرسي والترجمة. الحديث عن أحمد بوكماخ سينصب على جانب يهمنا هنا وهو الترجمة، ذلك أن العديد من النصوص التي تتضمنها سلسلة "اقرأ" التي كان يؤلفها ويشرف على إخراجها ذ. أحمد بوكماخ هي نصوص مترجمة.
وسنستهدي في معالجة هذا الجانب بأسئلة من قبيل: ما هي الطريقة أو الطرائق التي اعتمدها أحمد بوكماخ في ترجمته/ترجماته؟ وإلى أي حد استطاع أن يقدم نصا/ نصوصا تتصف بالمقروئية وتلبي حاجات التلميذ المغربي المعرفية والتربوية؟.
لن تكون إجاباتنا على هذه التساؤلات قطعية ونهائية، بل إنها محاولة لفتح حوار حول نمط من الوعي التربوي في مجال الترجمة في الخمسينيات والستينيات. وهو أيضا حوار حول وعي مبكر بأهمية الترجمة بل وبالعديد من أسسها النظرية والتطبيقية التي تزخر بها المؤلفات النظرية في مجال الترجميات. إنه باختصار، حوار حول حقل من الحقول المعرفية التي بدت فيها بوادر التنوير دانية القطاف كما أثمرت عنها أشجار "اقرأ".
هناك خاصية تستوقف نظر الباحث وهو يتفحص فهارس هذه السلسلة من المؤلفات المدرسية الموقعة باسم أحمد بوكماخ، وأعني بذلك أسماء المؤلفين الأجانب الذين يصطفون جنبا إلى جنب مع أسماء المؤلفين العرب من مختلف العصور. فهذا انتول فرانس، وألفونس ضوضي، وجورج سيمنون، ولافونتين، وكبريي كوليت، واندري تورنيي، وجوزف بارد...، كلهم يأخذون مكانهم الورقي بجانب ابن بطوطة، وابن هانئ، وبديع الزمان الهمذاني، ومصطفى لطفي المنفلوطي، وعبد المجيد بن جلون، وغيرهم. كيف تشكلت هذه السمفونية الكونية؟ كيف ارتحل هؤلاء الضيوف الأجانب، كما يدعوهم ذ. عبد الله الغذامي، وهاجروا كتبهم ولغاتهم كي ينطقوا لغة الضاد؟. تقودنا هذه الأسئلة إلى صلب الترجمة وجوهرها بوصفها ترحيلا للنصوص ومحو للجنسيات وتعايشا بين الأصوات والرطانات. كيف تمت استضافة هؤلاء الرحل؟، وبعبارة أخرى: كيف ترجم أحمد بوكماخ نصوص هؤلاء المؤلفين/الرحل؟ وبما أن كل ممارسة ترجمية تنطوي، عن وعي أو بدونه، على خلفية نظرية، فإننا نتساءل: ما هو نمط الوعي النظري الذي قاد خطوات أحمد بوكماخ المترجم وهو ينقل تلك النصوص من لغتها الأم إلى لغة ثانية هي اللغة العربية؟. إننا نستهدي في طرح هذه التساؤلات بما ذكره جان روني لادميرال عن الخيارات الترجمية التي يتبناها المترجم. يقول: "يوجد في أي ترجمة شيء ما يشبه، في واقع الأمر، الكتابة الآلية، بل وقد تتعايش ضمن الترجمة الواحدة نظريات ترجمية متعددة قد تكون متناقضة. فهناك من جانب نظرية أو نظريات يتبناها المترجم بوعي متفاوت، مقابل نظرية أو نظريات غير واعية في أغلب الأحيان، يمكن استخلاصها بتتبع ضروب التكافؤ الموضعية التي يقترحها نص الترجمة. فكل اختيار ترجمي هو دال في حد ذاته، وقد يؤول بوصفه عنصرا محددا ضمن إستراتجية تواصل شاملة".
سنختار إذن نموذجا من النصوص التي تتضمنها سلسلة "اقرأ" كي نتبين الوعي الترجمي الكامن خلف ضروب التكافؤ الدلالية القائمة بين النص المصدر والنص الهدف. ولنبين أيضا كيف تندرج تلك الخيرات الترجمية التي حققها أحمد بوكماخ وحينها في "نصوصه" ضمن استراتجية تواصل شاملة كبرى قطبها الأساس التلميذ.
ولقد وقع اختيارنا على نص "عنزة السيد سوغان" من كتاب "اقرأ" الجزء الرابع للقسم المتوسط الأول صفحات 305-317، وهو ترجمة لنص « La chèvre de monsieur Seguin » للكاتب الفرنسي ألفونس ضوضى من مجموعته "رسائل من طاحونتي".
لن نغرق في التفاصيل، ولن نتتبع كل التقابلات والوحدات الدلالية في كلا النصين، وإنما سنختار بعض الأمثلة التي تكشف في نظرنا عن الطريقة أو الطرائق التي اختارها أحمد بوكماخ لنقل النص الفرنسي إلى العربية محافظا على جمالية التعبير ووضوح المعنى وخصائص التركيب في اللغة الهدف، ومتوخيا في الآن نفسه، تقديم فعل الترجمة فعلا لا تنمحي فيه ذات المترجم لصالح ذات المؤلف، مما يولد نصا نشازا ضمن النصوص القائمة في اللغة الهدف. وسيتضح جليا أن أحمد بوكماخ كان يصدر في ترجماته عن تقدير لدور المترجم الذي يعده مؤلفا مبدعا ينشئ نصوصا أصلية تغتني بفضل انتمائها المتعدد إلى لغات مختلفة، كما يصدر عن تصور يلغي الحدود بين الترجمة والتصرف، بل ويعيد الاعتبار للتصرف بوصفه عملية تكييف للنص المصدر مع متطلبات التواصل ضمن اللغة الهدف.
وبالعودة إلى نص عنزة السيد سوغان، تستوقفنا خاصة بعض التكافؤات التي اختارها ذ. أحمد بوكماخ بعيدا عن أي إكراه لغوي يجد مرجعيته في القواميس والشروح التي تقدمها للألفاظ في مداخلها. فهو يختار، مثلا، لبعض الكلمات الجارية على الألسن المتواترة الاستعمال مقابلات لا تسعف بها القواميس، وإنما تقترب مما يدعوه نايدا بالتكافؤ الدينامي وبيتر نيومارك بالتكافؤ التواصلي، ونفضل أن ندعوها، مستلهمين الوظيفة الأسلوبية التي تحققها هذه التكافؤات التي ينشئها ذ. أحمد بوكماخ إنشاء خلاقا، بالتكافؤات الجمالية. من ذلك مثلا، ترجمة فعل « mangeait » في عبارة: « et là haut, le loup les mangeait »، بما يأتي: حيث تبيت هناك لقمة سائغة بين أنياب الذئب. كما نراه يترجم فعل retenait في جملة: « rien ne les retenait »، بالعبارة الآتية: فلا ملاطفة سيدها ولا خوف الذئب كانا ليثنياها عن عزمها أو يردعاها عن غيها. ولنلاحظ أيضا كيف تعامل مع لفظتي « reluisaient » و « ombre » في قوله:
« et vit dans 1’ombre deux oreilles qui reluisaient » يقول: ورأت في الظلمة الدامسة، ويا لهول ما رأت، رأت أذنين قصيرتين منتصبتين، وعينين تقدحان شررا.
إن ترجمة فعل «mangeait» باستحضار هذه العبارة المسكوكة: لقمة سائغة،و «retenir» بمتلازمين لفظيين هما: ثنى عن العزم وردع عن الغي، و «ombre» بالظلمة الدامسة،
و «reluire» بتقدحان شررا، تمثل عملية إبداع تكافؤات خطابية قائمة على وعي ترجمي يصدر عن اقتناع بضرورة التحرر من ربقة القواميس والتقابلات الموضوعة سلفا قصد الانفتاح على لانهائية الخطاب. ولا حاجة إلى التذكير من جديد أن فعل الترجمة يتحقق في مستوى الخطاب لا في مستوى اللغة/ النسق كما تمثلها القواميس.
إضافة إلى ما سبق ذكره، فإن هناك سمة أخرى تتجلى في ترجمات ذ. أحمد بوكماخ، وهي سمة التدخل الذاتي قصد بصم النص بطابع شخصي إبداعي ينم عن فهم عميق لدلالات النص واستحضار واع لمحفل المتلقي سعيا وراء توجيه الفهم وتفتيحه على ضروب القراءات. ففي نص "عنزة السيد سوغان" مثلا، تطالعنا مقاطع تصور الأخطار المحدقة بالعنزة. وإذا كان النص الفرنسي يعرض تلك الأخطار بحياد نسبي، ويجعل السارد يصف ما يحدث دون أن يتخذ موقفا وجدانيا مما يقع، فإن أحمد بوكماخ يطل من بين ثنايا الجمل مستنكرا ومستهولا، يفضل أن يعلق على الأحداث فاعلا وطرفا منفعلا. وقياسا على التصنيف الثلاثي الذي غدا تقليديا في مجال السرديات حيث نعثر على الرؤية من الخلف والرؤية المصاحبة والرؤية من الخارج، يمكن الجزم أن ذ. أحمد بوكماخ يمثل صنف المترجم من الخلف العليم بكل شيء. ففي مثال:
«et vit dans 1’ombre deux oreilles toutes droites avec des yeux qui reluisaient »، نراه يضيف عبارة: "ويا لهول ما رأت !" بما تنطوي عليه من تهويل تدل عليه صيغة التعجب تلك. وفي السياق نفسه يختار مقابلا للفظة «ombre» في المثال المذكور آنفا هذا المركب البياني "الظلمة الدامسة". كما يسوق عبارة الهلاك المحتم في سياق ترجمته جملة " elle se .sentit perdue" وتظل رغبة المترجم في خلق الشعور بالهول والإيحاء بجو المأساة حاضرة في مختلف أجزاء النص ومكوناته. فهي تتجلى في سياق تصوير استسلام العنزة أمام الذئب، فيصبح
« le chant d’un coq » صياح ديك مبحوح، وتغدو «la belle fourrure tachée de sang »، فروتها الجميلة البيضاء المبقعة دما. كيف تسلل هذان النعتان: مبحوح وبيضاء إلى نسيج النص؟. إن البحة والبياض عنصران أتى بهما المترجم وهو يبدع نصه متعاطفا مع شخوص حكايته، وخاصة عنزة السيد سوغان !.
لن نقتصر في عرض ترجمات ذ. أحمد بوكماخ على نموذج سردي نثري، بل سنقف أيضا على نموذج آخر من النصوص، وهو النص السردي الشعري. بيد أننا في هذه الحالة سنكتفي بعرض النص المترجم/ الهدف دون النص المترجم/ المصدر محاولين استشفاف الاقتضاءات الفنية والترجمية التي تنبني عليها الترجمة في تحققها النصي أي في استقلاليتها ضمن لغة ثانية، لا في تعلقها بالأصل ضمن عملية المقارنة والبحث عن التكافؤات. ولنقرأ أولا هذه القطعة الشهيرة "الزيز والنملة" من سلسلة "اقرأ" للقسم المتوسط الثاني ص 282.
قد قضى الصرار صيفا وهـو لاه يتـغـنــى
فأتــى فصــل شتاء مـزمهـر فاستكنــا
ليس في مـأواه شيئ شـاغـل ضـرسا وسنا
فنحـا جـارته النملـة يشكـو الجـوع مضـى
قال يـا جـارة عطفـا وارحمي قلب المعنـى
أقرضينـي بعض زاد وابسطي للجود يمنـى
فأجابت: كيف قضيت مدى الصيف؟ أفـدنا
قال: إني كنت أشدو وأغنـي مـطمــئنـا
فأجابت: نعم هذا الفن فـي الأعمــال فنـا
إن تكن غنيت قدمـا فأرقـص الآن مهنـا
ينبني هذا النص على مجموعة من الاقتضاءات الفنية والترجمية منها:
أ- اختيار ترجمة الشعر شعرا، ذلك أن ترجمة الشعر نثرا تفقده جماليته.
ب- لأنه ترجم الشعر السردي شعرا رغم أن "الشعر القصصي قلما يفقد رونقه في ترجمته النثرية لأنه ينطوي على عمل وقصة وأشخاص. فمسرح شيكسبير المكتوب شعرا في شطره الأعظم نقله جبرا إبراهيم جبرا إلى العربية نثرا"
ج- لأنه اختار الوزن والقافية علما أن "الموسيقى هي ألف الشعر وياؤه"[1]. صحيح أنها تثقل كاهل المترجم، ولكنه إن أهملها أهمل "متعة التغلب على الصعب ودخل في متاهة لا مخرج لها شعريا.
يبدو ذ. أحمد بوكماخ إذن في ترجماته، الشعرية منها والنثرية، مؤلفا مبدعا واعيا بجوانب الثراء التي تنطوي عليها لغته، يستشعر أيما متعة في توظيفها وفق تعبير الباحث في الترجميات "داربلني" وهو يصف أحد المترجمين. علاوة على ذلك، فهو يصدر عن وعي بإلغاء الحدود بين الترجمة والتصرف. ولا غرو أن نجد بعض الباحثين يتحدثون عن الترجمة المتصرفة «La tradaptation» في تركيب بين اللفظتين. فالتصرف ليس ترجمة مبتورة أو ناقصة، بل إنه يعكس جوهر الترجمة القائمة على التعدد والاختلاف واعتبار المتلقي ووضعيات التواصل وسياقاته. إن التصرف، كما مارسه ذ. أحمد بوكماخ، يبين تهافت ذلك "التصنيف الثنائي الذي يقتضي نوعا من صنمية النص المصدر، وهو تصنيف ينبني على أحكام متسرعة وعلى رغبة في إقامة التعارضات مثل ما يقع غالبا في مجال الترجمة، إذ يتم الحديث عن الترجمة الحرفية مقابل أخرى غير حرفية، وترجمة مقيدة مقابل ترجمة حرة، والمعنى مقابل الكلمة، والشكل في مواجهة المضمون.
إن ترجمات ذ. أحمد بوكماخ تبين أخيرا أنه من الضروري أن يجيد الإنسان الكتابة كي يجيد الترجمة، وأن أهم وصفة وأنجعها في هذا المضمار، يلخصها الثالوث الآتي في تكامل عناصره وتفاعلها: الكتابة الجيدة، والترجمة الجيدة والإبداع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق