* إذا استثنينا دعم المركز السينمائي المغربي والإنتاج المشترك فإني أصرح أنني لم أتوصل بأي مساعدة من أي جمعية أو مؤسسة ما.
* نعم لا ننكر أن هناك رقابة ذاتية يمارسها كل مبدع على أعماله..
* تم توفير 7 ملايين درهم من مصادر متعددة ، والتكلفة النهائية للفيلم ستقارب 10 مليون درهم.
* لا أنكر أن جانب العادات والطقوس الممارسة من طرف اليهود أخذت حيزا أكثر من مساحة الفيلم.
· الرباط - حاوره : محمد الخيتر
نشأ المخرج المغربي محمد اسماعيل في حي وسط المدينة العتيقة بتطوان، كان يتواجد به بعض التجار والحرفيين من ذوي الديانة اليهودية، غير بعيد عنه يوجد الملاح حيث تقطن جالية يهودية مهمة.. بساحة الفدان، كان بمعية زملائه يجتمعون فتيان وفتيات من ديانات مختلفة، كانت الصداقة والألفة تجمع بين الجميع غير مكترتين بمن منهم المسلم، المسيحي أو اليهودي. شاءت الأقدار أن يعود بعد 35 سنة لتصوير فيلم "وبعد" بمدينة تطوان، وهناك التقي بأحد الأصدقاء، لتعود الذاكرة إلى السبعينات، عبر تجادب الحديث والسؤال عن الزملاء .. لكن محمد اسماعيل سيكتشف أن الكل هاجر المدينة، البلد، والوطن.. بعدها مباشرة قرر الاشتغال على هذا الموضوع سينمائيا، فطلب التحري وجمع المعلومات عن هجرة اليهود، وبالتالي كتابة سيناريو فيلم "وداعا أمهات"، وهو العنوان الذي لم يتغير منذ كتابة النسخة الأولى سنة 2001.
التقينا المخرج محمد اسماعيل مؤخرا بعد نزول الفيلم إلى قاعات العرض – قبل سفره لفرنسا للمشاركة بالمهرجان– فكان معه الحوار التالي:
* لماذا اختيار موضوع اليهود بالمغرب للتعبير الآن عن هذه الفكرة و للتعبير عن هذه الحساسية؟
عاش اليهود بين ظهرانينا منذ قرون، كأشخاص كاملي المواطنة، كان من بينهم الصديق،الأخ أو الأخت من الرضاعة، الجار، التاجر، الحرفي، المحاسب، الأطر التي كانت تمارس سواء بالقطاع العام أوالخاص. الكل يحترم شعائر الغير والكل يعيش في سلام ووئام. وبين عشية وضحاها انقلبت الأوضاع وصار الكل ينظر إلى الآخر نظرة سلبية بسبب نشأة دولة اسرائيل وسياسة التهجير التي ساهمت فيها إلى حد كبير سلطات الاستعمار سواء بالمغرب أو بباقي دول العالم، ثم أجهزة المخابرات الصهيونية. بعد ذلك ستتصدى لها السياسات القومية للدول العربية التي أوصت بالحد من تهجير اليهود نحو اسرائيل. أمام هذا المنع ستنشط منظمات التهجير لدفع ما تبقى من اليهود للالتحاق بالأرض الموعودة مستعملة في ذلك كل الطرق بما فيها الهجرة السرية. أسئلة كثيرة يمكن أن تطرح عن العوامل والدوافع التي جعلت اليهود المغاربة يلبون نداء الهجرة تاركين وراءهم الغالي والنفيس. وقد يكون هذا الفيلم محاولة للإجابة عن بعض الجوانب التي ظلت من الطابوهات والتي لم تذكر في تاريخ المغرب الحديث.
* لا شك أن استحضار فترة الستينات لم تكن بالسهلة، كيف كان تعاملك معها ؟
كانت هناك دراسة وبحث حول الفترة الزمنية التي تجرى فيها أحداث الشريط ، فترة الستينات تتميز بصعوبة خاصة على مستوى الملابس والديكورات والأكسسوارات، وكل ما قمنا به من استكشافات كانت مُنصبّة بالأساس في هذا الاتجاه. وبما أن قصة الفيلم مقتبسة من الواقع فقد اعتمدنا على وثائق تاريخية واستعنا بمستشارين في الثقافة اليهودية حتى نكون أوفياء لروح القصة وتاريخها. التحضير لهذا الفيلم لم يكن ملتزما ولا مرتبطا بفترة زمنية محددة، فالبحث استغرق سنة ونصف السنة. وطيلة هذه المدة ، كنت أبحث بل وأحيانا أتعب للحصول على معلومة تاريخية دقيقة، قد يكون لنسيانها أو تجاهلها أثر كبير على مسار الشريط، بل قد يخلق خللا في صيرورة تيمة الفيلم.
* هل تلقيت مساعدات من جهة ما لتمويل فيلمك؟
إذا استثنينا الدعم المسبق على الإنتاج الذي يقدمه المركز السينمائي المغربي والإنتاج المشترك مع القناة الثانية، فإني أصرح أنني لم أتوصل بأي مساعدة من أي جمعية أو مؤسسة ما. أصحح بعض المعلومات المغلوطة التي تداولتها بعض المنابر بكوني تلقيت مساعدات وتسهيلات من قبل اللوبيهات الصهيونية لأؤكد أنني رفضت وبقوة كل الوعود المفندة والتي كانت تشترط تغيير بعض الوقائع والحقائق في الفيلم. بل ولدي وثائق و عقود مسجلة بالمركز السينمائي المغربي، تثبت المبالغ التي دفعناها مقابل التصوير في ديكورات كالمعابد و المنازل والمدارس.. وحتى في المقبرة اليهودية التي صورت بها آخر مشاهد الفيلم.
* عوض أن يفتح شريطك نقاشا حول الجانب الإنساني لهجرة اليهود ألا تتخوف من اتهامه بكونه فيلما دعائيا للتطبيع مع اسرائيل ؟
أولا، الشريط مغربي، وينبغي النظر إليه على هذا الأساس نظرا لأن المخرج مغربي والمنتج والموضوع كذلك.
عندما نتحدث عن اليهود في هذه الفترة يجب أن يأخذ حديثنا طابعا حضاريا بهدف التعرف والتقرب من الآخر بوعي تاريخي. لذا علينا أن نقف عند الأسباب والدوافع الكامنة وراء إنجاز هذا الشريط حتى يتم الحكم عليه موضوعيا. أما إذا انطلقنا من كونه يهوديا فلست متفقا أن تكون هذه هي الخلفية المتحكمة في مقاربة هذا الشريط، فهي خلفية ضيقة ولن تفيد في أي شئ. وأريد أن أشير إلى أنه لا وجود لأي تدخل لأي جهة كانت في الموضوع. وأرى أن النقاش الذي يمكن أن يسير فيه التعامل مع الفيلم أن يكون مرتبطا بتلك المناطق المعتمة التي نجهلها تاريخيا. فالشريط ينبغي أن ينظر إليه على أنه فرصة لتسليط الضوء على هذه الجوانب التي نجهلها. كنا نتعايش مع اليهود دون أن نعرف شيئا عنهم. وبكلمة وجيزة، فالشريط تحكمه خلفية واحدة، هي التعرف على الآخر قبل الحكم عليه.
* كيف كانت ظروف الإنتاج ؟
واجهتنا صعوبات كبيرة لها ارتباط محض بطبيعة الفيلم، لم تكن مرتبطة بالسكان ولا بالسلطات، عشت في حقيقة الأمر معادلة صعبة لازمتني منذ ولادة الفكرة وعانيت بسببها الشيء الكثير، تمثلت بالأساس في الكيفية التي ستمكنني من إنجاز الفيلم بتوافق مع الميزانية المرصودة. صورنا بثلث الميزانية التي افترضناها في البداية، والتي حددت في 18 مليون درهم، لكن ورغم كل المحاولات لم نستطع توفير هذا المبلغ. تم توفير 7 ملايين درهم من مصادر متعددة ( دعم مسبق على الإنتاج من المركز السينمائي، إنتاج مشترك مع القناة الثانية، حصة تمويل من الشركة المنتجة..)، والتكلفة النهائية لهذا الفيلم ستقارب 10 مليون درهم.
* هل هذا الموضوع موجة جديدة في السينما المغربية المعاصرة ؟
يمكن اعتباره كذلك ما دام هناك فيلم ثاني يتطرق إلى نفس الفترة. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يحصل فيها هذا، السينما المغربية عرفت موجات كثيرة سواء تعلق الأمر بالمرأة أو بالهجرة السرية أو سنوات الرصاص.
يمكن اعتبار السينما المغربية سينما الموضوع، لذلك نجد هذا التقاطع في المواضيع التي تصب كلها في الاهتمامات الحقوقية والاجتماعية، وأخيرا في مواضيع تاريخية ظلت وللأبد من الطابوهات المسكوت عنها.
* هل مارستم حيادا إيديلوجيا بالفيلم ؟
بالتأكيد، فالشريط صفحة من التاريخ عاشها آبائنا بكل الحيثيات، وحرصنا أن نقدم هذه الصفحة بكل صدق، كما ابتعدنا عن كل المفارقات التي يمكنها أن تحسب لطرف أو لآخر. لا أنكر أن جانب العادات والطقوس الممارسة من طرف اليهود أخذت حيزا أكثر من مساحة الفيلم، وكان هذا ضروريا لأننا كنا نبحث عن الأسباب والمسببات التي دفعتهم إلى هذه الهجرة، بالإضافة إلى معرفة الآخر الذي كان هو الجار والأخ من الرضاعة في بعض الأحيان، اكتشفت هذه الطقوس أثناء الكتابة والتهييء لتصوير الفيلم. وبكل صراحة كنت أجهل كل شيء من هذا القبيل، وأردت بعد ذلك أن أنقله بكل صدق وواقعية.
* هل يعيش الفنان ببلدنا حرية كاملة في التعبير في مجال السينما ليتحدث عن مواضيع طابو بشكل عميق وتاريخي ومفيد للمغاربة؟
أؤكد أن من محاسن السينما المغربية هي تلك الحرية التي يتمتع بها السينمائيون في التطرق إلى المواضيع المختلفة التي تناولتها الأفلام المغربية. نعم لا ننكر أن هناك رقابة ذاتية يمارسها كل مبدع على أعماله، ولا أتذكر هنا أي حدر أو رقابة مورست على أي عمل سينمائي مغربي ومنذ أمد بعيد.
* كيف هو مستوى الفيلم تقنيا ؟
أعتقد أننا تجاوزنا المشاكل التقنية التي كانت عائقا أمام الأفلام المغربية، ولعل كل الزملاء يشاطرونني هذا الرأي. أصبحنا نتوفر على مختبر يمكن أن يفي بكل المتطلبات التقنية، كما وفر القطاع الخاص مختلف الآليات ومعدات التصوير، واستطاع التقنيون أن يرقوا إلى المهنية المتطلبة بفضل الاحتكاك والممارسة بالإنتاجات الأجنبية التي تنفد في المغرب. من حيث الجانب الفني أصبح لدينا كذلك ممثلون أكفاء يمثلون كل الأجيال. كل هذه العوامل جعلت من الفيلم المغربي أن يرقى إلى مستوى الأفلام المستوردة. وبالعودة إلى الفيلم أعتقد أنه من الناحية التقنية، استوفى - وبحكم كل من شاهدوه- هذه المتطلبات، بل وحرصنا كما سبق الذكر على أن تكون كل التفاصيل مدققة حتى لا يكون هناك خلل في الحقبة التاريخية التي يتطرق إليها الفيلم.
* كيف هي ظروف التوزيع و الإستغلال لدى أفلامكم السابقة وفيلمكم الحالي؟
لا يمكن فصل هذا الفيلم عما تعرفه الساحة الوطنية، إذا كانت السينما المغربية قد عرفت تطورا ملحوظا من حيث عدد الأفلام المنتجة، وكذا الانتشار والإشعاع المتميز في مختلف المهرجانات العالمية، إلا أن التوزيع والاستغلال يعرف تراجعا خطيرا سواء في عدد القاعات السينمائية الذي تقلص إلى رقم مخجل، وكذا عزوف المشاهدين عن مشاهدة الأفلام إلا عن طريق الأقراص المقرصنة. وهكذا تكون الدورة غير مكتملة حيث لم يصاحب التوزيع والاستغلال التطور الذي عرفه ميدان الإنتاج. بالنسبة لشريط "وداعا أمهات" ونحن في اليوم الثاني لخروجه في القاعات السينمائية يمكن القول أن هناك إقبال متميز بالنسبة لعدد المشاهدين إلا أن الفرق شاسع بالمقارنة مع خروج أحد أفلامي السابقة "وبعد..." منذ بضعة سنوات.
* ماهي انتظاراتكم على مستوى النقد السينمائي؟ و كذا انتظاراتكم اتجاه ردود فعل بعض الحساسيات السياسية الإسلاموية؟
منذ عرض الشريط بمهرجان طنجة ومرورا بمهرجان مراكش والعروض ما قبل الأولى للفيلم، كل المقالات الصحافية والنقدية تجمع على أهمية هذا الفيلم، سواء من الناحية التاريخية أو على المستوى الفني الرفيع. كما صاحب هذا تتويج من طرف بعض النقاد العرب والأجانب، الذين أتيحت لهم فرصة المشاهدة خصوصا في مهرجان مراكش.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق