إعلام حر، نزيه، مستقل .... موقع صحيفة الجسور المغربية يرحب بزواره الكرام ويتمنى لهم إبحارا ممتعا، فمرحبا بكل التعليقات المفيدة والتوجيهات السديدة...

هذه الجسور .....

أردناها أن تكون صوتا حرا لإعلان الاتفاق أو الاختلاف، دونما رقابة ذاتية أو أحكام معلبة. أردناها أن تكون منبرا يسائل الوقائع من أجل الخطو إلى الأمام، والإسهام في كل هوامش التطور الممكن في مغرب اليوم ضدا على كل اليقينيات الجاهزة، والإرادات المحافظة.

وأردناها أن تكون جسورا للتواصل، والتحليل، والنقد، والإبداع... وابتغينا لها الإسهامَ في محاربة ثقافة الهامش، ومنطق التيئيس الذي أصبح يحتل مساحات واسعة في تمثلات وسلوكات الفرد والمجتمع.

هذه الجسور تعلن انتماءَها، دون تردد، لمسار التحديث، وهاجس البناء... وكم هي شاقة جسور التحديث والبناء في مغرب متحول تحاصره إكراهات التقدم ومستلزماته، وجيوب المقاومة، الظاهرة والمضمرة !

--------------------------------------------------------------------------------------------


الاثنين، أغسطس 11، 2008

متى يتحرر الانتقال الديمقراطي بالمغرب من المنطق المزمن للخصوصية.. ؟

محمد الحاضي*

الخصوصية من صلب تاريخية كل تجارب الانتقال الديمقراطي في العالم. و هي التي تضفي على هذه التجارب الشرعية و المشروعية المغذيان لما يمكن نعته بالسياسة المقارنة للانتقالات الديمقراطية. و تنبع هذه الخصوصية، بالضرورة قبل الحرية، من تعدد و اختلاف: أنظمة الحكم.. و السياقات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية لزمنية الانتقال.. على أن الغاية من كل انتقال ديمقراطي هي ما يجب أن يسمو على الخصوصيات و يتجاوزها. الغاية هذه هي هذا "القدر" الكوني المشترك و المتاح للبشرية جمعاء. و تعني استواء دولة الحق و القانون والحرية و المؤسسات، و فصل السلط والشرعية الديمقراطية.. الخ أو لنقل بالجملة دولة المواطنة الحقة. من هنا نفهم، أيضا، لماذا يتداول، بل و يفضل مفهوم الانتقال أو المرور إلى الديمقراطية عوض الانتقال الديمقراطي.
التناوب التوافقي الذي حدث في بلادنا في مارس 1998 هو برأينا، من بنات هذه الخصوصية. و لا يهمنا هنا الحديث مجددا عن سياقه و مفهومه و مضمونه، بقدر ما يهمنا صيرورته و مآله. قبل ذلك، يمكننا أن ندرج مفهوم "الإشراك " الذي استعمله أو بالأحرى فضله عبدالله العروي (أي توسيع دائرة المشاركة لتطال الطاقات التي ظلت في المعارضة – على الهامش- أكثر من 30 سنة) و شبيهه رأي عبدالله ساعف الذي تحدث عن تعاقب النخب و إدماج تلك التي ظلت مبعدة ، أو رأي عبدالكبير الخطيبي حيث الأمر عنده هو انتقال من نخب إلى أخرى. . قلت يمكن أن ندرج هذه المفاهيم و النعوت ضمن هذه الخصوصية المغربية التي أتاحت أيضا استعمال صيغ من مثل التناوب الممنوح، التناوب التعاقدي، الانتقال بالتناوب، التناوب داخل الانتقال و غيرها، كما أتاحت، الحديث بالنفي المطلق لحصول هذا الانتقال، أيضا.
كان الرهان قويا على الانتخابات التشريعية ل 2002 من أجل إنجاح الانتقال الديمقراطي في ترسيخ التناوب الطبيعي. أجواء الانتخابات تلك تحسنت إلى حد كبير، لكنها حملت إلى الحكومة نفس أحزاب حكومة التناوب التوافقي لعام 1998 بهاجس مواصلة أوراش الإصلاح و التغيير. لاشك في نبل هذا المبرر السياسي، عدا أن دورة واحدة من 5 سنوات تسعف وتبعث على هذه الاستمرارية. لكن من ناحية توزع أو توزيع نتائج الخريطة السياسية – الحزبية البرلمانية، هل كان بالإمكان، موضوعيا غيرها، أي هذه الاستمرارية؟، والانزياح عن "المنهجية الديمقراطية" كان يمكن أن يشحن صيرورة الانتقال بمخاض إيجابي، لكن عمر هذا العرف الديمقراطي (الوزير الأول من الحزب الذي تبوأ المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية ) ما زال صغيرا، عدا أنه غير دستوري. ثم هل يستمر الملك "المسؤول في الجوهر عن حسن سير المؤسسات و توازنها وفعاليتها" ( كما جاء في حوار السيدين عبدالعزيز مزيان بلفقيه و محمد معتصم مع جريدة الأحداث المغربية) أي ضامن استمرارية الدولة بالتاريخ و البيعة و الدستور، قلت هل يستمر في التفرج على ذلك الصراع الاتحادي-الاستقلالي على الوزارة الأولى؟. لو عاد التاريخ إلى الوراء لاختيار الملك الوزير الأول من حزب الاتحاد الاشتراكي.. أو لاستحال موقف هذا الحزب معارضة.. لكن "لو" هذه لا محل لها في التاريخ. لقد أراد جلالة الملك مشاركة هذا الحزب كما أبلغ الوزير الأول إدريس جطو الكاتب الأول للحزب بذلك ( كما قال الأخير في حوار مع يومية المساء بتاريخ 10 و 11 نونبر 2007 ص:8) (و بالمناسبة فقد قال الكاتب الأول أيضا أنه كان ضد المشاركة في الحكومة لما عين جطو وقتذاك.. في حين أفصح عضو المكتب السياسي عبدالرفيع الجواهري، قبله، بأنه الصوت الوحيد ضمن تشكيلة المكتب السياسي للحزب الذي دافع عن خيار المعارضة..)و هكذا استأنفت الأغلبية الحكومية سيرها، بل وأضحت وكأنها طبيعة مغربية خاصة في صيرورة أو ديمومة الانتقال الديمقراطي . يشهد على هذا، خاصة صوت الاتحاد الاشتراكي الإيجابي، دوما، بشأن تماسكها و حصيلتها قبل أن يستيقظ على صدمة 07 شتنبر 2007.. لا مجال هنا للتفصيل في مفارقات هذه الأغلبية إن على مستوى تنافرها الفكري – الإيديولوجي حكوميا.. أو على مستوى تباعدها و صراعها الدائم في المجالس الجماعية. هذه الطبائع أيضا من خصوصيات منطق الانتقال الديمقراطي ببلادنا. لكننا نرى الفرق كبيرا بين الحديث عن أسباب هذه الخصوصية.. و الحديث عن أسباب منطق اشتغالها هكذا..و في هذا الفرق يصعب علينا الفصل في / أو الحكم على حدود مسؤولية الدولة و حدود مسؤولية الأحزاب.
إن مدح الأغلبية قبل 07 شتنبر 2007 لم يكن يحتاج إلى نباهة كبيرة في إضماره الإمكانية الكبرى لفوزها في هذه الانتخابات و تمديد استمراريتها تاليا.. و لم يكن يغرد بالاكتساح /المفاجأة إلا صوت العدالة والتنمية، وهو بالمناسبة صوت يحاكي المشرق دون الانتباه والاكتراث بالخصوصية المغربية. و قد لاحظنا كيف تحولت هذه الخصوصية عند هذا التنظيم إلى "وطن فاسد" برمته لما لم تتحقق نبوءات المعهد الجمهوري الأمريكي المحمولة على رياح الشرق. هنا أيضا كنت أتمنى هذا الاكتساح بافتراض إمكانيته في تقوية مناعة الانتقال و التناوب معا. هذا مع استحضارنا، طبعا، للحدود النسبية عددا وسياسة لهذا "الاكتساح" لو حصل. إنما هي السياسة الغرة التي ترى في المرتبة الأولى، فقط، عنوانا أو مدخلا مستحدثا إلى الفتح الإسلامي للمغرب..إنما تلزم الإشارة إلى أن هذه الحدود تنطبق على كل الأحزاب. و الحدود هذه، هي أيضا، من العناصر المتحكمة في الخصوصية المغربية. و يصعب أن نعرف أين يبتدأ و ينتهي فيها مفعول التعدد السياسي.. و مفعول التحكم و التوجيه القانونيين..
قضي الأمر، و فازت الأغلبية الحكومية السابقة مجددا ب 186 مقعدا، و لم "يشوش " على استمراريتها كخصوصية مغربية، إلا تراجع الاتحاد الاشتراكي إلى المرتبة الخامسة، وبفوارق صغيرة عن المراتب الأربع الأولى. فهل نبهت هذه الفوارق هذا الحزب إلى مأزق هذه الخصوصية من خلال إشهاره سلاح أضعف الإيمان وهو " المساندة النقدية" ؟ و هنا لا يصمد أمام التحليل كثيرا لتبرير هذا السلاح ما قاله الكاتب الأول عن "أن المشاركة لا تكون تامة إلا إذا كان حزب واحد له الأغلبية". لاشك في أن استحضار مواقف هذا الحزب هو علامة و مؤشر يفرضان نفسهما على الباحث في صيرورة معادلات النظام السياسي المغربي قبل 1998 و بعدها، و هذا امتياز يحسب للحزب، و يبرر النقد المواكب لأحوال وضعه التنظيمي، و آليات اشتغاله، وبوصلات رأيه. و عليه لابد لنا من طرح السؤال التالي: هل كان بيان المساندة النقدية سيكون هو نفسه لو جاء الحزب في المقدمة.. أو لو تراجع ما إلى دون الثلاثين مقعدا؟ طبعا يضمر هذا السؤال جوابا هو أن الانتخابات و رتبها تبدو و كأنها الفيصل أو المرجع الوحيد في صوغ بلاغة الخطاب السياسي الحزبي.. و في التشخيص و الحكم على صيرورة و مآل الانتقال الذي صار يعني بعض النكوص و التراجع ، بحسب منطوق و مضمور ذلكم البيان . و الحال أن الانتخابات ماهي إلا لبنة فقط في /من معمار الحداثة و الديمقراطية.
هكذا أفهم أن الدائرة الانتخابية للرحامنة بالفوز الاستثنائي للائحتها، و بمشاركة ناخبيها الواسعة، وبانخراط بعض النخب الوطنية في حملتها، هي من الظواهر و النتائج " الموضوعية" لهذه الخصوصية المغربية. و لئن جهد و اجتهد السيد فؤاد عالي الهمة في حمل لبوس المواطنة العادية الخدومة، فإن المجال الثقافي المجتمعي المعاش لهذه الخصوصية لابد و أن يسبقه بالأحضان الواسعة الدافئة.. و أيضا الطامحة الطامعة..
السؤال/ الإشكال في هذه الخصوصية، هو عندما تركب تمثيل المحلي / الهامش ديمقراطيا، و هي على كل حال عملية شرعية و سهلة التحقق، لضخ و مد شرعية إكسيرها ( أي الخصوصية) في مجلس تشريعي بتمثيلية الوطن. أقول، فقط، السؤال / الإشكال، و لا أصادر على النيات والمستقبل. حتى و فريق "الأصالة و المعاصرة" صار أمرا برلمانيا واقعا. و لا يفوتني بمناسبة تسمية هذا الفريق ، التفكه بهذا التساؤل: هل سيأخذ محمد عابد الجابري نصيبه من الخصوصية المغربية على حساب عبدالله العروي حتى و نصيب الأخير (القطيعة لأجل الحداثة) يظل فقط صرخة في واد؟ لا أريد أن أتساءل هنا، كيف يفهم السيد عالي الهمة الاصالة و المعاصرة . و إنما بدا لي الأمر تركيبة سهلة حتى لا نقول مبسترة وتلفيقية في المقاربة المغربية "الرسمية" المترددة، أبدا، بإزاء طوقي التقليد والحداثة. فمع أن خيار التاريخ الحاضر / المستقبل واضح ومستعمل ومفروض. فإن الدولة ما تزال تداهن التقليد إما لجبروت سلطته الثقافية المجتمعية حيث مصدر شرعيتها بالذات (أي الدولة) هو هذا التاريخ / الماضي.. و إما، و بالنتيجة المعكوسة للمحدودية الاجتماعية لقوى التاريخ الحاضر /المستقبل( القوى الديمقراطية الحداثية أو قوى خطاب الشرعية الديمقراطية). والحال أن "إما" هذه نافلة، لتلازم و تعالق الواقعين. ومع ذلك تجدني أميل إلى الواقع الثاني. فالمحافظة المعتدلة اليمينية هي من فاز ب "الأغلبية" في انتخابات 2007، و مع ذلك تم "تعديلها" إلى الكتلة بحسبان الاتحاد الاشتراكي، ثم إضافة الوسط القريب منها، أي الأحرار. و في هذا التعديل نجد أيضا إحدى / أولى تجليات ودور سلطة فريق الأصالة والمعاصرة. و لما أقول هنا بالمقاربة "الرسمية" فإنني أجدني في نفس فهم الباحث حسن طارق الذي اعتبر مجرد ترشح السيد الهمة في الانتخابات هو محطة لما سماه هذا الباحث ب "السياسة الحزبية للملكية" ( في حوار مع جريدة الأحداث المغربية -05/11/2007، ص9) لا أدري هل مفاجأة ترشيح أو ترشح السيد الهمة قد استندت على استباق و حدس أن نسبة مشاركة المغاربة في الانتخابات ستكون هزيلة جدا ، و أن الرحامنة ستعطي الدرس لمجموع الوطن، أو بالأحرى لمجموع الأحزاب ، في ارتفاع نسبة المشاركة طبعا.. و في التحكم في هندسة الأغلبية البرلمانية للواقع الحكومي، بعد أن صار ثلاثي الرحامنة فريقا بالعشرات. هل كان السيد الهمة يتوقع و يخطط لهذا المآل المشفوع بضعف المشاركة و ضعف الأحزاب و ضعف تمثيليتها البرلمانية؟ نجاحه هو بالذات هو ما كان ، قبل 07 شتنبر، متوقعا بل ومضمونا جدا في افتراضات وتساؤلات التحليل. كما كان "مسلما" باستطلاعات الرأي توقع اكتساح العدالة و التنمية.. فهل يمكن أن نفترض علاقة نجاح / وجود الهمة بالبرلمان، بهذا الاكتساح المرتقب للعدالة و التنمية.. و هل ينهض افتراضنا على أن تحدي هذا الاكتساح كان في جدول انشغال و استعداد الدوائع الرسمية؟؟ تبرر هذه التساؤلات والافتراضات السؤال الكبير الذي ظل الجميع يطرحه: ماذا سيفعل الهمة بنجاحه الفردي أو حتى الثنائي في الانتخابات؟ أو بعبارة أخرى، هل سيقنع هذا النجاح بحضور باهت / غائب في سوق الفرق و المجموعات البرلمانية ؟ الجواب على هذه الأسئلة أمسى معلوما .. و وجد حب السيد الهمة غطاءه الوثير و مهمته الطارئة في خيبة اكتساح العدالة و التنمية، و في هزالة نسبة المشاركة، و في الهشاشة المتنطعة لتوازنات أحزاب الأغلبية، و التي كان لابد لها من الاستغناء الكوميدي عن لاعب الحركة الشعبية ل"صالح" هذا اللاعب الاحتياطي الجديد، أو بسببه .. ضمانا ل" قطبية" حكومية جنينية من وراء أو من أمام الستار. إنما لابد هنا من واجب التمييز والتفريق بين أن ينحو السيد الهمة إلى إضعاف الأحزاب.. و بين أن يشتغل بواقع ضعفها.. وبرأيي الشخصي أجد الأطروحة الثانية هي الأقرب إلى الواقع.. واقع أزمة الحزبية المغربية و ما ينطوي عليه من أخطار الفراغ، وواقع خدمة السيد الهمة للفلسفة الملكية الطامحة – كما يشهد و يشيد الجميع- إلى انتقال مسنود بتخليق و قوة وانفتاح المشهد الحزبي- السياسي. لذلك أجدني، أيضا، أشاطر حسن طارق رأيه في أن "الأحزاب السياسية الحالية هي التي قدمت ما يمكن أن نسميه الحاجة إلى فؤاد عالي الهمة. و كان لابد ل" نضارة" هذه القطبية المستحدثة، من دزينة من الوزراء اللامنتمين، و كان لابد أيضا، من أن يكون هؤلاء الوزراء مدرحين بنسائم اليسار و الفن والجنس و المجتمع المدني والرياضة والمعهدية العليا. هذه سمات بمقدورها النيل من تلك التقنوقراطية الحافية سابقا، و بمقدورها أيضا ضمان التهوية المسبقة لهذا الذي أدرك الاتحاد الاشتراكي، لاحقا، انه " اختناق" أو "احتباس" في مسار الانتقال الديمقراطي. فلكم هي عنيدة، بل و مبدعة، في بلاغتها، هذه الخصوصية المغربية..
و عودة إلى هزالة نسبة المشاركة، يهمني جدا أن أدلي ببعض الاختلاف في تفسيرها، وأجدني، في هذا الاختلاف مقتنعا إلى حد كبير بأن أسباب العزوف ثقافية أكثر ما هي سياسية. إن الثقافة السياسية للمغاربة (حتى لا نقول الشعب المغربي، لأن الشعب هو مفهوم سياسي مدني حداثي جدا) تظل تقليدية تنهل من سلطة و نفوذ المخزن والقبيلة والأعيان و المال و الدين. و التحاليل التي تستند في فهم و تفسير العزوف إلى الخط التراجعي لنسب المشاركة، تفصح أو تضمر أن تسيس المجتمع المغربي إلى انحدار. و إذ يجب النظر إلى النسب في الانتخابات السابقة بالعين الواجبة للشك و الارتياب في الأرقام الرسمية ، لابد من اعتبار و استحضار أن نسبية التسيس الضعيف، برأيي ، في مغرب الأمس ، تجد قوتها و هالتها الاعتبارية اليوم، من عدم فهم و إدراك أن التسيس بالأمس كان نوعا و ليس درجة . أي كان نوعا مقرونا بالعدو / الخصم السياسي / الدولتي / الطبقي الواضح. و مقرونا أيضا بالمحاكمات الصورية، و الاعتقالات العشوائية و الاضرابات القطاعية و العامة . و كان نوعا مقرونا بالحزبية المناضلة بالجريدة و بالنقابة و بالتجمع وبالثقافة. و أما الدرجة فما يزال من الخطأ الادعاء بارتفاع تسيسها. فلنقل إن النوع كان غالبا على النسبة، وأن السياسة كانت طاغية على التسيس، إذ الخوف من السياسة في زمن الرصاص هو الذي ولد الانطباع السابق و الحالي بحضورها القوي. يسمح لنا هذا التحليل بالقول أن المجتمع المغربي إلى اليوم ما يزال مجتمعا ضعيف و خام التسيس . و لم يفاجئنا أبدا هزال نسبة المشاركة هاته. لهذا من يستطيع أن يقنعنا بأن نسبة المشاركة المرتفعة في البادية هي علامة أو مؤشر على تسيس هذه البادية، أو تسيس الرحامنة بالذات؟ و ما يمكن أن يدعو للأسف، قبل المفاجأة و الاستغراب، هو الأصوات الإعلامية و السياسية التي تقطف من أجواء الحرية والانفتاح فقط ثمار العدمية والتيئيس و اللاتسيس، جهلا أو عنوة ، لست ادري. لكن ماهو مؤكد هو أن اكتشاف الحرية، عوض أن يدعو إلى التربية على المشاركة و الانخراط الواسعين في معارك السياسة و التسيس لأجل الإصلاح والتغيير، اتجه – في ما يشبه استيهام المكبوت – إلى اتهام ومحاكمة الانتقال المغربي على عدم تمكنه من المعالجة و الإصلاح التامين لإعطاب المغرب المزمنة في بضع سنوات. و قد حرم هذا الاتهام و المحاكمة الانتقال المغربي منذ بدايته بسند المشاركة المجتمعية الواسعة و المتفهمة لحدود و اكراهات هذا الانتقال، و لكن الثائقة في هواجسه الإصلاحية.
مما سبق، أجدني متفهما لأي قارئ يرى أن عقدة أو مفتاح الانتقال المغربي هو صيرورة واقع ثم مفهوم هذه الأغلبية – كنتيجة للتمثيلية الانتخابية المحدودة و المشتتة – بفاعلها الحزبي، و بصوتها الفكري ، و باصطفافها القيصري. هذه الأغلبية التي انطلقت بتوافق مقبول و مبرر بخصوصية مغربية نوعية ، إن لم نقل تاريخية، و بإصلاحات سوسيو اقتصادية لاباس بها، و بأجواء حرية صادقة.. لكن هذه الأغلبية بدت لاحقا وكأنها البداية و النهاية. صحيح أن التاريخ كتاب مفتوح مستمر و واسع المدى . لكن إلى متى ستبقى عقدة تاريخنا هي البطء و التردد.
أجدني مسلما في الختام بأن محدودية التنمية البشرية ترتسم كعطب جوهري في الانتقال المغربي. تتجلى هذه المحدودية في خيبة الانتظارات الاجتماعية من الانتقال، و في الاستمرارية المزمنة لما يسمى بجيوب المقاومة. لعل هذا ما يفسر هذا الاقتران المتواتر للديمقراطية والتنمية في البلاغة الأخيرة للخطاب الملكي. ولا يسعنا هنا إلا الاعتراف بآفة التنمية على هذه الدينامية المتعثرة لصيرورة الانتقال المغربي. إذ لا يمكن إسماع و إنجاح صوت هذا الانتقال في ظل استفحال هشاشة مجتمعية منخورة باعطاب الفقر و الإقصاء وعموم الخصاص الاجتماعي.
و عليه، فإننا نخلص إلى أنه مهما تم احترام و مراعاة خصوصية الانتقال الديمقراطي بالمغرب، فإن محك نجاح هذا الانتقال هو هذه الغاية الديمقراطية غير المستوية و غير المحققة و غير المنيعة بعد. لهذا ترانا إلى اليوم، غير متفقين في الحكم على مآل الانتقال. وغير متحكمين في طبيعة وزمنية مداه.. فمن قائل انه انتهى.. و من قائل بأنه حي يرزق.. و لعلنا نرى في تراجع الحديث عن / ببلاغة الانتقال نفسه – البلاغة هنا كخطاب و تواصل سياسيين – ما يطرح عدة استفهامات عن حاضر و مستقبل الانتقال الديمقراطي بالمغرب؟؟

-----------
* كاتب مغربي

ليست هناك تعليقات: