إعلام حر، نزيه، مستقل .... موقع صحيفة الجسور المغربية يرحب بزواره الكرام ويتمنى لهم إبحارا ممتعا، فمرحبا بكل التعليقات المفيدة والتوجيهات السديدة...

هذه الجسور .....

أردناها أن تكون صوتا حرا لإعلان الاتفاق أو الاختلاف، دونما رقابة ذاتية أو أحكام معلبة. أردناها أن تكون منبرا يسائل الوقائع من أجل الخطو إلى الأمام، والإسهام في كل هوامش التطور الممكن في مغرب اليوم ضدا على كل اليقينيات الجاهزة، والإرادات المحافظة.

وأردناها أن تكون جسورا للتواصل، والتحليل، والنقد، والإبداع... وابتغينا لها الإسهامَ في محاربة ثقافة الهامش، ومنطق التيئيس الذي أصبح يحتل مساحات واسعة في تمثلات وسلوكات الفرد والمجتمع.

هذه الجسور تعلن انتماءَها، دون تردد، لمسار التحديث، وهاجس البناء... وكم هي شاقة جسور التحديث والبناء في مغرب متحول تحاصره إكراهات التقدم ومستلزماته، وجيوب المقاومة، الظاهرة والمضمرة !

--------------------------------------------------------------------------------------------


الاثنين، أغسطس 11، 2008

في حوار مع صلاح الوديع

في حوار مع صلاح الوديع،
أحد مهندسي "حركة لكل الديمقراطيين"

س. عرف المغرب بعد 7 شتنبر (تاريخ إجراء الانتخابات التشريعية الأخيرة) العديد من التطورات و المستجدات التي وسمت المشهد السياسي ببلادنا. بصفتكم فاعلا سياسيا، ما هو تقييمكم للوضع السياسي بالمغرب بعد هذه المحطة؟
ج. في الواقع، يمكن القول انه على المستوى السياسي العام المتعلق بتكثيف خريطة الوطن ككل، بمعنى مساءلة مدى نجاح الفاعلين في لعب الأدوار المنوطة بهم. يمكن إبداء الملاحظة الأولى المتعلقة بما عكسته الخارطة من ابتعاد المواطن عن الشأن السياسي. طبعا، هناك قراءات متعددة لهذا الابتعاد. ولكن، أعتقد بأنه في النظرة الأولى يبدو أن الأداة الحزبية بشكل عام لم تعد لها إمكانية الإقناع. ولا ينبغي أن نغلط أنفسنا: فالوعي السياسي الحاد ليس رهينا بالانتماء لنخبة معينة. فالشعب أدرك بأن هناك شيئا ما يشتغل، أو هناك "شيء حاجة م خدماش". في هذا الإطار، يمكن أن نقول بأن هناك شرخا كبيرا بين التشكيلات السياسية ببرامجها، وهياكلها، وممارستها وبين المواطنين الذين من المفروض أن تكون هذه الأحزاب معبرة عن إرادتهم واختياراتهم. المفارقة أيضا وهي أن العشرية الأخيرة عرفت مجموعة من المشاريع الإصلاحية ذات الطبيعة المهيكلة. وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: مدونة الأسرة، إقرار التنوع الثقافي وإنشاء المعهد الخاص بذلك، قراءة صفحة الماضي، التقرير الخاص بالسياسات العمومية منذ 50 سنة، مقترح الحكم الذاتي... ثم المشاريع الكبرى المدشنة منذ سنوات والتي تكثفت في السنوات الأخيرة، (المفارقة) ما بين هذه المكتسبات التي ساهم فيها الجميع على كل حال، وما بين ابتعاد المواطن عن الشأن السياسي. أعتقد أن محطة 7 شتنبر لم تعكس واقعا حديث الولادة بقدر ما عرت واقعا قديما شيئا ما، وصل ذروته، وأبان عن عمقه من خلال نتائج 7 شتنبر.
س. سجلتم في إحدى مقالاتكم وجود وجهين متعارضين في الظاهر، متلازمين في العمق: من جهة حدوث انشقاقات داخل أحزاب قديمة، وإنشاء أحزاب جديدة دون برامج تبرر وجودها. ومن جهة أخرى، الإقدام على اندماجات وتحالفات دون تحقيق طفرة سياسية نوعية. في نظركم ما هي المعيقات التي تحول دون تحقيق الشعارات المعلنة. وهل نحن أمام حالة احتضار الفعل السياسي؟
ج. الذي هو في حالة احتضار، وهي المقاربات الفكرية والسياسية السابقة، والتقاليد التأطيرية والتعبوية السابقة، والعلاقات ما بين النخبة والمواطن في المجال السياسي. كل هذا يحتضر الآن. يحتضر، ولكن في نفس الوقت يعلن احتمال ميلاد أشكال جديدة من الوعي السياسي، من أشكال تأطيرية، وبلورة مشاريع... إلخ.
أعتقد أنه، حقيقة، تأخرت هذه الوفاة البطيئة لكي تعطي نتائجها في الواقع. فهل كان من اللازم أن ننتظر كل هذا الزمن لكي نقف على هذا الأمر؟. وأظن أنه في استمرار هذا الاحتضار، يمكن أن يكون هناك خطرا. فيبدو أنه لا الأشكال التوحيدية، ولا الأشكال الانشقاقية أمسكت بهذه الحقيقة التي نتداولها اليوم. وهي احتضار كل الأشكال التقليدية والعتيقة في العمل السياسي. بل إنها اندمجت وانخرطت فيها. ولم تكن لها أية قيمة مضافة، ولم تحدث أية قفزة نوعية في المجال السياسي. ولعل ما يزيد من وجاهة المقاربات الأخرى التي ظهرت مؤخرا، ومن ضمنها "حركة لكل الديمقراطيين"، وهي أنها تروم تجاوز ‘’les clivages’’ أي الاصطفافات السياسية التقليدية. وبغض النظر عن الانتماءات الحزبية المحددة، أو الانتماءات الإيديولوجية، كيفما كانت، فإنها تحاول أن تلم المواطنين المغاربة والنخب ليس فقط المركزية منها، بل كذلك الأطر المنتمية للجهات، والتي طالما تم تهميشها في إطار العمل السياسي بشكله القديم، من خلال نظرة تعتمد المجهود الكبير الذي بذل في السنوات الأخيرة، في إطار تكريس الاختيارات الديمقراطية بشكل نهائي، والمرور إلى مرحلة أخرى من الإصلاحات. وربما، فالصدى أكان من زاوية منتقديه، أو من زاوية من استقبلوه بالترحاب يشير إلى الوعي بهذا الاحتضار البطيء، والوعي بضرورة انبثاق شيء ما، عمل سياسي ما، يستطيع أن يدمج بداخله، وفي صيرورته، وديناميته، كل مكاسب المراحل السابقة، وأن يدشن مرحلة جديدة من البناء الديمقراطي.
س. بعض القراءات تعتبر بأن التجارب الحكومية التي جاءت مع مرحلة الانتقال الديمقراطي (حكومة ذ. عبد الرحمن اليوسفي، حكومة السيد ادريس جطو، وحكومة ذ. عباس الفاسي) لم تسمح بإطلاق الدينامية المرجوة في العمل السياسي، وساهمت في تعطيل هذه السيرورة. ما هو تقديركم لهذا الأمر؟
ج. إذا كان البحث في هذا المجال يتعلق بدور الفاعلين السياسيين، ومن ضمنهم الأحزاب السياسية فيما آلت إليه النتائج في مختلف هذه المحطات، يمكن أن أوافقك. لماذا؟ لأنه لا ينبغي أن ننسى دور ومسؤولية الطبقة السياسية، خصوصا من ينتمي منها إلى الديمقراطية ليس بمفهومها اليساري فقط، بل أيضا بمفهومها الليبرالي وغيره. هؤلاء الفاعلون لم يبدلوا كل المجهود المطلوب، والذي يطلبه المواطن من أجل توحيد الديمقراطيين. ومن أجل أن يزنوا وزنا حقيقيا في الاختيارات الديمقراطية الكبرى. وظلوا متشبثين باستقلالية دخولهم في المجال الانتخابي بشكل منفرد، مما سهل مسألة العزوف، وسهل تشتت الأصوات، وبالتالي بروز اتجاهين خطيرين على الديمقراطية: اتجاه المال. واتجاه استعمال الدين في السياسة. إذن، أعتقد بأن الحكومات ما هي إلا تكريس وتجسيد للنتائج السياسية للانتخابات كما جرت أمامنا. وبالتالي فمسؤولية الطبقة السياسية واضحة في هذا المجال.
س. سبق لكم أن صرحتم بأن "الإصلاح الدستوري مسجل في منطق التطور الذي تعرفه البلاد. وهو مطلب يستمد شرعيته التاريخية قبل الحزبية. والأمر يتعلق بالأجندة فقط". ما هو تصوركم لطبيعة هذه الإصلاحات ولمداخلها الكبرى في مغرب اليوم؟
ج. أفترض بأن البنية المركزية للشأن السياسي تضمحل هي الأخرى. وربما يكون هذا من ميراث وجود الحماية في البلاد، والتي أسست نظاما مركزيا إسوة بالنظام المركزي للميتروبول. أعتقد بأنه لا يمكن أن نتحدث اليوم عن إصلاح دستوري، أي عن إعادة توزيع السلط إذا لم ندخل فيها بشكل أساسي حجم، ووزن، ودور الجهات. يجب أن نخرج نهائيا من التصور الذي يحصر أمر الإصلاح الدستوري في المواجهة بين النخب السياسية المركزية والملكية. هذا المنطق انتهى. وأعتقد بأن كل إصلاح دستوري مأمول ومرجو لا بد أن يمر عبر نقاش وطني تساهم فيه مختلف الفعاليات. وبالخصوص الفعاليات التي همشت في الجهات والأقاليم، وأن ينظر إلى هذا الإصلاح من زاوية ما جاءت به هيأة الإنصاف والمصالحة في مسألة الحكامة، واستقلال القضاء، والحكامة الأمنية، وأولوية القوانين الكونية على القوانين الداخلية في مجال حقوق الإنسان، وفي إدماج الحريات الفردية والحياة الخاصة في النص الدستوري. إضافة إلى صلاحيات الوزير الأول... في تصور يدمج الجهات في توزيع السلط توزيعا منصفا، وغير مجحف كما كان في السابق، في البنية كلها، وحتى في اقتراحات الهيئات السياسية نفسها.
س. بعض القراءات تنتقد الوظائف السلبية التي تلعبها بعض المنابر الإعلامية ببلادنا. ما هو تصوركم للأدوار المنوطة بالإعلام المغربي، بمختلف قنواته، وتعبيراته، وحساسياته إزاء الانتظارات الكبرى للبلاد؟
ج. من المسائل التي لا زلنا، ربما، نجانب فيها حقيقة المطلوب، وهو ما يتعلق فعلا بالمجال الإعلامي. فصحافتنا تستسهل الشعبوية، وتطلق النقد على عواهنه، وتلعب على المشاعر السهلة للقارئ العادي. هذا المسار الذي تنافست فيه بعض الصحف في مشهدنا الإعلامي خطير، وخطير جدا. وهو من الأخطار المحدقة بمشروعنا الحداثي الديمقراطي.
إن الخطر المحدق بالديمقراطية الفتية يأتي من قوتين أساسيتين كما قلت: التطرف الديني، والمال الفاسد. وأعتقد أن وضع هذه الديمقراطية الفتية التي أعددت محطاتها الأساسية في العشرية الأخيرة هو في حاجة إلى صحافة تدعمها، وتكون راية هذا البناء الديمقراطي. والحال، أنه لحد الساعة، في المجال الإعلامي، إما نجد صحافة تطالب أكثر فأكثر –وهذا طبيعي- ولكن لا تدافع عن منجزات هذا المسار. أو صحافة تستسهل الشعبوية وتسقط في خط اعتبره خطرا على الديمقراطية.
س. انخرطتم مؤخرا في مشروع أطلقتم عليه "حركة لكل الديمقراطيين". والتي أصدرت بيانها التأسيسي يوم 17 يناير 2008. وقد أثار هذا المشروع ردود فعل متباينة. هل كان الأمر يستدعي كل ردود الفعل هاته؟
ج. على العموم، هناك نوعان من ردود الأفعال. رد الفعل المناوئ والمتحفظ، ورد الفعل المهاجم. وأكاد أقول الوائد (من الوأد). ولكن هناك رد الفعل المرحب. وهو واسع جدا. أعتقد، كيفما كان الأمر، فإن هذه المبادرة لم تمر بشكل هامشي. وهذا ما يحسب لها. ولو كانت غير ذات شأن لما كان لها، في المقابل، لا موقف الدعم، ولا موقف المناوأة.
كل من كان مناوئا، في أغلبه الأعم، كان نابعا من تجارب سياسية تعيش أزمات. لقد كان ربما وازع النزاهة الفكرية يفترض من الجهات المأزومة أن تقر –على الأقل- بأنها في وضع لا يسمح لها أن تجيب عن أسئلة المرحلة، وأن تسمح للآخرين بأن يدلوا بدلوهم، خاصة وأن حرية التعبير، وحرية تأسيس الجمعيات، وحرية العمل السياسي مكفولة، وناضلت من أجلها الأجيال. فكيف يمكن إذن أن نكون أوصياء على من يدخل الحلبة السياسية وعلى من لا يدخلها. خاصة، أن التصور تم توضيحه بشكل عام، وسوف يوضح عما قريب. وينبني على عملين مؤسسين: هما عمل هيأة الإنصاف والمصالحة وعمل الخمسينية. وينطلق مما تم كسبه، ومراكمته، وترسيخه في العشرية الأخيرة، من أجل المضي قدما في جيل جديد من الإصلاحات.
أعتقد بأن الموقف المناوئ هو تأكيد للأزمة أكثر منه –للأسف- خروج منها. وهناك موقف آخر، نابع من مجالات واسعة في الرأي العام، متفاوتة الانتماء والتجربة، من الناحية المهنية، والمناطق، والأعمار... كلها تتوسم إيجابية في هذه المبادرة الواسعة، والتي تتسع لكل الديمقراطيين، ولا تلغي أحدا منهم.. كان جزء كبير من الرأي العام إن لم أقل الجزء الغالب منه في حاجة إليها، وينتظرها. وأعتقد أن الشعور، والتحليل الذي انطلقت منه مبادرة "حركة لكل الديمقراطيين" له بعض الوجاهة. فهو في نفس الوقت، استقبل بالترحاب من جانب أجزاء كبيرة من الرأي العام، كانت في حاجة إلى مثل هذه المبادرة. وفي نفس الوقت، من جهة –كما قلت- بنوع من الرفض والمناوأة من جهات هي في العمق –وبالرغم مما تقوله- تحبذ إبقاء الوضع على ما هو عليه، بما فيه أزمتها هي.
س. يعلن بيان 17 يناير المرتكزات الأساسية لتصور الحركة. ويجملها في "الثوابت الوطنية مرجعا، الديمقراطية منهجا، الهوية الوطنية عقيدة، الحداثة أفقا، خطاب الواقعية مسلكا، سياسة القرب أسلوبا..." هل تشكل هذه المرتكزات مشروعا لأرضية سياسية؟
ج. في الواقع، ما نحن بصدده، إن كنت تقصد ربما هل هو مقدمة لبناء حزب سياسي.. بكل صراحة، أنا لست من أصحاب نظرية المؤامرة. أنا من أصحاب نظرية نضج التطور التاريخي باكتمال عناصره. فلا يمكن الجزم بهذه الإطلاقية. إن حركة كل الديمقراطيين يمكن أن تسفر عن نتائج لم تكن في الحسبان عند انطلاقتها. يمكن أن تسفر عن يقظة النسيج الحزبي الحالي وتجاوز عثراته، وأزماته وتشتته. وفي هذا ربح للمغرب، وللبناء الديمقراطي.
ليس الأمر متعلقا بنوع من الاستعاضة عن الفاعلين السياسيين الحاليين في المشهد الحزبي بفاعل جديد، من نفس الصنف. أعتقد بأن "حركة لكل الديمقراطيين" هي حركة ذات نفس استراتيجي. لا ترتبط بالشأن الحزبي أو الانتخابي فقط بل تتعداه إلى الميدان الحقوقي والتنموي... الحركة ليست حزبا، بل –كدت أقول- شيئا أسمى منه.

أجرى الحوار: عبد المطلب أعميار

ليست هناك تعليقات: