إعلام حر، نزيه، مستقل .... موقع صحيفة الجسور المغربية يرحب بزواره الكرام ويتمنى لهم إبحارا ممتعا، فمرحبا بكل التعليقات المفيدة والتوجيهات السديدة...

هذه الجسور .....

أردناها أن تكون صوتا حرا لإعلان الاتفاق أو الاختلاف، دونما رقابة ذاتية أو أحكام معلبة. أردناها أن تكون منبرا يسائل الوقائع من أجل الخطو إلى الأمام، والإسهام في كل هوامش التطور الممكن في مغرب اليوم ضدا على كل اليقينيات الجاهزة، والإرادات المحافظة.

وأردناها أن تكون جسورا للتواصل، والتحليل، والنقد، والإبداع... وابتغينا لها الإسهامَ في محاربة ثقافة الهامش، ومنطق التيئيس الذي أصبح يحتل مساحات واسعة في تمثلات وسلوكات الفرد والمجتمع.

هذه الجسور تعلن انتماءَها، دون تردد، لمسار التحديث، وهاجس البناء... وكم هي شاقة جسور التحديث والبناء في مغرب متحول تحاصره إكراهات التقدم ومستلزماته، وجيوب المقاومة، الظاهرة والمضمرة !

--------------------------------------------------------------------------------------------


الثلاثاء، أغسطس 12، 2008

في حوار خاص مع عبد المجيد بلغزال

عبد المجيد بلغزال، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية:
حاوره محمد الزيتوني (العيون)

· الانشغالات الوحيدة للمجلس هي انشغالات مرتبطة بالرئيس، ولا شيء غيره.
· في السابق، كان الحوار مع البوليساريو يعتبر شكلا من أشكال الخيانة الوطنية.
· البوليساريو نتاج لسياق تاريخي… ومبادرة الحكم الذاتي جريئة وشجاعة
· الذي ينتصر للحملات الممنهجة ضد الجزائر أو ضد المغرب يخدم في النهاية أنظمة الفساد.
· استقطاب الأعيان رهان فاشل…
· هناك إرادة لدى ملك البلاد، ولدى المسؤولين الكبار لفهم ما يجري في الصحراء بشكل دقيق.

س: الأستاذ بلغزال، ما هي الانشغالات الحالية للمجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية؟ وما هو تقييمكم لأداء هذه المؤسسة، ولطبيعة اشتغالها؟
ج: إذا سمحت لي، أنا لا يمكنني أن أتكلم عن انشغالات هذا المجلس. أعتقد أن الظهير المنظم للمجلس كان مجحفا في تحديد صلاحياته، بحيث أوكل بعض الصلاحيات إلى الرئيس، ولا أحد غيره. كما أن المجهود الذي قام به الإخوة من داخل المجلس الملكي لتوسيع دائرة المشاركة من خلال النظام الداخلي جُوبه برفض مطلق من طرف الرئيس. وقد كان مجهود الإخوة مؤسسا على روح خطاب جلالة الملك ليوم 26 مارس 2006، من أجل خلق مسافات حقيقية للمشاركة الجماعية لجميع الأعضاء، لتحويل المؤسسة فعلا إلى مؤسسة مندمجة، ذات فاعلية، وقادرة على تشغيل جميع الأعضاء، وبالتالي قادرة على استيعاب كل طاقات وفعاليات الصحراء، وقادرة على فتح حوار وطني حقيقي مع كل الفاعلين بالمغرب. على اعتبار أننا كنا نعتقد بأن الهدف الأساس من إنشاء المجلس الملكي لم يكن هدفا شكليا، بل كان يهدف إلى تشكيل مؤسسة يلتف حولها كل الصحراويين، بجميع مكوناتهم، وفئاتهم، ومشاربهم، فلا بد في المقام الأول، أن تتفاعل معهم، ومع قضاياهم، سواء تعلق الأمر بالمسائل الاجتماعية، أو الحقوقية، أو السياسية. ومع كل تطلعاتهم المشروعة حتى تتحول تدريجيا إلى مركز استقطاب يتجمع حوله الجميع، وينازع البوليساريو في تمثيلية الصحراويين. هذا هو المقام الأساس في نظري. ويبدو لي أن الفهم الضيق، والتسطيحي لدى البعض، مع كل الأسف، فوت هذه الفرصة. فظهر انعكاس سلبي لهذا الفهم خاصة أثناء المداولات الجيدة والمهمة لأعضاء الكوركاس حول وثيقة الحكم الذاتي، والتي كان بها اجتهاد كبير، ومسؤول من طرف عدد كبير من الأعضاء. ولكن عدم طرح الوثيقة التي أنجزها الكوركاس لحوار وطني حقيقي مع الفاعلين الصحراويين، بكل مشاربهم وفئاتهم، جعل عددا كبيرا من الصحراويين يتشككون في مدى جدية، ومصداقية هذه الوثيقة. وأنا أشعر بنوع من المفارقة الخطيرة. كيف أن عددا كبيرا من العواصم، والجهات الداعمة تفاعلت مع الوثيقة، ووصفتها بالجدية وذات المصداقية، في الوقت الذي كان فيه الصحراويون يشعرون بنوع من الفراغ، أو بنوع من المسافة الواسعة بينهم وبينها، في غياب حوار حقيقي. من هذه الزاوية لا يمكنني أن أتحدث عن انشغالات الكوركاس. فالانشغالات الوحيدة هي انشغالات مرتبطة بالرئيس. ولا شيء غير الرئيس.
س: بصفتكم ناشطا سياسيا وإعلاميا، ما هو تقييمكم للجولات الأربع التي قطعتها المفاوضات بين المغرب والبوليساريو بمنهاست؟
ج: لا بد هنا أن أفتح قوسا بالنسبة للمفاوضات مع البوليساريو على اعتبار أن هذا المطلب كان دائما مطلب حركة اليسار بشكل عام، قبل أن تنضج هذه الفكرة: فكرة الحوار مع البوليساريو، لأنه لا مناص لنا من الحوار. لأنه هو المدخل الأساسي لصياغة شيء مشترك. حل سياسي بأفق مغاربي. حوار مع البوليساريو، أو على الأصح مع الصحراويين، لأن البوليساريو في النهاية هو جزء من الصحراويين، جبهة تمثل جناحا اختار حمل السلاح في سياقات تاريخية معروفة، في ظل صراع الشرق والغرب، وفي ظل أخطاء وانزلاقات متراكمة للدولة المغربية. بمعنى آخر، أقول كحركة يسارية، وكحركة ديمقراطية، كنا دائما مع مطلب الحوار مع الصحراويين من أجل الوصول إلى حل.
واليوم، أهم شيء موجود. هو أننا دخلنا في الحوار لأنه قبل سنوات فقط كان هناك من يعتبره شكلا من أشكال الخيانة الوطنية. ولقد اتهمنا في زمن قريب بالعمالة للبوليساريو، فقط لأننا كنا ننادي بالحوار. إذن، الانتقال في حد ذاته إلى منهجية الحوار هو نجاح. بدون التساؤل عن وجود تقدم من عدمه. لأنه في نظري ليس هناك تقدم في الجولات الأربع للحوار. ولكن الحوار في حد ذاته مكسب. ومجرد الاتفاق في الجولات عن مواصلة الحوار هو مكسب. وأعتقد أنه خلال الحوار، وهذا معطى لا يعرفه الكثير من الرأي العام، وهو أن الطرفين، من خلال خبراء الأمم المتحدة، يستمعون إلى وثائق مهمة، (بالخصوص في الجولة الثالثة والرابعة) تتمحور حول مؤسسات الحكم الذاتي، وعلاقة الحكم الذاتي بالحكم المركزي، والقضاء، والأمن المحلي… واعتقد أن هذه الأوراق التي قدمها خبراء الأمم المتحدة، تأسيسا على علم السياسة، وعلى القانون الدولي، وعلى المعايير الدولية للحكم الذاتي، تبعث رسائل الثقة والطمأنة للبوليساريو على اعتبار أن البوليساريو لا تشكك في الصلاحيات التي تمنحها الوثيقة المغربية، بقدر ما تشكك في الإطار ككل. إذن، فانحياز خبراء الأمم المتحدة، أو على الأصح، لجوؤهم إلى تقديم وثائق من هذا الشكل، هو انتصار لوثيقة الحكم الذاتي المغربية، على اعتبار أن هذه الوثيقة، أسست فعلا على المعايير الدولية. وأعتقد أن المناخ الدولي، مع ما يعرفه من متغيرات تجعل المسلك (منهج الحوار) ضروريا. وحتى لا يصبح هذا الحوار من أجل الحوار فقط، واستهلاكا للوقت، ومن الفروض أن نعرف أن قضية من هذا التعقيد قد تتطلب أكثر من جولة، فهذا يتطلب الجرأة للضغط على المترددين لدى الطرفين، لأن التردد أو إرادة الحفاظ على الوضع كما هو عليه، موجودة في الجزائر، وموجودة لدى مجموعة من قيادة البوليساريو، وهي موجودة أيضا لدى بعض المنتهجين بالمغرب. لذلك أقول، لكي يتقدم الحوار ويستمر، فإنه يحتاج إلى دينامية وإلى مداخل ضاغطة، يتحمل فيها السياسي مسؤوليته، والمدني مسؤوليته. وأنا أخاف كل الخوف -وأستغل هذه المناسبة لأقول هذا الكلام – من أن التحولات التي يعرفها العالم، خاصة تحت يافطة الإرهاب والديمقراطية- قد تجعلنا في يوم من الأيام، حتى وإن اتفقنا (المغرب، والجزائر، والصحراويين) على حل بأفق مغاربي سيكون قد فات الأوان، أمام جشع وسطوة المصالح الغربية في المنطقة، وأعتقد أنه لا ينبغي تقويت الفرصة. ومن المفروض على كل القوى السياسية والمدنية التي قدمت مقترحات بشأن الحكم الذاتي ألا تتوقف عند تقديم مقترحات، وأن تبحث من مواقع مسؤولياتها عن حلول، وأن تنتقل إلى الفعل لبناء الثقة مع الصحراويين.
س. يقترح المغرب رسميا مشروع الحكم الذاتي لتسوية نزاع الصحراء، ويقوم أساسا على إقرار جهوية موسعة لتدبير شؤون الصحراويين. ما هو تقييمكم للخطوط العريضة لهذا المشروع؟. وما هي حظوظ نجاحه على أرض الواقع؟ وهل يمكن أن يشكل جوهر المفاوضات القادمة مع البوليساريو؟
ج- فيما يخص وثيقة الحكم الذاتي، أعتقد شخصيا –وليس لأنني أنتصر لخيار الوحدة، ولكن بمسافة مع هذا الخيار الذي أومن به- أن وثيقة الحكم الذاتي، إذا وضعت في سياقها التاريخي، وبالنظر لسياق المناخ العام الذي يعرف القطب الواحد، ومحاولات فصل الشمال العربي عن الشرق الأوسط، واستحضار مصالح تحويل الطاقة، والرهان على السطو على الشرق الأوسط، والمدخرات المتوفرة في شمال إفريقيا (دارفور – تشاد – النيجر – مالي – موريطانيا - الصحراء…)، أمام هذا الوضع، أعتقد أن الإنسان الجريء هو الذي له القدرة على مراجعة أفكاره، أنا لا أقول بأن البوليساريو كانوا على خطأ. البوليساريو نتاج لسياق تاريخي. أنا لا أخونهم، ولا أقول إنهم خاطئون. ولكن أقول إن القوي في الحرب، وفي السلاح، هو الذي يستطيع أن يكون قويا في السلم، والذي لا يستطيع أن يلتقط التحولات الجارفة من حوله، أعتقد بأنه سيبقى خارج السياق. وسيجد نفسه في يوم من الأيام يأكل فتات ما تبقى من مصالح الغرب التي تهدف خلق نوع من الكماشة على المنطقة.
هذا السياق التاريخي، يجعل خيار الانتقال إلى حل سياسي لا غالب فيه ولا مغلوب شيئا موضوعيا. من هذا المنطلق أعتقد أن مبادرة الحكم الذاتي مبادرة جريئة وشجاعة وتستند إلى معايير دولية حقيقية. يجب الاعتراف بهذا. فالوثيقة التي صاغها المغرب بتشاور مع الهيئات السياسية، ومع المؤسسات الدستورية للبلاد، ومع المجلس الملكي للشؤون الصحراوية، عبرت بصدق عن موقف الإجماع المغربي. وتتأسس على مقتضيات المعايير الدولية انطلاقا من النقط الثلاثة الآتية: أولا، أن تؤسس لهيئة تشريعية. ثانيا، أن تؤسس لهيئة تنفيذية مستقلة. ثالثا، أن تؤسس لهيئة قضائية للحكم المحلي. وبالعودة لوثيقة الحكم الذاتي سنجد كل هذه المعايير الدولية محترمة. وتسمح للصحراويين بتشكيل حكومة، وبرلمان، وقضاء محلي، وأمن محلي، وبتدبير واسع لكل الثروات، وبخلق مؤسسات الفصل في توزيع الثروة المحلية… وهذه المعايير الدولية تتوج في النهاية باستفتاء عام. هذا الاستفتاء هو الذي يعطيها الشرعية الأساسية. وهذا الاستفتاء هو في النهاية شكل من أشكال تقرير المصير.
إن السياق التاريخي يعطي شرعيةً للوثيقة، والمعايير الدولية تعطيها مزيدا من الشرعية. كما أنها تتناغم مع المؤسسات الشرعية للبلاد، وخاصة مع إمارة المؤمنين. إن وثيقة الحكم الذاتي، وإن استندت إلى علم السياسة، وإلى القانون الدولي، وإلى تجارب الحكم الذاتي كما هي مطبقة في العديد من الدول (إسبانيا – إيطاليا – الكبيك - بلجيكا..)، فلها أيضا بعد تاريخي تستند عليه، على اعتبار أنه، على مدى قرون، وبالمعنى السوسيولوجي، كل ما كان يرتبط بتدبير الشأن المحلي للصحراويين، كان شأنا صحراويا تبث فيه القبائل عبر شيوخها، وعبر أعيانها ومؤسساتها. وهذا التراث الخالص فيه انتصار للكثير من قيم الديمقراطية والتضامن الاجتماعي. هذه المسافة الكبيرة من الاستقلالية في التحكم الخالص في الشأن الصحراوي من طرف مؤسسات القبيلة، كان يقابله ارتباط وثيق بإمارة المؤمنين. وهذا الارتباط يمر عبر مدخل عقدي، على اعتبار أنه من مات وليس في عنقه بيعة شرعية، مات موتة جاهلية. لهذا، فالصحراويون كانوا دائما يعتبرون السلطان سلطانا للمسلمين، وهم الأقرب إليه، لأنه ابن عمومتهم.
س: تعتبر الجزائر طرفا مباشرا في نزاع الصحراء. هل تعتقد أنه من الضروري أن يمر الحوار عر الجزائر لتأمين شروط نجاح كل مفاوضات مقبلة مع البوليساريو؟
ج: إذا سمحت لي. أنا لدي تحفظ كبير في موضوع الجزائر. وأحيانا نوع من القلق، ولدي تحفظ على الطريقة التي يفكر بها بعض الإخوة الجزائريين إزاء المغرب، وأيضا على الطريقة التي يفكر بها بعض الإخوة المغاربة إزاء الجزائر، خاصة عندما تحضر الجزائر في مجال السب والشتم، وفي الأخبار السيئة. أو عندما يحضر المغرب لدى الجزائر في مجال الأخبار السيئة. أنا أقول إن الجغرافيا لن تفرق بيننا. ستظل الجزائر إلى جانب المغرب، وسيظل المغرب إلى جانب الجزائر، أقول أيضا إنه من حسنات النظام السابق، والناس الدين تعاقبوا على تدبير السلطة في المغرب، وفي الجزائر أنه لم تكن بينهم حروب قاتلة، أو حروب المائة سنة. كانت هناك مناوشات حول الرميلات، ولكنها توقفت بسرعة. لم تكن هناك حروب كما كانت مثلا بين فرنسا وألمانيا وانجلترا… وها هم اليوم أصبحوا مركزا للوحدة الأوربية، وتجاوزوا كل الإشكالات. أعتقد أن ما يوحد بين المغرب والجزائر، تاريخا وثقافة وعادات، أكبر مما يفرقهم. فعوض أن ينتصر المغاربة لثقافة السب والشتم، والحملات الإعلامية الممنهجة في اتجاه الجزائر، أو في اتجاه المغرب من لدن الجزائر، عليهم أن ينتصروا لما هو جميل في البلدين. وهذه ليست مسؤولية الحكام فقط، بل مسؤولية السياسي، والمدني، والثقافي، ومنظمات حقوق الإنسان، وكل الهيئات ينبغي أن تنتصر لهذا الخيار.
فالذي ينتصر للحملات الممنهجة ضد الجزائر أو ضد المغرب، هو في النهاية يخدم استمرار الفساد فينا، ويخدم أنظمة الفساد، ويؤخر عجلة الديمقراطية، والنمو سواء في الجزائر، أو في المغرب. هؤلاء يبحثون دائما على صب الزيت على النار.
الجزائر طرف أساسي في النزاع، لكنها ليست طرفا بديلا عن الصحراويين. الجزائر تريد أن تختبئ وراء مناصرتها لمبدأ تقرير المصير. ولكن هذه الإشكالات يمكن أن تحل بنقاش شفاف، ومسؤول بين النظامين. وعلى السياسي، والمدني، والصحافة، وكل القوى الحية في البلدين الضغط على الطرفين من أجل تجاوز هذه الإشكالات. ومن ضمنها إشكالية الحدود، والدولة القطرية. نحن نريد أن نقدم للجزائر، وللمغرب فضاء مغاربيا يمتد من نهر السينغال جنوبا إلى ليبيا.
س. في السابق، اعتمدت الدولة المغربية في إطار تدبيرها لملف الصحراء سياسة استقطاب الأعيان الصحراويين. هل نجحت هذه الآلية في إدماج كل الصحراويين في المنظومة الثقافية، والسياسة، والاقتصادية للدولة المغربية؟
ج. الدولة جربت خلال 30 سنة عملية الرهان على الأعيان المعزولين شعبيا. شيوخ ولكنهم ليسوا شيوخا للقبيلة بالمعنى السوسيولوجي. إنهم شيوخ، وأعيان المخزن داخل القبيلة، وليسوا أعيان الصحراء بالمعنى الداخلي لمؤسسة القبيلة. هذا الرهان باء الفشل، ولم يعط أية نتيجة. ولعل أحداث 1999 كانت أحداثا كاشفة وفاصلة. وأوضحت أن عددا كبيرا من رهانات الدولة المغربية، ووزارة الداخلية، كانت رهانات فاشلة، وهشة، وغير قادرة على التأثير في الأوساط الاجتماعية، لم يكن همهم سوى الكسب، والامتيازات التي لا تنتهي. لننظر إلى العيون اليوم!، فإنها مدينة تأممت كليا من طرف بعض الأعيان الذين لهم حضوة لدى السلطة.
إن الخيار الحقيقي للمسألة هو الخيار الديمقراطي الحداثي الذي يؤسس لمؤسسات مفتوحة، وللعبة مفتوحة تسمح بالتداول على السلطة، وبالتداول بين النخب، لكني أعتقد أن الخيار الذي انطلق مع منتصف التسعينات في سياق الدينامية التي عرفها المغرب، بعد الإفراج عن المعتقلين، وانطلاق الحوار حول التناوب، وتشكيل حكومة اليوسفي، هذه الدينامية استمرت، وفي سياقها تم تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة، وتم تأسيس العديد من النقابات، وظهرت بعض الوجوه الشابة الصحراوية التي بدأت تشتغل في المجال المدني بشكل نظيف، لكن هذا الحراك وهذه الدينامية، أرى اليوم، أن هناك جهات من طرف السلطات المحلية، وخاصة من طرف بعض الولاة، تحاول إعادة احتواء وتأمين هذه الحركية لصالحها. وذلك في محاولة استقطاب، واستدراج بعض القيادات المدنية التي يمكن أن يكون لديها أثرا كبيرا في الشارع، وتحويلها إلى مجرد أطر موظفة لدى مشاريع، وبرامج السلطات المحلية، تهتم فقط بتدبير الشأن اليومي، ولا تهتم بالأفق المستقبلي.
س. مع ما يسجل اليوم من انشقاقات داخل البوليساريو، وعودة جماعية، هل يمكن القول بأن الخيار الديمقراطي الذي نهجه المغرب ومن ضمنه مقترح الحكم الذاتي يشكل زلزالا تحت أقدام البوليساريو؟
ج- اليوم، لا أحد ينكر أن هناك تحولات كبيرة في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة، ولكن هناك انزلاقات. ولكن متى ستخلق متاعب للبوليساريو، وسيقع زلزال حقيقي لديه، هو عندما تحسم وتقطع المؤسسات التابعة لوزارة الداخلية، والسلطات المحلية مع هذه المحاولات التي تقوم بها اليوم لتلجيم دينامية الفعل المدني والسياسي. ولا مدخل لحماية البلاد، وحماية مقترح الحكم الذاتي إلا بالرهان على الديمقراطية ولا شيء غير الديمقراطية والحداثة لإعطاء قفزة نوعية لبلادنا. المرحوم الحسن الثاني كان يقول الخير يأتي من الصحراء، والشر يأتي من الصحراء. أنا أقول اليوم بأن الصحراء التي كانت تتخذ طريقة لممارسة نوع من الحجر السياسي، تحولت في بداية السبعينات إلى مدخل لإطلاق الميثاق الجماعي. واليوم، يمكن أن تتحول إلى قفزة في المساء الديمقراطي المغربي. لأن الحكم الذاتي يتطلب بالضرورة تعديل الدستور. وتعديل الدستور سيؤدي بالضرورة إلى توسيع صلاحيات الجهة، باعتبارها الأفق والجسم الأساسي لممارسة الديمقراطية.
س. صرح محجوب سالك ممثل تيار بوليساريو خط الشهيد إلى جريدة الجسور (العدد 1 أبريل 08) بان المغاربة لم يفهموا شيئا في الصحراء "مند أزيد من ثلاثة عقود". ما هو ردكم على هذا التصريح؟
ج. إذا قال المغاربة، فهو خاطئ. وبالمناسبة أنا أكن للأخ محجوب احتراما كبيرا، ولكن إذا قال بأن المغاربة لم يفهموا، فهو خاطئ، وسيكون من التعسف…
* عفوا… عفوا… لقد قال الحكومة المغربية؟
ج- إذا كان يقصد الجهات المعنية بالقرار، ففي كلامه شيء من الصحة. على اعتبار أنه من بين الإشكالات الكبرى التي دفعت الصحراويين إلى رفض المغرب، هو عدم الفهم، أو الرغبة في عدم الفهم. وأقول إنه كانت هناك جهات تتعمد عدم الفهم. وكانت لديها مصلحة في استمرار هذا الشرخ. إذن، في كلامه شيء من الصواب. ولكن أقول إنه في السنوات الأخيرة -وحتى نكون صادقين- هناك إرادة لدى ملك البلاد، ولدى المسؤولين الكبار -وأنا أتحمل المسؤولية في هذا الكلام- لفهم ما يجري بشكل دقيق، وللاستماع لكل المداخيل التي يمكن أن تؤدي إلى فهم حقيقي، ولو لم تكن هذه الرغبة لما طرحت الدولة مبادرة الحكم الذاتي. أعتقد أن هذه المبادرة تأسست على فهم عميق، ولافت لنبض الشارع الصحراوي.
س. ماذا يمثل لكم البشير مصطفى السيد؟
ج. فيما يخص البشير مصطفى السيد، أقول إنه القيادي الذي يتمتع بالرؤية، وبالجرأة، وببعد النظر، وبالقدرة على التقاط الأشياء في حينها، على اعتبار أن هذا الرجل ليس بسيطا. هو الذي هندس لعمل حركة البوليساريو في الخارج. هذا الرجل هو الوريث الشرعي للمرحوم مصطفى السيد. هذا الرجل هو الذي فاوض المرحوم الحسن الثاني، هذا الرجل- لكي لا ننسى- هو الذي أدلى في مقابلة تاريخية لقناة الجزيرة بأفكار أدهشت العالم والبوليساريو، وحتى المغاربة، ولو تأخروا في التقاط ما يقول.
أقول إن هذا الرجل الذي اختار الصمت في السنوات الأخيرة هو مبعد ومهمش بضغط من الجزائر. ولكن لا أحد يستطيع أن يمحو من ذاكرة الصحراويين شخصا برمزية مصطفى السيد. وهو مبعد لأنه الشخص الوحيد الذي لديه الجرأة في أن يناقش كل شيء، ولديه الجرأة في فهم الأشياء حسب التحولات. أعتقد أن البشير مصطفى السيد لو كان في مقام المسؤولية لكانت له القدرة على التقاط التحولات، والمسارات سواء في المغرب، أو مع كل الإخوة لإيجاد حل حقيقي لكل الصحراويين، لذلك فهو مبعد عن مسار المفاوضات… وأنا أقول إن كل القوى السياسية والمدنية في الفضاء المغاربي أن تمد اليد إلى البشير لأنه وجه عبر الجزيرة نداء ورسالة، وينبغي التقاطها. لأنه ليس شخصا منفردا، بل يمثل وجهة نظر، وله مناصرون.

ليست هناك تعليقات: