هي، بالطبع ، ليست بالحجرة الوحيدة. فهناك أحجار: المسألة الدينية، المسألة الدستورية، المسألة التعليمية، المسألة الثقافية.. وغيرها. لكنها، أي المسألة الاجتماعية، بالتأكيد، الحجرة المزمنة الثقل، والتسنن، والتمكن..
نستطيع القول، أنها كانت هكذا ثقلا وتسننا وتمكنا منذ استقلال المغرب، أو بالأحرى، أن مظاهرها السلبية تراكمت وتعمقت على مدى الخمسين سنة الأخيـــرة، وأن ما كان يضــــفي عليــــها نوعا مـــن "الملوسة" هو اختفاؤها تحت/أو امتزاجها بأولوية أو مركزية الصراع السياسي بين الدولة المتحكمة الحاكمة، وبين المعارضة اليسارية وفي طليعتها الاتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية. فما وقع من أحداث أعوام:1965، 1981، 1984، 1990 ، كان بخلفيات ومصوغات ، وحتى "بمبررات" اجتماعية (التعليم، الفقر، الغلاء، الهشاشة، الإقصاء، ،،)، لكنه كان مرتهنا بأطر ومرجعيات سياسية- نقابية يسارية حتى وهو يفيض عن/ و ينفلت من هذه الأطر والمرجعيات. فالدولة كانت تدرك وتعتقد أن الأخيرة هي رأس الحركة و التعبئة و" التحريض " . وهذه كانت تسلم بأن زمام أو سلاح صراعها السياسي مع الدولة في يدها. هذا الزمام / السلاح هو بالذات التداعيات والإنعكاسات السلبية للمسألة الاجتماعية، أي هو الشارع بلغة الاحتجاج..
و عليه، بإمكاننا أن نفهم حديث " السكتة القلبية " الذي سبق أو هيأ لحكومة التناوب التوافقي عام 1998 في سياق استفحال المسألة الاجتماعية، وما يرتبط بها ويدور في فلكها، تماما كما يمكننا أن نفهم خطاب المعارضة السابقة حول الإنخراط و المشاركة في نداء الوطن للإنقاذ والإصلاح .. بل إنني أفهم أيضا أن تبوؤ الإتحاد الإشتراكي للمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية ل 1997 و 2002 ، كان بمثابة انتظار اجتماعي للكتلة الناخبة من هذا الحزب الذي ظل الصوت الممتاز للإحتجاج الاجتماعي بالبرلمان، كما بالنقابة و الجريدة.. ويجدر هنا التذكير بأن الآمال الاجتماعية العريضة التي فتحها التصريح الحكومي الأول بلسان الوزير الأول السيد عبد الرحمان اليوسفي عام 1998 جاءت في سياق هذا الإنتظار.. وفي سياق التفاؤل الكبير للحزب في بداية التناوب، بالإستجابة لهذا الانتظار ..
على كل حال، فقد أمست المسألة الاجتماعية امتحانا صارما و محفوفا بالترقب في هذا المغرب السياسي الذي تلى حكومة التناوب التوافقي. بل ولا نبالغ إذا قلنا بأن هذه المسألة أمست هي المحك الأرأس لمآل الإنتقال الديمقراطي اليوم ، بعد مرور عشر سنوات على تجربة هذا التناوب.
يبدو لنا ، هنا، أن أوراش الإصلاح التي أنجزتها أو فتحتها هذه التجربة، على أهميتها وهيكليتها، مثل مدونة ألأسرة، مدونة الشغل، الإنصاف والمصالحة، حرية الصحافة، التغطية الصحية، الحكم الذاتي بالصحراء، بعض البنى التحتية الإستراتيجية .. تبقى دون صدى إيجابيا من الرأي العام السائد، بحكم أنها لا تنعكس إيجابيا على معيشه اليومي المباشر الغارق في أتون الفاقة، والإقصاء، والغلاء، والعطالة، والفساد، والإفساد، وبهتان المرفق العمومي من تعليم وصحة وإدارة وغيرهم.
والغريب أن هذا الوضع المفارق أفرز بعض التلازمات الخطيرة على مستقبل الديمقراطية في البلد، مثل تلازم الدينامية الشعبوية لبعض الصحف " المستقلة " ( كنتيجة إيجابية مأمولة لحرية الإعلام اليوم) مع الأعطاب الاجتماعية الهيكلية والحقيقية، والذي قد ينعكس بالضرر الفادح على حرية ومهنية الصحافة من جهة، وعلى نضج وتحضر الاحتجاج الاجتماعي كحق وقانون يعنيان ويحترمان الفرد والمجتمع من جهة أخرى. ومثل تلازم حرية الإضراب، والتعطل المسترسل والمأجور.. ومثل تلازم الإحتجاج والشكوى مع قلة السياسة والتسيس ..
وعلى أي حال، فهذه التلازمات المفارقة، وغيرها، قد تكون أثمنة موضوعية لإنتقال متخن بأعطاب الثقافة السياسية كما هو حال الانتقال المغربي، وأنا هنا ما أصر على مفهوم الانتقال، إلا لأنني مقتنع بأن مغرب ما بعد 1998 يختلف كثيرا عن مغرب ما قبلها، وإذا كان هذا المفهوم غير مستصاغ عند البعض، فالمهم أن يقر بهذا الاختلاف وليسميه ما يشاء..
و مما يزيد من حدة هذه التلازمات والأعطاب ، تزايد البؤس و التردي الإجتماعيين، و انتصابهما في أحزمة المدن كمؤشر سكاني وسوسيولوجي حضري صاعد وجديد، وعند فئة الشباب كمؤشر سكاني نوعي و عددي طاغ في المدن و الأرياف على السواء. إن هذا البؤس و التردي الإجتماعيين لا يفسران لوحدهما و لذاتهما هزال المشاركة في الإنتخابات التشريعية ل 07/09/2007، كمقياس سلبي على السياسة و التسيس ببلادنا، باعتبار، أولا، أن الفقراء هم أغلبية من يصوت بالمدن والبوادي لأسباب معلومة ليس هنا مجال عرضها، و باعتبار، ثانيا، أن تصويتهم ليس معيارا صحيحا وكافيا على حجم ونوع السياسة والتسيس عندنا. ولكنهما، أي البؤس والتردي الإجتماعيان، يمنحان لفئات الطبقة الوسطى كل حجج ومبررات الإنكفاء السياسي، أو تغيير الواقع والمواقف، حتى وفئة عريضة من هذه الطبقة بعيدة بهذا الحد أو ذاك، بهذه المسافة أو تلك، عن معمعان هذا البؤس والتردي. وهذا دليل، نؤكده مرة أخرى، على مدى ارتهان السياسة ، توهجا أو أزمة، بدور هذه الطبقة، بحجمها، بنوعها، و بوعيها..
****
جرت العادة أن يكون فاتح ماي هو اللسان الصارخ بالأعراض المرضية للمسألة الإجتماعية ، المنقبة منها على الأقل. وقد رأينا كيف فتر هذا اللسان وتشتت صداه في العقد الأخير، أي عقد تجربة التناوب/ الإنتقال، بسبب تزايد التشظي النقابي، وبسبب تغذية النقابات على السلم الاجتماعي بالوجبة المكرورة للحوار الاجتماعي، و بسبب ما أملته المشاركة الحكومية على حزب الإتحاد الإشتراكي تحديدا.. من ثقافة فك الارتباط مع حرارة المسألة الاجتماعية في أبعادها النضالية، النقابية والجمعوية.
لقد ظلت الدوائر العليا للدولة هي الأكثر يقظة وانتباها للمخاطر الدينية، والسياسية، والأمنية للمسألة الإجتماعية، سيما بعد أحداث 16 ماي 2003، من خلال إحداث مؤسسة محمد الخامس للتضامن، و برمجة و تنفيذ مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، .. ، و قبل هذه و بعدها، من خلال العرش التنموي المتنقل لجلالة الملك عبر ربوع البلاد – بصرف النظر عما يسند هذه اليقظة والانتباه من صلاحيات ومقومات دستورية واسعة، هي الأكثر ما تلوكه القاعات الحزبية المستكينة للنقد، والنقض، والإنتظار عوض اجتراح الحلول والمبادرات الحكومية والمستقلة التي ليس هناك ما يمنعها من أحكام هذا الدستور المعاب نفسه- . السؤال هنا هو ، هل هذا الحرص الإجتماعي الطاغي للملكية- و هو حرص لابد وأنه سيظل محدودا لوحده- هو من الخوف على مستقبل العرش، أم من المسؤولية الاجتماعية للملكية المتماهية مع مغرب يهيم فيها وتهيم فيه؟؟.
مهما يكن من أمر هذا السؤال، فقد استيقظ الجميع على الحوامل الاجتماعية الخطيرة للانتخابات التشريعية ل 07/09/2007 ، و التي من محمولاتها :
- الهزال الفاقع لنسبة المشاركة التي قد تعني التبرم من الحزبية، في أعطابها المغربية ، وثانيا من السياسة، مادام للأخيرة ملك يحميها خصوصا أن الملك حث المغاربة على المشاركة المكثفة.
- فسول توقعات استطلاعات الرأي بشأن اكتساح العدالة والتنمية في الإنتخابات التشريعية الأخيرة، وهو فسول قد يعني، من بين ما يعني، أنه لا دين للمسألة الاجتماعية وأن المصباح لا يضمن بالأخلاقيات الرمزية لنوره، حلولا اجتماعية ملموسة.
- الشعور الظاهر والباطن لحزب الإتحاد الاشتراكي ق. ش. بأن تراجعه الملحوظ و"المفاجئ" يكمن في صلب المسألة الاجتماعية بالذات، كتصويت عقابي على حصيلته الاجتماعية الهزيلة والمتماهية مع حصيلة حكومات التناوب/الانتقال منذ 1998 . سيما وأن هذا الحزب ظل يدير الحقائب الوزارية الاجتماعية الحساسة كالمالية والتعليم والعدالة. .. لقد ارتسم هذا الشعور في بيان سياسة "المشاركة النقدية" التي اختارها الحزب لحضوره في حكومة السيد عباس الفاسي، كمؤشر على التوجه الجديد للحزب نحو فك ارتباطه وتماهيه مع حكومات الأغلبية التي أورثته عقاب الناخبين فالتراجع.. ثم سرعان ما انعكس هذا الشعور بالسلب على قيادة الحزب، وتاليا على، هل نقول بالسلب مرة ثانية ؟، على الخط النقدي المستحدث للحزب وجريدته بإزاء عموم المسألة الإجتماعية في تداعياتها المطلبية والاحتجاجية. ما أستطيع تأكيده هنا، هو أن هذا التحول النقدي، والمعارض حتى، للحزب لم تمليه عليه تداعيات المسألة الإجتماعية في ذاتها، ولكن في انعكاساتها السلبية على موقعه الإنتخابي المتراجع، وعلى عموم جسمه السياسي والتنظيمي. إن هذا التحول الإتحادي بعد انتخابات 07/09/2007 هو الذي يحاول، اليوم، التسويق المستأنف لخطاب التشكيك في صيرورة الإنتقال الديمقراطي المغربي برمته. وعليه، ينتصب السؤال: لماذا هذا التحول المرهون بالرتبة الإنتخابية؟ فهل العطب في طبيعة الانتقال الديمقراطي بالمغرب، والإتحاد الاشتراكي ،على كل حال، جزء كبير من هذه الطبيعة (من المفيد في هذا السياق التذكير بالرد الناقد للسيد محمد اليازغي على محاضرة السيد عبد الرحمان اليوسفي النارية ببلجيكا عقب خروجه/ إخراجه من المسرح الحكومي بعد الانتخابات التشريعية ل 2002) أم في الرتبة الإنتخابية الخامسة التي نالها الحزب في انتخابات 07/09/2007 ؟
و مهما يكن مآل هذه الأسئلة، فإننا نستطيع أن نجزم بأن خطورة الاختلال في المسألة الاجتماعية هي التي وراء هزال المشاركة الانتخابية للمغاربة.. و هي التي وراء عدم الاكتساح الانتخابي للعدالة و التنمية .. وهي التي وراء التراجع الانتخابي للإتحاد الاشتراكي.. وهي التي أملت هذه الطبيعة المركبة الخاصة لتشكيلة حكومة ما بعد 07/09/2007 .. وهي التي استنهضت ظاهرة السيد فؤاد عالي الهمة وحركة لكل الديمقراطيين .. وهي التي، أخيرا وليس آخرا، تسعف اليوم خطاب سياسة التشكيك في الانتقال الديمقراطي بالمغرب من أصله و فصله..
نفترض أنه، لو حقق المغرب تنميته البشرية قبل الديمقراطية، ككوريا الجنوبية، أو بدون الديمقراطية، كتونس الشقيقة ، لكانت إشكالية الانتقال إلى الديمقراطية، عندنا، باردة وباهته. ولكن قدر مغربنا العزيز هو أن يردف انتقاله الديمقراطي الخاص بأوفاق المسألة الإجتماعية، وإلا لا انتقال ، ولا ديمقراطية ولا هم يحزنون أو نحزنون.. ومن المصادفات غير المشتهاة لهذا القدر، ارتهانه اليوم بأسعار الطاقة القياسية في السوق الدولية وما صار ينجم عن ذلك من هول في غلاء ( وندرة) المواد الغذائية.
إن إصلاح أعطاب المسألة الاجتماعية يستلزم المال، بكل تأكيد، لكنه يستلزم قبل المال وبعده، عقلنة هذا الإختلال السوريالي في سلم الأجور، التخليق الحقيقي والملموس للمرفق العمومي، طرد الكوابيس السوداء للمغربي بإزاء إدارته، الجزاء والمحاسبة وفق شروط الحق والقانون، الكفاءة والمردودية، إيجاد الاعتبار والاحترام الحقيقي والمستعجل للسلطة التشريعية، وأنا من الذين قد يعتبرون الخفض من أجور النواب مدخلا مناسبا لذلك،.. مثل هذه الإصلاحات وغيرها لا تحتاج إلى تمويلات غزيرة ، لكنها، بالتأكيد، ستجعل المواطن يحس بثقة أكبر في بلده .. والثقة مدخل مشجع لاهتمام هذا المواطن بالشأن العام .. والمشاركة الإيجابية في تدبير وتوجيه هذا الشأن..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق