إذا كان السياق السياسي العام الذي أفرز الحكومة المغربية الحالية يتسم إجمالا بتسجيل واقعة العزوف الانتخابي الذي طبع الاستحقاقات الانتخابية لـ 7 شتنبر 09، مع ما أفرزته من نتائج سياسية، فإن تبعات هذا المستجد انعكست بالضرورة على بنية الجهاز التنفيذي الذي يكرس ائتلافا حكوميا غير متجانس، بالإضافة إلى وزراء تقنوقراطيين. وترجع هشاشة الجهاز الحكومي، إلى هشاشة الجهاز التشريعي (البرلمان) في الأصل، إذ بالنظر إلى طبيعة العملية الانتخابية التي لا تسمح بإمكانية فرز أغلبية برلمانية (نظام الاقتراع)، فإن النتائج الهزيلة التي حصدتها جل الأحزاب، سواء منها المشاركة في الحكومة، أو غير المشاركة، لا تسمح والحالة هاته، بتشييد تجربة حكومية نوعية في مسار المرحلة الانتقالية التي يجتازها المغرب منذ حكومة ذ. عبد الرحمان اليوسفي، إذ تضاف التجربة الحكومية الجديدة، في بنية تشكلها، إلى تجربة حكومة التناوب التوافقي، وإلى تجربة ذ. إدريس جطو. مع تسجيل إيجابية تعيين وزير أول ينتمي لحزب سياسي. وهو ما ترجم التزام جلالة الملك باحترام المنهجية الديمقراطية التي لم تتحقق مع تعيين إدريس جطو. وهو ما شكل جوهر الانتقاد الذي أطلقه حينها ذ. عبد الرحمان اليوسفي بحديثه عن عدم "احترام المنهجية الديمقراطية". وهو ما سيشكل مطلبا من مطالب الكتلة طيلة المرحلة الفاصلة بين تعيين حكومة جطو، ومن بعدها حكومة ذ. عباس الفاسي.
وفيما يعتبر بعض المحللين بأن الحكومة الحالية عاجزة عن تمتين أسس الإصلاح المؤسساتي، وعن إطلاق الدينامية المرجوة في الانتقال الديمقراطي، وإنجاز التقدم والتحديث الضرورين، فإن البعض الآخر، يقلل من أهمية الأدوار التي تلعبها الحكومة أصلا في النظام السياسي المغربي. حيث إن الأوراش الكبرى والصغرى، التي تشيد هنا وهناك، عبر ربوع التراب المغربي لا تحسب في سجل الانجازات الحكومية، بل إنها تحسب، لدى الرأي العام الوطني، لصالح إنجازات ملك البلاد، بوصفه قائد قاطرة التنمية المستدامة. ولعل هذا الأمر بالضبط، هو الذي يدفع الأحزاب المشاركة في الحكومة إلى التصريح، في مناسبات مختلفة بأن منجزات الملك هي منجزاتها، ولا فرق بين صلاحيات الملكية، ووظائف الحكومة. وبالتالي، فإن النظر إلى هذا الأمر، لا يتطلب إعمال منطق القطيعة بين أدوار المؤسسة الملكية في الحياة السياسية العامة، والأدوار المفترضة للحكومة، وعليه، فإن الأداء الحكومي، والحالة هاته، سيكون ملحقا بالمشاريع الكبرى التي يؤشر عليها الملك، ويشرف عليها شخصيا في مختلف المرافق. أي أن قيادة الحكومة من طرف حزب سياسي ينتمي للكتلة "حزب الاستقلال" ليس إلا حلقة ضمن حلقات الانتقال الديمقراطي الذي تلعب فيه الملكية التنفيذية الدور المحوري في توجيه الحياة العامة. وهذا يعني أن الحزب قد يحصد نتائج الإخفاقات التي قد تسجل عليه خلال الانتخابات القادمة تماما كما وقع للاتحاد الاشتراكي خلال الانتخابات الأخيرة.
إن الاختيارات الاقتصادية الكبرى للدولة متحكم فيها، كما أن الاستجابة لحجم المتطلبات الاجتماعية يظل محدودا بالنظر للإمكانات المتوفرة للدولة. وإذا كان العنوان العريض الذي يؤثت شعار الدولة في المرحلة الراهنة، والذي تم التعبير عنه خلال العديد من الخطب الرسمية، يرتبط بالمشروع الحداثي الديمقراطي، مع ما يستتبع ذلك من ضرورة إجراء إصلاحات مؤسسية شاملة، فإن الأمر لا يبدو معطى جاهزا، ولا مشروعا سهل المنال أمام الجهاز الحكومي الذي يعاني أصلا من اختلالات ترتبط في الجوهر بطبيعة العلاقة المختلة بين الطبقة السياسية والناخبين. وهذه العلاقة التي تفسر إلى حد بعيد هشاشة المؤسسات التمثيلية، تكشف بالمقابل تغييب التعاقد بين الحكومة وعموم الناخبين على مقتضيات الالتزامات المصرح بها في البرنامج الانتخابي. إذ تباشر الأحزاب المشاركة في الحكومة تنفيذ البرامج والاختيارات المبرمجة الموجهة من وطرف الدوائر العليا على قاعدة الالتزامات الدولية، والتوازنات الاقتصادية الكبرى، والبرامج الاجتماعية المسطرة. فالحفاظ على وتيرة النمو الاقتصادي في حدود 6 بالمائة، والرهان على خلق 250 ألف منصب شغل، والتقليص من حجم البطالة بمعدل 7 بالمائة في أفق 2012، هذه الرهانات تعتبر الحد الأدنى للاشتغال الحكومي. ولا مجال، والحالة هاته، للمغامرة بالتوازنات الاقتصادية المطلوبة على حساب الخدمات الاجتماعية المستعجلة. ومع ذلك، فإن الرهان غير مضمون بالنظر للتطورات الاقتصادية العالمية مع ارتفاع سعر النفط، كما أن رهان خلق الثروة الوطنية يظل سجين إكراهات الاقتصاد المغربي الذي يعاني من هشاشة بنيوية لا تسمح بالمساهمة في إطلاق دينامية اجتماعية في اتجاه التقدم والتحديث. ولعل هذا ما دفع أحد المحللين للقول بأن: "المسألة الاجتماعية، والتي تلخص إجمالا في الفقر، بمستوياته المادية والفكرية، يمس الإنسان والمجال، حيث يسجل عجز بنيوي في مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية: الشغل، التمدرس، السكن، البيئة، الصحة... وهذا العجز يولد التهميش، وإقصاء شريحة واسعة من المجتمع، ويزرع بذور اللاإستقرار: الاقتصاد الموازي، الرشوة، الحرمان الاجتماعي، التطرف".
إن الإجراءات المعلنة من طرف الدولة تترجم، بكل تأكيد، إرادة تجاوز مختلف الصعاب التي تعترض تطور المجتمع المغربي. ولكن فعالية هذه الإجراءات ونجاعتها غير ملموسة بالنظر لتأثيراتها على تطور مؤشرات التنمية البشرية.
إن نجاعة الأداء الحكومي، والحالة هاته، لا يمكن أن يقاس فقط بالتحكم في التوازنات الماكروإقتصادية ، بل بمدى توفقه في الرفع من المستوى المعيشي لعموم المواطنين، ومجابهة الهشاشة الاجتماعية التي أضحت تشكل إحدى العوائق التي تحول دون ترجمة شعارات التحديث والدمقرطة على أرض الواقع. وعليه، فإن الإجابة على مختلف النواقص الاجتماعية هو الرهان المطروح بشدة على مختلف الفاعلين والمتدخلين في اتجاه تحقيق نمو قوي ودائم، والعمل على توزيع الثروة الوطنية بتعادلية، ومحاربة كل مظاهر الريع والامتياز...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق