عبد المطلب اعميار
الأزمة. النكبة. النكسة. التراجع. الهزيمة. الكبوة... تعددت نعوتُ واقع حال الاتحاد بعد 7 شتنبر، تاريخ إجراء الانتخابات التشريعية ببلادنا، والمسألة واحدة، وهي أن الاتحاد الاشتراكي لم يعد، بكل تأكيد، اتحادَ الأمس. تغيرت السياقاتُ، والاختيارات، والتموقعات، والرهانات... والحصيلة نزيفٌ تنظيمي، وترهل في بُنيان الحزب قلص من جماهيريته إلى حدود دنيا لا تحتاج إلى كثير فطنة أو اجتهادٍ للحكم على ما وصلت إليه. وهل يساوي الاتحاد شيئا من دون جماهير، حطبُ قوته، وعنفوانه؟. بكل تأكيد، يؤدي الاتحاد اليوم فاتورة اختياراته. وهي ليست كلها اختيارات سلبية على كل حال. لقد كان "لانزياح" الاتحاد من المعارضة إلى التناوب منطقا سياسيا يبررهُ أو يدعمه، وهو المنطق نفسُه الذي اقتطع من الحزب شرايينَ قوته النابضة: الجماهير الشعبية. فكان للتناوب، المعلل بالدفاع عن المصلحة العليا للوطن، وبضمان الانتقال السلس للسلط، وبإنقاذ البلاد من السكتة القلبية ضرائبه الخاصة التي كادت أن تصيب الحزب، هو الآخر، بسكتة لم تكن في البال: لكل مشاركةٍ ضريبةٌ، ولا سياسة بدونها.
واليوم، حيث عرج الانتقال من لغة التناوب التوافقي صوب إقرار المنهجية الديمقراطية التي "عصفت" بالكاتب الأول الأسبق ذ. عبد الرحمان اليوسفي، قبل أن تعصف لاحقا بخلفه محمد اليازغي، سيكون لزاما على "رفاق بوعبيد" أن يُجربوا الانتقال الديمقراطي داخل الاتحاد، وأن يعتمدوا خيار المنهجية الديمقراطية في المختبر الحزبي عساهم يُؤَمنوا للحزب حظوظ العودة إلى حقل الصراع السياسي المغربي بكامل الزخم الذي افتقده الحزب منذ مدة. فهلا استطاع الاتحاديون، كل الاتحاديين، أن يُرتبوا شريط ما وقع، وأن يستردوا- بلغة السينمائيين- فيما يشبه "الفلاش باك" سيناريو المشاركةِ كما تحققت في سياقها، وممكنها التاريخي، وأن يزِنوا بعين العقل ما أُنجز وما لم ينجز، ما كُسب وما أُهدر، وما امتلك وما فُقِد لعلهم يستجمعوا قوى الحزب المنهوكة بفعل ضريبة التناوب، وأشياء أخرى.
إن الاتحاد، بكل تأكيد، لعب أدوار طلائعية في سيرورة النضال الديمقراطي ببلادنا، وتفاعلت مجريات الحياة السياسية الوطنية مع مده وجزره، وفي لحظات التوتر أو الكمون، ليصعب التأريخ للسياسة في المغرب دون "إعراب" وظائف هذا الحزب الذي خبِر كثيرا دهاء المعارضة وكواليس المشاركة.
لقد كان اليسار، بمختلف أطيافه، وكل القوى الحية بالبلاد تستقوي بقوة الاتحاد، وتسْتَظِل بعنفوانه. زخمهُ الجماهيري من زخمهم، وضُعفُ بريقه من ضعفهم. وعلى الرغم من "إصلاحيته"، فإن مسار النضال الديمقراطي الذي اختاره نهجا منذ مؤتمره الاستثنائي (1975)، فتح العمل السياسي على كثير من التوازنات الموضوعية التي تطلبتها المراحل السابقة، ولكن كذلك على غير قليل من الانزلاقات والانحرافات.
واليوم، حيث يعقد الاتحاد الاشتراكي مؤتمره الثامن، فإن رهاناته لا تقل أهمية عن رهانات كل الديمقراطيين، وانعكاساته، بالسلب أو الإيجاب، ستكون امتحانا جديدا لكل الحركة الديمقراطية، في مواد التحديث، وإعادة البناء التنظيمي والسياسي،
فهلا استفاق الاتحاد من كبوته ! اتحاد كل الديمقراطيين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق