في السياق:
يعقد الاتحاد الاشتراكي مؤتمره الثامن أيام 15،14،13 يونيو الجاري. وتأتي هذه المحطة في سياق العديد من التطورات التي تهم الحياة السياسية الوطنية، وكذا في سياق المستجدات التنظيمية الداخلية التي تهم مسار الحزب. ويمكن إجمال هذه التطورات في:
* تساوق المؤتمر مع ما أفرزته انتخابات 7 شتنبر الأخيرة من عزوف انتخابي ملحوظ، إذ لم يتجاوز حجم الكتلة الناخبة ثلث الناخبين. وهو ما أثر في النتائج العامة للانتخابات، وفي التشكيلة الحكومية المبلقنة التي تحمل فيها ا.ش.ق.ش المسؤولية مجددا.
* حصول ا.ش.ق.ش على المرتبة الخامسة في الترتيب الانتخابي، وهو ما يعتبر تراجعا انتخابيا ملحوظا، وفشلا سياسيا عبر عنه مناضلو الحزب من خلالا العديد من الأوصاف من قبيل: الأزمة، النكبة، الفشل، الكبوة، التراجع، الهزيمة... وفيما يعتبر بعض الاتحاديين بأن التراجع الانتخابي كان متوقعا بالنظر للمسؤولية الحكومية للحزب، وبحجم الهوة التي ارتسمت بينه وبين الجماهير، وبمستوى التماهي مع الدولة، يعتبر آخرون بأن خطاب المعارضة الذي مارسه الحزب عقدا طويلا بمثابة اللعنة التي تطارده، إذ في نظر شرائح واسعة من الناخبين، لم يترجم الحزب شعاراته على شكل مكتسبات مادية مباشرة لصالح "القوات الشعبية" التي ظلت تحسب المنجزات المسجلة لصالح المبادرة الملكية. وبالتالي، حصد الاتحاد الاشتراكي نتائج التصويت العقابي ضده، وهو الذي ما فتئ يدافع عن تجاربه الحكومية دون تردد.
* تشكيل الحكومة الثالثة ما بعد تجربة التناوب التوافقي التي انطلقت مع حكومة ذ. عبد الرحمن اليوسفي (1998)، وتعيين الملك لوزير أول سياسي (عباس الفاسي) من صناديق الاقتراع انسجاما مع مطلب المنهجية الديمقراطية الذي تردد على لسان الاتحاد الاشتراكي مباشرة بعد تعيين إدريس جطو (الحكومة الثانية في مسار التناوب)، وغضب عبد الرحمن اليوسفي الذي توج باستقالته الشهيرة. وهو ما دفع قيادة الاتحاد، بعد حصولها على تأشيرة المجلس الوطني، إلى الدخول مجددا في تجربة حكومية جديدة، غير محسوبة العواقب، بحجة الاستمرارية في مسار التناوب الذي يرجع فيه الفضل الأول إلى الاتحاد الاشتراكي، وكذا بمبرر دعم أوراش الإصلاح ومسار التحديث، وبعدم التنكر لالتزاماته السياسية تجاه حليفه في الكتلة، حزب الاستقلال، الذي تحمل إلى جانب الاتحاد الاشتراكي المسؤولية تباعا في حكومتي اليوسفي وجطو. بالإضافة إلى هذه الاعتبارات، فإن قيادة الحزب، أو على الأصح بعض المتنفذين فيها، يعتبرون بأن الرجوع إلى المعارضة شعار فارغ في المرحلة الراهنة لأن المعارضة ليست اختيارا عاطفيا (عبد الواحد الراضي)، ولا خيارا ممكنا بالنظر لحجم الإصلاحات التي تعرفها البلاد بقيادة الملك (محمد اليازغي).
* التراجع الملحوظ للاتحاد الاشتراكي على مستوى الامتداد الجماهيري والتنظيمي، وانحصار فعله الإشعاعي، ولو بإطلاقه "لمبادرة الانفتاح" التي علق عليها آمالا كبيرة من أجل استجماع قوته، وتوسيع بنيته التنظيمية التي لحقها نزيف حاد من جراء الانسحابات والانشقاقات... التي أفضت إلى إضعاف الأداء السياسي للحزب، ولمؤسساته الموازية (نقابة، طلبة، شبيبة، إعلام...).
* تسجيل ضعف المؤسسة النيابية باعتبار الهجانة السياسية للنخب المكونة للأغلبية من جهة، وللمعارضة من جهة أخرى. إذ لم ترق المؤسسة النيابية، مع ضعف المشاركة الانتخابية ومع فلسفة النظام الانتخابي نفسه الذي لا يسمح بفرز أغلبية، إلى مستوى النجاعة المؤسساتية التي تتطلبها العملية الديمقراطية، ومن ضمنها متطلبات الانتقال إلى الديمقراطية.
* بروز شرخ سياسي بين الكتلة الناخبة والطبقة السياسية. وهو ما طرح بإلحاح سؤال السياسة في المغرب، وعلاقة المشروع الديمقراطي الذي تطمح القوى الديمقراطية إلى تشييده، ومدى انخراط المغاربة فيه من جهة، ومدى تعبئة المغاربة لإنجاح المشروع الحداثي الديمقراطي الذي أعلنته الدولة، من جهة أخرى.
* ظهور "حركة لكل الديمقراطيين" التي يقودها فؤاد عالي الهمة، وإعلان مؤسسيها عن ميلاد جمعية تحمل نفس الاسم، وهو ما خلق ردود أفعال مختلفة في الحقل السياسي الوطني، بما في ذلك موقف بعض القادة الاتحاديين من هذا المولود السياسي الجديد.
* ينعقد مؤتمر الاتحاد في أجواء ما بعد استقالة الكاتب الأول للحزب محمد اليازغي، وما تلاها من قراءات، وتأويلات، وفرضيات، وحسابات... وبغض النظر عن الملابسات التي تحكمت في هذا الفعل، فإن المؤكد هو أن الاستقالة تترجم رد فعل إزاء الوضع العام للاتحاد، أداء وعلاقات وآفاق، وهي ترجمة لفعل سياسي مفتوح على كل الاحتمالات التنظيمية. فإذا كانت استقالة اليوسفي قد ارتبطت بما أسماه التنكر للمنهجية الديمقراطية بعد تعيين الملك لإدريس جطو، فإن استقالة اليازغي لا تحمل أي مؤشر سياسي لموقف موجه ضد الدولة، بل هي عملية موجهة بالأساس لحزب يؤدي ضرائب المشاركة في السلطة على دفعات، ولعل الانتقال من بنية الحزب المعارض إلى بنية الحزب المشارك تفسر العديد من مظاهر الاختلال والارتباط التي لحقت الحزب بعد مشاركاته الحكومية.
وبعد أن أصبح من المؤكد، أو على الأقل هذا ما يبدو، بأن اليازغي لن يترشح لولاية جديدة لقيادة الحزب، وهذا ما صرح به مرات عديدة، فإن المؤتمر سيكون أمام امتحان جديد في الديمقراطية الداخلية، سيما وأنه سيعتمد اللوائح في فرز القيادة السياسية، وهو ما يعتبر حدثا جديدا في المسار التنظيمي للاتحاد الاشتراكي. هذا إذا أجاز المؤتمر العمل بهذه المسطرة، التي لن تمر، بكل تأكيد، دون إثارة العديد من المشاكل.
في اللوائح:
إن الخلاف الذي تثيره مسألة اللوائح يرتبط أساسا بوجد رؤيتين مختلفتين للمسألة. أولاها، تعتبر اللوائح مقدمة أساسية لفتح الطريق أمام كل الحساسيات السياسية داخل الحزب للتباري الديمقراطي، وللتمثيلية داخل الأجهزة باعتماد كوطا خاصة بذلك. وتلتقي وجهة النظر هاته، بغض النظر عن خلفية أصحابها وحساباتهم في ضرورة إعمال الديمقراطية الداخلية، وهي التي شكلت على الدوام موضوع نقد ومساءلة وغضب وانسحاب وانشقاق... الخ، وفتح المؤتمر على إمكانية بروز تعبيرات وحساسيات سياسية مختلفة تقطع مع ثقافة الزعيم ومخلفات المركزية المفرطة، تفاديا لكل ما من شأنه أن يعرقل مسار المؤتمر، ومن خلاله المسار المستقبلي للحزب.
ثانيها، تعتبر بان اعتماد اللوائح سيفضي عمليا إلى إقصاء بعض الأسماء غير المرغوب فيها، واحتكار اللوائح من لدن أهم التكتلات النافذة داخل الحزب على حساب مناضلي الجهات والفروع، كما تعتبر هذه الرؤية أن اعتماد اللائحة في تشكيل قيادة الحزب ومؤسساته، بما فيها الكتابة الأولى، سيكرس في التنظيم ثقافة الأغلبية الحزبية التي قد تعتمد آلية الإقصاء والتسلط، وتفضي عمليا إلى قتل التعددية المرجوة.
وكيفما كان الحال، فإن اختبار اللوائح يشكل رهانا من رهانات المؤتمر، وامتحانا للأهلية الديمقراطية لحزبٍ خبر ثقافة المعارضة وآلياتها السياسية والتنظيمية، وجرب كذلك خسائر المشاركة، وإكراهاتها ومتطلباتها.
عن النقد الذاتي:
هل سينجح المؤتمر الثامن أن يكون مؤتمرا للنقد الذاتي. وبصيغة أخرى، هل سيوفر المؤتمر لنفسه كل الحظوظ التنظيمية والسياسية لكي يكون مؤتمرا للكشف عن الأعطاب، والاختلالات التي تراكمت في مسار الاتحاد سنوات طوال. وساهمت في النزيف الذي لحق الحزب، وفي تراجع إشعاعه الجماهيري. الأمر لا يتعلق فقط باعتماد وثائق قد تحسن في فقراتها خطاب النقد الذاتي، بل المسألة أبعد من ذلك وهي تمثل الوظائف المستقبلية لحزب يرفع اليوم شعار التحديث والانفتاح. والمقدمة تبدأ بتقييم الأداء الذاتي للحزب، ولعل هذا ما يقف عليه التقرير حول الهوية، والذي سيقدم إلى المؤتمر الثامن حيث يحصر أسباب التعثر في ثلاثة رئيسية وهي:
+ هيمنة الانشغالات الحكومية والانتخابية عند المسؤولين الحزبيين من مختلف المستويات، والتسابق المحموم على المواقع داخل الحزب، مع إهمال باقي الواجهات النضالية الأخرى.
+ الارتباك الذي حصل داخل الحزب بعد انفصال جزء من مناضليه عنه...
+ عدم احترام الديمقراطية الداخلية، وعدم الالتزام بالضوابط التنظيمية، مما نتج عنه مشاكل تنظيمية عديدة.
فهل تكفي هذه العناصر، الواردة في تقرير الهوية، لتكون مقدمة لمؤتمر يعلق عليه الاتحاديون، وكافة المتعاطفين، والقوى الديمقراطية آمالا قوية لإعادة بناء الحزب في اتجاه تمتين بنيته التنظيمية، وأدائه السياسي ليلعب أدواره الكاملة في سيرورة البناء الديمقراطي. هذا هو الرهان!.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق