إعلام حر، نزيه، مستقل .... موقع صحيفة الجسور المغربية يرحب بزواره الكرام ويتمنى لهم إبحارا ممتعا، فمرحبا بكل التعليقات المفيدة والتوجيهات السديدة...

هذه الجسور .....

أردناها أن تكون صوتا حرا لإعلان الاتفاق أو الاختلاف، دونما رقابة ذاتية أو أحكام معلبة. أردناها أن تكون منبرا يسائل الوقائع من أجل الخطو إلى الأمام، والإسهام في كل هوامش التطور الممكن في مغرب اليوم ضدا على كل اليقينيات الجاهزة، والإرادات المحافظة.

وأردناها أن تكون جسورا للتواصل، والتحليل، والنقد، والإبداع... وابتغينا لها الإسهامَ في محاربة ثقافة الهامش، ومنطق التيئيس الذي أصبح يحتل مساحات واسعة في تمثلات وسلوكات الفرد والمجتمع.

هذه الجسور تعلن انتماءَها، دون تردد، لمسار التحديث، وهاجس البناء... وكم هي شاقة جسور التحديث والبناء في مغرب متحول تحاصره إكراهات التقدم ومستلزماته، وجيوب المقاومة، الظاهرة والمضمرة !

--------------------------------------------------------------------------------------------


الأربعاء، أغسطس 13، 2008

حسن طارق* للجسور: (حوار)

أجرى الحوار: عبد المطلب اعميار
* نتائج 7 شتنبر هزيمة حقيقية للاتحاد الاشتراكي، والأمر يتطلب إعادة بناء المشروع الاتحادي.
* المشاركة في حكومة إدريس جطو كانت خطأ سياسيا، وأحدثت ارتباكا في الخط السياسي للحزب.
* علينا أن ننتهي من منطق التوافق، والمشاركة في الحكومة عليها أن تتأطر بالمشاركة الطبيعية.
* الانتقال من التوافق إلى التباري السياسي يقتضي تغييرا في نمط الاقتراع.
* "الاشتراكيون الجدد" حساسية اشتراكية ديمقراطية موجودة داخل الحزب.
* اعتماد اللوائح في المؤتمر ثورة تنظيمية حقيقية للعمل بمبدأ التيارات.
* الملكية ليست في حاجة إلى أي حزب يدافع عليها، وسؤال من مع الملك ومن ضد الملك لم يعد مطابقا للواقع.

س. ما هو تقييمكم للوضع السياسي العام بالمغرب بعد محطة 7 شتنبر الأخيرة، تاريخ إجراء الانتخابات التشريعية ببلادنا؟
ج. طرحت محطة 7 شتنبر الأخيرة أسئلة جديدة وعميقة تتعلق بالوضع السياسي العام، وبالوضع الحزبي داخل الاتحاد الاشتراكي بوجه خاص. واعتقد أن الاتحاديين اعتبروا ما وقع نكسة حقيقية على مستوى النتائج التي حققها الحزب. وهي نتائج أكدت طبعا الوضع الذي أصبح يعيشه الحزب، وأكدت بأن الأمر يتعلق بهزيمة حقيقية للاتحاد الاشتراكي. وهو مطالب باستخلاص العناوين الكبرى التي أدت إلى النتائج المعلومة. كانت هناك صدمة، ولحظة انفعال، وتلتها فيما بعد لحظة تفكير أكثر هدوءا، وأكثر بعدا عن انفعالية اللحظة السياسية. وهذه اللحظة هي التي دفعت الحزب إلى فرز لجنة لتقييم ما وقع خلال الانتخابات الأخيرة. وقد اشتغلت هذه اللجنة، وقدمت خلاصات عملها –وهو عمل جدي ومثمر- إلى المجلس الوطني، وصادق عليها هذا الأخير من خلال الوثيقة التي عممت على المناضلين، ونشرت في صحافة الحزب. وأعتبرها من بين الوثائق الذي ينبغي أن تحال على المؤتمر القادم. وهي وثيقة مكتوبة بنفس نقدي صريح وشفاف، يعالج التجربة خاصة في جوانبها الذاتية المتعلقة بإشكالية القرار الحزبي، وبمسألة الديمقراطية الداخلية، وبالتهلهل التنظيمي... ثم هناك تقييم لمرحلة سياسية لا شك أن محطة 7 شتنبر تعتبر نهاية لها. وهذه المرحلة امتدت من 1998 إلى 7 شتنبر. وخلالها كان حضور الاتحاد الاشتراكي قويا على مستوى التدبير الحكومي، وأساسا في الحكومة الأولى، حكومة ذ.عبد الرحمان اليوسفي، ثم في الحكومة الثانية، حكومة إدريس جطو. لقد اعتبرنا إذن، أنه من اللازم تقييم هذه التجربة وتقييم أدائنا السياسي، وتقييم علاقتنا بالتجربة الحكومية، وعلاقتنا بالدولة، وضرورة طرح أسئلة كبرى يمكن تلخيصها في عنوان عريض: ما هو مستقبل البناء الديمقراطي في بلدنا، وما هو مستقبل الاتحاد الاشتراكي، وما هو مستقبل اليسار، وما هو مستقبل العمل السياسي والسياسة؟. أسئلة كبيرة طرحت، وهي في الحقيقة ليست وليدة استحقاقات 7 شتنبر فقط ، لأن هذه الأخيرة فجرت بعضها، وبعضها الآخر كان كامنا في الذات الحزبية ولم تتح له الفرصة ليبرز على السطح إلا بعد نتائج 7 شتنبر.
س. هل كانت هذه النتائج متوقعة؟
ج. كانت نتائج مفاجئة. وفي الواقع، كان هناك إحساسا لدى المناضلين بوجود تراجع في الأداء السياسي للحزب، وبأن هناك ارتباكا في الخط السياسي وتغييبا للعديد من قواعد الديمقراطية الداخلية، وبان هناك سوء تدبير لشؤون الحزب. لكن مع ذلك، لم نكن نعتقد بأننا سنصل إلى ما وصلنا إليه في 7 شتنبر. الهزيمة كانت قاسية. وجعلت الاتحاد يدخل في تفكير جدي يخص مستقبل الحزب. وفي هذا الصدد طرحت فكرة أساسية تتعلق بإعادة بناء الاتحاد الاشتراكي، وبإعادة بناء المشروع الاتحادي، والذي لا يمكن إلا أن يكون مشروعا يساريا وديمقراطيا. وإعادة البناء هاته ترتبط بالمستويات التنظيمية، وبعلاقتنا بالمجتمع، وبالعودة القوية إلى الإيقاعات المجتمعية التي تشكل عمق المشروع المجتمعي الذي نحمله، وإعادة بناء خط سياسي للإجابة على التحديات التي لم تتضح معالمها الكبرى بعد، وإعادة بناء فكري للإجابة على أسئلة الانتماء إلى المنظومة الاشتراكية، وما هي المرجعيات المرتبطة بالهوية الحزبية... هذه الأسئلة طرحت بشكل قوي. بعضها أجابت عليه وثيقة التقييم، وبعضها أجابت عليه المداولات الغنية والقوية للمجلس الوطني، وجزء منها تجيب عليه الوثائق التي ستقدم إلى المؤتمر المقبل. ومع ذلك، فالإجابة الحقيقية والضرورية يجب أن تكون في المؤتمر الوطني القادم.
س. تتحدثون عن الهزيمة الانتخابية. هل تعتقد أن مشاركة الحزب في التجربتين الحكوميتين أثرت على نتائجه الانتخابية، في علاقته بالكتلة الناخبة أساسا؟
ج. من المؤكد ذلك. ولكن أشير إلى ملاحظة منهجية. وهي أن المشاركة الحكومية بالنسبة لأي حزب ديمقراطي لا تعني بالضرورة أنها ستكون مقرونة بالتراجع الجماهيري. فالمعارضة لا تعني دائما التجدر ، وقد تعني الإنهاك والموت السريري. كما أن المشاركة الحكومية لا تعني دائما تقلص الشعبية. وقد تعني القدرة على مد جسور جديدة مع فئات جديدة، وقد تعني إعادة انتشار للفكرة السياسية. فالقضية هي قضية تدبير سياسي، إما في المعارضة أو في المشاركة. وفي قضية التدبير هاته، أعتقد أن ما وقع بعد مشاركة الحزب في التدبير الحكومي في حكومة إدريس جطو (2002)، وهو حدوث ارتباك في الخط السياسي للحزب. فالمشاركة الأولى في حكومة اليوسفي كانت محملة بنفس سياسي. وكان الحزب يستطيع أن يصوغ خطابا يعتبر بأن مشاركته في الحكومة جزء من تدبير مقتضيات الانتقال الديمقراطي. وكان من السهولة أن نلاحظ نفسا سياسيا قويا في خطابنا حول هذه التجربة، لأنها تجربة كانت محملة بآمال، وفاتحة لآفاق سياسية، وخطوة أساسية مهمة في البناء الديمقراطي، وكانت مرتبطة بمسلسل الدمقرطة، وبمسلسل التحول الذي كان لا بد أن ينطلق من حيث أن يجب، وكانت نقطة انطلاق التوافق مع المؤسسة الملكية.
عندما أتينا إلى 2002، كان الخطاب الذي أنتجه الحزب، وهو أنها مشاركة تذهب في اتجاه ما سمي آنذاك باستكمال الأوراش، وبالاستمرارية في البرنامج الحكومي الذي صاغته حكومة اليوسفي. واعتقد بان هذا الخطاب لم يكن قادرا على الربط بين المشاركة الحكومية وبين الهدف السياسي والاستراتيجي للحزب. هناك كذلك قضايا مرتبطة بالتدبير السياسي، والمتعلقة بالتبني المطلق والكامل للحصيلة الحكومية. ولا شك أن الحزب أدى ضريبة ذلك في النتائج الانتخابية. القضية معقدة. وهي ليست مسألة مشاركة أو عدم مشاركة. أما هل كانت المشاركة خطأ أم لا، اعتقد بان وثيقة تدبير الانتخابات اعتبرت بان المشاركة في حكومة إدريس جطو كانت خطأ سياسيا. والوثيقة نوقشت وصودق عليها بالإجماع في المجلس الوطني.
س. انتقل الاتحاد الاشتراكي من مسار المعارضة إلى مسار المشاركة. والحزب يستعد لمؤتمره الثامن. ما هي أهم الخلاصات الكبرى لهذا الانتقال، والتي ستكون مطروحة أمام المؤتمر قصد التداول والتقييم؟.
ج. الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حزب ديمقراطي. حزب يؤمن بالتحول الديمقراطي، وبالعمل داخل المؤسسات. فكرة الانتقال من حزب للمعارضة إلى حزب للمشاركة لا يمكن إلا أن تكون إحدى عوامل القوة في بناء هذه التجربة السياسية. الاتحاد الاشتراكي لم يؤمن يوما بأن المعارضة قد تتحول إلى هوية. كانت المعارضة وظيفة سياسية مهمة، وضرورية، وجزءا من التحولات الكبرى التي عاشها المغرب والتي ارتبطت بالنضال المستميت في شروط صعبة. ثم طرحت قضية الانتقال الديمقراطي، وقضية التحول السياسي. ووجد الحزب نفسه داخل مغامرة المشاركة في حكومة التناوب. فالحزب كما كان يمارس المعارضة القوية، وكما كان يمارس المعارضة الاقتراحية والسياسية، هو نفس الحزب الذي يستطيع ان يدبر، وأن يعالج قضايا وإشكالات من زاوية أخرى. نحن محتاجون إلى هذه التجربة. والمشاركة في حكومة التناوب كانت أساسية. ليس فقط للحزب، بل أيضا للبلاد، ولمستقبل فكرة الديمقراطية. وكانت أساسية لاستنبات وتطوير المسألة الديمقراطية ببلادنا. طبعا هناك نتائج مؤكدة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، لكن ما يهمني هنا هو البعد السياسي لهذه التجربة. واليوم، علينا أن نتأمل ونقوم بتقييم هادئ لحصيلة 10 سنوات. وقناعتي، أن هذه السنوات كانت محكومة بصيغة التوافق. وهي صيغة كانت صالحة لان تؤطر التجربة الحكومية. لكن اليوم علينا أن نعتبر بأن المشاركة الحكومية ليس عليها بالضرورة أن تتأطر بفكرة التوافق. فالمشاركة الحكومية عليها أن تتأطر بمنطق المشاركة الطبيعية. عندما يحصل حزب معين داخل تحالف منسجم وطبيعي على الأغلبية، فالمفترض أن يمر إلى التجربة الحكومية ليطبق برنامجه التنافسي الذي عرضه على الناخبين. علينا أن ننتقل من منطق المشاركة في الحكومة لترجمة ولتنفيذ مشروع سياسي توافقي إلى فكرة المشاركة في الحكومة بشكل طبيعي. وعندما ننهي من منطق التوافق، والذي يجب أن نقول اليوم بأنه قد انتهى، لأنه انتقالي بطبعه، علينا أن نترك للمشاريع الاجتماعية التباري للفوز بثقة الناخبين. وبعد ذلك، علينا أن نفكر هل وضعتنا نتائج الانتخابات في صف الاستمرارية أم في صف المعارضة. ونحن اليوم في حاجة إلى هذه القناعة التي من شانها أن تخلق نوعا من الوضوح السياسي. وهي مفيدة للتقدم الديمقراطي ببلادنا.
س. ولكن بنية النظام الانتخابي المغربي لا تسمح أصلا بفرز أغلبية منسجمة لبلوغ هذا الهدف. هل يستدعي الأمر مراجعة النظم الانتخابية؟.
ج. أنا متفق معك. فطبيعة الاقتراع الانتخابي الحالي من إحدى العوائق البنيوية في سبيل الحصول على أغلبية برلمانية منسجمة. بل أكثر من ذلك فنمط الاقتراع الحالي، لا يساعد الأحزاب السياسية، حتى المتقاربة منها على إعلان تحالفاتها السابقة قبل النتائج الانتخابية. وهو ما يساهم في إضعاف الظاهرة الانتخابية. لأن الانتخابات لا تتحول إلى صراع بين تقاطبات، وأحلاف واضحة، ذات مشاريع متمايزة، كل واحدة لها أجوبة واضحة على الإشكالية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما يسمح للناخب بالاختيار بكل وضوح. إن نمط الاقتراع الحالي، يدفع، على العكس، إلى الإعلان عن التحالفات إلى ما بعد الانتخابات. وهو ما يجعل هذه التحالفات غير طبيعية، وغير محملة بالحد الأدنى من الانسجام السياسي. إذن، فالانتقال من زمن التوافق إلى زمن التباري حول المشاريع، يقتضي من بين ما يقتضيه تغيير في نمط الاقتراع.
س. وهل يستدعي الأمر مراجعة دستورية؟
ج. قضية المراجعة الدستورية كذلك من النقط التي تحضر لا شك عندما نفكر في تقييم هذه السنوات العشر. وأنا أعتقد بأن 7 شتنبر أكدت بأن مرحلة سياسية قد انقضت. والاتحاد الاشتراكي أوكل إلى لجنة لتقييم الانتخابات، وهذه اللجنة وجدت نفسها تقيم لحظة امتدت 10 سنوات. وهي ما يسمى بزمن الانتقال، وزمن التوافق، أو بناء الثقة. لنسميه ما شئنا، ولكن هناك قناعة داخل الاتحاد، وداخل المناضلين الديمقراطيين اليساريين، بأن هذه المرحلة قد انتهت. وحزب آخر، هو حزب التقدم والاشتراكية دعا في ندوة نظمها إلى تعاقد سياسي جديد. هذا، معناه أن هناك تعاقد سياسي قديم قد انتهى. إذن، هناك صيغة سياسية حكمت المشهد السياسي المغربي، وحكمت العلاقة ما بين أطرافه. هذه الصيغة يبدو اليوم أنها انتهت. وعندما نفكر في تقييم إيجابياتها، لا شك أننا سنقف عند العنصر المؤسساتي، وعند العنصر الدستوري.
وعندما نقف على هذا المستوى، ينبغي أن نقف دون أوهام كبرى. فلا ينبغي أن نتصور بأن النص الدستوري كاف لوحده بأن يحل كل الاشكاليات. ولكن مع ذلك، يجب القول بأن هناك أشياء ينبغي تقويتها، وهناك مؤسسات ينبغي توضيح سلطتها. فسلطات الوزير الأول، وسلطات الحكومة ينبغي أن تتقوى بشكل أكبر. وهناك إشكالية مؤسساتية ينبغي معالجتها وهي الغرفة الثانية. هل يجب حذفها، أم ينبغي إعادة هندسة اختصاصاتها بشكل لا تصبح فيه الغرفة الثانية عبئا على النظام التشريعي.
س. هل سيطرح المؤتمر القادم مسألة المشاركة في الحكومة الحالية؟
ج. أعتقد بأن الإشكال أكبر من المشاركة في الحكومة الحالية. الإشكال هو هل سيتوفق المؤتمر الوطني القادم في بلورة خط سياسي جديد يستجيب للتحولات التي يعرفها الحقل السياسي المغربي، خاصة بعد انتخابات 7 شتنبر. هل سنتوفق في بناء معالم خط سياسي بديل عن الخط الذي دبرنا به المرحلة السياسية السابقة.. قضية المشاركة من عدمها هي مجرد عنصر ضمن هذا التصور. ولا أخفيك بأنها قضية مطروحة للنقاش. وخلال الأعمال التحضيرية، كان هناك نقاش مفتوح، ومواقف وتقاطبات حول هذه المسألة، وحول الأفق السياسي الذي تندرج فيه هذه المشاركة، وحول العلاقة التي ينبغي أن تنتظم الحزب والمؤسسة الحكومية، خاصة على ضوء ما قررته القيادة الحزبية في بيان 21 أكتوبر حول ما سمي بالمساندة النقدية. قضية المشاركة مطروحة، ولكن مهمة المؤتمر أكبر قياسا مع سؤال ظرفي. ولا يمكن أن تطرح المسألة إلا ضمن أفق أكبر.
س. إذن أنتم تنتظرون مؤتمرا سياسيا بهذا المعنى؟
ج. طبعا الأسئلة المطروحة تفرض على الاتحاد الاشتراكي أن يقدم أجوبة سياسية على مرحلة سياسية جديدة. فالمؤتمر هو محطة لإعادة التموقع السياسي والاجتماعي للاتحاد. والمؤكد أن المحطة القادمة يجب أن تكون محطة سياسية وليس فقط محطة تنظيمية.
س. تشير وثيقة التقرير حول "الهوية" التي ستقدم إلى المؤتمر بان الربط بين الديمقراطية والاختيارات الاشتراكية للحزب ظل حبيس الأدبيات، ولم يفعل على أرض الواقع. ما هي في نظركم المهام المطروحة على الاتحاد لإعادة الاعتبار لهذا الربط؟
ج. عندما نفكر في مسألة الإصلاح المؤسساتي، والإصلاح السياسي، فالأمر يتطلب بكل تأكيد طرح المسألة الاجتماعية. وينبغي اليوم إعادة الاعتبار للمسألة الاجتماعية. فهي جوهر الانتماء الاشتراكي، وقد ظلت متغيرا ثانويا بالمقارنة مع المتغير السياسي. فعندما كان الاتحاد في المعارضة كان الإشكال السياسي هو الطاغي. وكانت أسئلة الدستور، والانتقال والتعاقد هي الأسئلة الطاغية. وعندما دخل الاتحاد إلى التجربة الحكومية فإنها كانت محكومة بسقف سياسي، لم يستطع الاتحاد، ولا الأحزاب المشاركة معه أن تقدم أجوبة قوية على الجوانب الاجتماعية. وحتى اليسار الذي ظل خارج التجربة الحكومية ظل هو الآخر مسكونا بالجانب السياسي. وبالتالي، فنحن كاشتراكيين نحتاج إلى نقد ذاتي جماعي. والمسألة الاجتماعية تحتاج إلى إعادة التموقع الاجتماعي، وإلى العودة القوية إلى المجتمع، والتجاوب مع أسئلته. وأكثر من ذلك فإنها تحتاج إلى إعادة الامتلاك النظري والفكري للمسألة الاجتماعية.
أعتقد أن العائلة اليسارية اليوم تتوفر على مسألة موحدة في أجندتها المختلفة وهي قضية الإصلاح السياسي. وتتوفر، إضافة لهذا، على نقطة أساسية وهي المسألة الاجتماعية. فإذا كان اليسار يسارات متعددة، تتفق على مرجعية إيديولوجية وقيمية مشتركة هي النضال من أجل الحداثة، والمساواة، والتنوير، نستطيع في هذه الجبهات (القضية الاجتماعية والثقافية والسياسية) أن نحقق مجالا مشتركا للعمل. ونحتاج عن طريق المسألة الاجتماعية أن نحقق مقاربة جديدة لوحدة اليسار، وأن لا نرتهن لوحدة الأجهزة، ولا إلى وحدة القيادات، أو الوحدة النظرية السابقة عن العمل. نحتاج أن نجرب العمل الوحدوي من بوابة النضال الاجتماعي. وبالتالي، سنحتاج أن نعيد مسألة الوحدة انطلاقا من العمل الميداني.
س. أنتم محسوبون على تيار "الاشتراكيو الجدد". هل بالفعل هذا التيار موجود، وهل ستعلنون عنه رسميا خلال المؤتمر القادم؟
ج. الأمر يتعلق بحساسية. وهي موجودة. ويشترك حاملوها، والمناضلون المنخرطون فيها في بعض الأفكار الأساسية المتعلقة بالهوية اليسارية، وبضرورة إعمال الديمقراطية الداخلية. هذه الحساسية الاشتراكية الديمقراطية كان لا بد أن تظهر بشكل من الأشكال في بعض اللحظات المرتبطة أساسا بصراعات النفوذ داخل الشبيبة الاتحادية. واليوم، هناك مكسب مهم ، ربما غطت عليه مسألة اللوائح، وهو أن هناك مقرر تنظيمي يتعلق بمسألة العمل بالتيارات. والمقرر التنظيمي المذكور، والذي صادق عليه المجلس الوطني، ينظم طريقة فرز التيارات داخل الحزب، وطريقة تمثيل هذه التيارات. ونعتبر بأن هذه خطوة أساسية. واليوم لم يعد الأمر مطلبا هامشيا. بل هناك وعي جماعي حاد بضرورة تنظيم الاختلاف والتعدد.
س. وهل سيكون اعتماد اللوائح في فرز القيادة والأجهزة الحزبية هو المقدمة التنظيمية لذلك؟
ج. تماما. فاعتماد اللوائح ليس فقط آلية تنظيمية. بل هو ثورة تنظيمية حقيقية. لأننا سننتقل من صيغة التقاطبات التي ظلت تطبع التوترات داخل الحزب، إلى صيغة التقاطبات المبنية على الأفكار، وعلى الأرضيات المبنية على توجهات سياسية إيديولوجية.
قضية اللوائح ستقطع مع الكثير من المظاهر السلبية التي ظلت مرتبطة بالتصويت السري. وهي آلية لم تعط أي معنى لهذا التصويت. وفي الممارسة كانت هناك العديد من المنزلقات، (الإقصاء،اللوائح السرية...). اليوم، نريد أن نصوت على الأفكار، وعلى الأرضيات. فكل أرضية مطالبة أيضا بتقديم لائحة الأعضاء الذين تقدر بأن لهم الأهلية لتمثيلها. إذن، فاللوائح قد تشكل محطة أساسية لإقرار العمل بمبدأ التيارات.
س. تأسست في المدة الأخيرة جمعية "الحركة لكل الديمقراطيين" التي يتزعمها فؤاد عالي الهمة. وأعلنت عن أرضيتها التأسيسية، وعن انشتغالاتها. ما هو تقديركم لهذه الحركة؟.
ج. ينبغي أن نؤكد على بعض الأشياء الضرورية. فالقول بأن هناك أزمة داخل الأحزاب السياسية، وبأن هناك حاجة إلى تأهيل الحقل السياسي... هذه المقولات، وهي أساسية في الخطاب الذي تحمله هذه الحركة، تحتاج إلى نوع من النقد والمساءلة. طبعا، هناك أزمة داخل الأحزاب السياسية. وهذا أمر مؤكد وبديهي. لكن هذه الأزمة في تقديري هي أزمة تحول. فالأحزاب عانت لعقود طويلة لكي تنظم وتؤطر مناضليها. واليوم، مع مرحلة التحول يبدو أنها تحتاج إلى إعادة تأهيل. لكن هذا لا يعني، بأي حال من الأحوال، بأن هذه الأحزاب انتهت، وبأن وظيفتها انتهت. المغرب محتاج إلى أحزاب ديمقراطية. فنتائج 7 شتنبر أكدت بأن الأزمة ليست في الأحزاب فقط، ولكن في السياسة أيضا. والمواطنون الذين لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع، لم يفعلوا ذلك لأن الأحزاب ليست ديمقراطية، وليس لها خطاب سياسي قوي. هؤلاء لم يذهبوا لأن هناك أزمة ثقة في المؤسسات السياسية. وإذا كان ينبغي أن نتناقش، فالمنطلق من هذه الفكرة. فالأزمة ليست في الأداة السياسية، بل هي أزمة في السياسة وفي العمل السياسي.
النقطة الثانية، وهي أن المؤسسة الملكية في وقت من الأوقات، مع صراع المشروعيات، كانت ربما في حاجة إلى امتداد سياسي يدافع عن وجودها، ومصالحها، وتصوراتها. وكانت تحتاج إلى اختراق الحقل السياسي. اليوم، الملكية ليست في حاجة لأي حزب يدافع عليها. الملكية أعادت تعريف ذاتها كملكية توافقية. وسؤال من مع الملك، ومن ضد الملك لم يعد سؤالا مطابقا للمرحلة و للواقع.
إذن، "حركة لكل الديمقراطيين"، إذا كانت تفكر في إعادة تأهيل الحياة الحزبية، فأعتقد بأن إشكالية التأهيل مطروحة. نعم، لكن ريما قد نختلف في سبل وآليات المعالجة.
* حسن طارق، عضو المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي
أستاذ جامعي بكلية الحقوق بسطات

ليست هناك تعليقات: