"المغرب في مفترق الطرق"
مع غياب التخطيط والتدبير المعقلن للموارد، وللسياسات العمومية، واستمرار الرشوة، واختلال القضاء سيكون من الصعب بلوغ الحكامة لتحقيق التنمية المرجوة.
"الحكامة العمومية" هي المدخل العملي للتجديد السياسي، والشرط الضروري لإدماج المغرب في مسار التنمية البشرية المستديمة.
إن التطور الحضري لا يمكن أن يتم بشكل متوازن وسليم إلا باعتماد سياسة شمولية للمدن تتجاوز المعنى الضيق للسكنى والتعمير.
يحيل هذا العنوان على جزء من التقرير الذي أُنجز حول 50 سنة من التنمية البشرية بالمغرب، وآفاق سنة 2025. التقرير شمل في مفاصله الكبرى أهم المتغيرات البشرية، والثقافية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والطبيعية للمغرب خلال العقود الخمسة المنصرمة. والعنوان المذكور يكثف السيناريوهات الممكنة في المستقبل. إذ يعتبر بأن المغرب أمام وضع تاريخي حاسم متسم بتعدد الاختيارات والمشاريع، وهي تنتظم إجمالا حول خيارين متعارضين، أو مسارين على وجه الخصوص، متباينين في سماتهما وعواقبهما. المسار الأول مسار تراجعي، والثاني هو مسار المغرب المأمول، وهو مسار محتمل ممكن التحقق.
فكيف يتصور التقرير سمات المسار التراجعي؟
يصرح منطوق التقرير بأن هذا المسار يظل محتملا "إذا لم تصبح الإصلاحات الجارية متينة وراسخة، وإذا لم تصل إلى تحقيق أهدافها، أو إذا أضحت محل مزايدات قابلة لإضعاف الانخراط الجماعي في أوراشها، وأيضا إذا لم تكن البلاد في مستوى التكيف بذكاء مع الرهانات الجديدة والتغيرات التي يشهدها المحيط الدولي".
وتحدد سمات السيناريو التراجعي في تصاعد ما يسمى "بظاهرة المغرب بسرعات مختلفة"، بسبب اللاتكافؤ التنموي بين الجهات. وهو ما سيؤدي إلى تكدس السكان بالمدن التي ستحيط بها أحزمة البؤس، والفقر. وسيؤدي هذا إلى انعدام الأمن، والاستقرار. كما سترتفع الهجرة القروية، وما سيترتب عنها من مشاكل كبرى للمدن. ويفترض هذا السيناريو تفاقم التفاوتات السوسيواقتصادية في مجال التربية بين القروي والحضري، وبين الذكور والإناث.
بالإضافة إلى هذا، سيظل ولوج العلاج غير متكافئ كما أنه من الممكن أن يشهد القطاع الصحي تدهورا في خدماته العمومية، وسترتفع حدة الأمراض المزمنة.
على المستوى الإيكولوجي سيستمر إتلاف الموارد الطبيعية، وسينخفض الغطاء النباتي بشكل مهول.
أما على المستوى الاقتصادي، سيتسبب النمو البطيء والمضطرب للاقتصاد الوطني في الرفع من نسبة الفقر، والهشاشة، والإقصاء، والبطالة. ومن المتوقع أيضا أن يتسع الاقتصاد الموازي (غير المهيكل) "كفضاء بديل" لآثار العولمة. وقد تسير هوامش حركية الميزانية نحو التقلص لاسيما أن "منابع الخوصصة ستنضب بالتدريج".
على المستوى التعليمي، ستكون الوضعية حرجة جدا بالنظر لأفواج المقصيين من المنظومة التربوية.. ومن المحتمل ألا يتجاوز عدد حاملي البكالوريا 12% ممن ولجوا المدرسة في أفق 2020. كما أن التعليم الجامعي لن يكون مؤهلا لمواجهة التنافسية.
ومن جانب آخر، سيتمخض عن دخول اتفاقية التبادل الحر إلى حيز التنفيذ صعوبات كبيرة بالنسبة للقطاعات الصناعية في حالة عدم تأهيل قدراتها التنافسية، وستُفقد آلاف مناصب الشغل من جراء إغلاق المعامل، وبالأخص في القطاعات الصيدلية والنسيجية.
ومع غياب التخطيط والتدبير المعقلن للموارد، والسياسات العمومية، واستمرار الرشوة، واختلال القضاء سيكون من الصعب بلوغ الحكامة لتحقيق التنمية المرجوة.
سيناريو المغرب المأمول:
يستند هذا السيناريو على تقدير بوادر التغيير الذي يعرفه المغرب باستحضار المسار الديمقراطي واللامركزي في رسم السمات المستقبلية للمغرب لبلوغ الآفاق المرجوة لبلد ديمقراطي ولامركزي تتحدد معالمه في:
مغرب تسوده الديمقراطية، منفتح على القيم العالمية (حقوق الإنسان، والحرية والمساواة بين الجنسين...) يحافظ على أصوله، ويعطي القيمة المستحقة لتنوعه الثقافي، ويتقاسم قيم التقدم. مغرب بإدارة شفافة، تعطي الأولوية للتخطيط بدل الارتجال، وتصاغ فيه اختيارات التنمية بطريقة تشاركية اعتمادا على الحكامة..
مغرب لا مركزي تسهم فيه مختلف المكونات بطريقة متوازنة، يتألف من جهات تحظى بسلطات واسعة في الميادين الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، تدار فيها المدن بطريقة عقلانية، في فضاء ترابي متوازن نسبيا ويدمج العالم القروي في سياساته، ويأخذ بعين الاعتبار خصوصياته الاقتصادية والبيئية والديمغرافية.
إن رهانات المغرب الممكن، كما يصرح بذلك تقرير الخمسينية، تتطلب تحقيق التجاوز النهائي للمعيقات التي تشكل مصدرا لعوامل التأخر. وهي عوامل ما تزال ترهن مستقبل البلاد. وبالتالي، فإن مختلف الأوراش الحاسمة (التعليم، الحكامة، الاقتصاد، الصحة، الإدماج...) ينبغي أن تسمو عن الظرفيات والتناوبات السياسية. فقضايا مصيرية من قبيل النهوض بالتعليم، والاندماج في مجتمع المعرفة، ومحاربة التهميش والفقر والبطالة، والتأهيل الاقتصادي والإداري والثروة المائية والطاقية... تشكل في مجموعها قضايا حيوية وحاسمة في مستقبل المغرب.
ويجمل التقرير رهانات المستقبل في:
* توطيد الممارسة السياسية، وتقوية التماسك الوطني وتحسين نظام الحكامة، من خلال استكمال الانتقال الديمقراطي ودخول البلاد في مسار ممارسة سياسية عادية، وجعل الديمقراطية المحلية اختيارا مستقبليا. وفي هذا المجال، يُعتبر دور الأحزاب السياسية حاسما، شأنها في ذلك شأن دور وسائل الإعلام والمجتمع المدني. كما أن اللامركزية يجب أن تتجاوز مرحلة الخطاب لتصبح واقعا فعليا بتوفير الوسائل المناسبة للجماعات المحلية لتتحول الجهة إلى فضاء للتعبير والتمثيل السياسي. وتعتبر "الحكامة العمومية" المدخل العملي للتجديد السياسي، والشرط الضروري لإدماج المغرب في مسار التنمية البشرية المستديمة من خلال جعل القرار العمومي أكثر عقلانية وشفافية وإرساء البعد الترابي في إدارة السياسات والبرامج العمومية (تقوية اللاتمركز)، بالإضافة إلى ضرورة النهوض بجودة الخدمات المقدمة للمواطن.
* الاندماج في مجتمع المعرفة بإعادة تحديد الوظائف الاجتماعية والثقافية والمعرفية للمدرسة "كمؤسسة منتجة للمعنى ولقيم المواطنة وضامنة للارتقاء الاجتماعي، وحاملة لأفكار التقدم، وقادرة على ربح رهان الجودة، ويتحمل فيها رجال التعليم كامل مسؤولياتهم تجاه المتعلمين.
ومن ناحية أخرى، فإن الاندماج في مجتمع المعرفة لا يتطلب الاكتفاء بنقل التكنولوجيات، وتوسيع دائرة انتشارها، على مستوى المقاولات والإدارة والأسر فقط، بل يستوجب التوفر على القدرات الذاتية في مجال البحث والتنمية تكون ملائمة مع حاجيات السكان، ومع مستلزمات النمو الاقتصادي.
* إعادة بناء اقتصاد تنافسي من خلال اعتماد فلاحة متجددة، وعصرية، وتنافسية، وتطور قطاع الصناعة والخدمات، وتقوية تنافسية المقاولات الوطنية. كما يتعين نهج استراتيجية ناجعة في مجال التصدير توازيها سياسة محكمة لجلب رؤوس الأموال والاستثمارات الخارجية.
وبالنظر إلى المتغيرات الديمغرافية المتسارعة، فإنه يتعين الرفع من وثيرة التشغيل السنوي إلى حدود 400 ألف منصب شغل سنويا. وفي سياق العولمة، فإن تشجيع بروز "أقطاب جهوية للتنافسية" يظل رهانا مركزيا. كما أن التحكم في التدبير المائي بعقلانية ونجاعة يعد مطلبا استعجاليا لتجاوز مخاطر الندرة المائية. ومن اللازم تطوير الطاقة النووية المدنية للاستفادة من خدماتها.
* مكافحة الإقصاء والفقر. وفي هذا الصدد، يجب اعتماد سياسة حقيقية للمدن، لأن المغرب يتجه في العقدين القادمين إلى انتقال الساكنة إلى المدن بمعدل 7 مغاربة من أصل 10. ومن ثم، فإن التطور الحضري لا يمكن أن يتم بشكل متوازن وسليم إلا باعتماد سياسة شمولية للمدينة تتجاوز المعنى الضيق للسكنى والتعمير. يقول التقرير: "بما أن المدن ستصبح مواقع إستراتيجية للتغيير وخلق الثروات، وفي الآن ذاته، مجالا لانتشار ظواهر الإقصاء والفقر، فإن "معركة المدينة" يجب أن تتسع لتشمل كل ما يتعلق بإطار العيش والأمن والنشاط الثقافي والمرافق الحضرية للنقل وتحسين مستوى الانسجام بين المرافق السكنية والإنتاجية".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق