لقد عاش المغرب منذ الاستقلال إلى التسعينات الصراع السياسي والذي لا يمكن أن نعتبر دوافعه لها علاقة بضعف وطنية أحد الأطراف المتصارعة. والدليل على ذلك أن هذا التاريخ تخللته حوارات سياسية مسؤولة ومحاولات عديدة لإيجاد توافق سياسي يخدم المصلحة العليا للبلاد. بالموازاة مع هذا، عاش المغرب من حين لآخر الصراع العنيف نتيجة التفاعلات التي لم تتوج بارتقاء الحوار السياسي إلى مستوى إنضاج منظومة سياسية واضحة المعالم قوية بمؤسساتها وبوعي مواطنيها. إن عدم الالتقائية في المنطق السياسي بين المكونات السياسية الأساسية للمجتمع المغربي كان نتاجها توترات وتهديدات خطيرة وضحايا لم ينج منها أي طرف من المكونات السالفة الذكر (توترات سياسية، تهيجات اجتماعية، الفساد الاقتصادي والسياسي، محاولات انقلابية عسكرية، اعتقالات، اختطافات،...). انه صراع لوجهات نظر سياسية زادت حدته بسبب المتغيرات الدولية آنذاك. إن هاجس استمرارية النظام السياسي كمعطى تاريخي للبلاد جعل الفعل العمومي ورد الفعل السياسي خارجين عن الأهداف التنموية التي يصبو إليها المجتمع المغربي. وبذلك لم تستغل التراكمات السياسية ذات القيمة التاريخية الكبرى في الاستمرار في بناء جسور المغرب المستقل والتي توجت بعودة الملك محمد الخامس من المنفى،. لقد اشتد الغموض بافتراق الإرادات، وتم التفريط في المكاسب الشعبية لبناء دولة بمؤسسات قوية لا تفسح المجال للوسطاء والانتهازيين. وما يؤسف له أن تعكير الفضاء السياسي المغربي أفسح المجال للاستغلاليين الذين تمكنوا من تحويل البلاد إلى بقرة حلوب. ونجحت محاولات إفشال التوافق السياسي واستمر الاستنزاف حتى موعد إعلان ما يسمى ب "السكتة القلبية".
إن هذا الإعلان الرسمي والذي وازاه تحطيم حائط برلين وإعلان النظام العالمي الجديد، كان مناسبة لتقديم هدية للمغاربة توجت بالانتقال الديموقراطي أو الانتقال التوافقي كما يحب أن يسميه ذ عبد الرحمان اليوسفي، تلاها بعد سنتين مبايعة الملك محمد السادس في جو تسوده الثقة المتبادلة. وكانت هذه المناسبة فرصة وطنية للتأكيد بأن المغرب أضاع بالفعل 40 سنة بفعل وساوس ودسائس ما يسمى بالقوة الثالثة كما يسميها المفكر عابد الجابري. لقد وجد الشعب المغربي نفسه لأول مرة في تاريخه المعاصر أمام حياة سياسية من نوع جديد تنعدم فيها بوادر الصراع والرجوع إلى الوراء.
وفي هذا الصدد، لا بد من الإشارة لبعض المحطات الأساسية التي ميزت المرحلة الجديدة:
· تزكية حكومة السيد عبد الرحمان اليوسفي وتعديلها فيما بعد،
· تقديم حصيلة العمل الحكومي وإجراء انتخابات جديدة
· حصول الاتحاد الاشتراكي على المرتبة الأولى في انتخابات 2002،
· مطالبة حزب الاستقلال بحقيبة الوزير الأول
· تنصيب السيد إدريس جطو وزيرا أولا من خارج الأحزاب السياسية كحدث اعتبره الاتحاد الاشتراكي خروجا عن المنهجية الديموقراطية،
· تقديم حصيلة حكومة السيد ادريس جطو،
· انتخابات 7 شتنبر 2007 والتي افرزت ثلاثة أحداث بارزة: ضعف المشاركة الانتخابية (37 بالمائة)، حصول الاتحاد الاشتراكي على الرتبة الخامسة وحصول السيد علي الهمة على 100 بالمائة من مقاعد دائرته الانتخابية وتكوينه لفريق برلماني وازن وإعطائه الانطلاقة لحركة لكل الديموقراطيين.
· النجاعة والصرامة في تدبير الشأن العام سواء تعلق الأمر بالتعيين في مناصب المسؤولية أو السهر على جودة الفعل العمومي وحسن تدبير المشاريع والأوراش التنموية،
ونتيجة للتراكمات، خصوصا مند 1998، أصبح النضال تحت ذريعة وجود "مطالب" سياسية وحقوقية ثانويا. إن ما يعرفه المغرب من تطورات سياسية واقتصادية عميقة تكاد تؤكد أن المغرب يعيش لأول مرة في تاريخه السياسي مشروعا مجتمعيا متكاملا ومبلورا بطريقة احترافية وواعية بالظرفية الوطنية والدولية
إن الظرفية الاقتصادية والاجتماعية الحالية وكذا السياسية تؤهل المؤسسة الملكية لتكون المدبر « Manager » للعمل التنموي بمنهجية تشاركية واندماجية. هذا، لأن المغرب يحتاج اليوم لفاعل قوي يضفي الفعالية والجودة والمصداقية على العمل التنموي وكذا تغيير العقليات وانخراطها في المفاهيم الجديدة للتدبير(الالتقائية، التعاقد العام بالعام و العام بالخاص، المشاركة والتشارك، المسؤولية والتفويض، تنشيط التراب المحلي وإدماج المجتمع المدني في التنمية، التربية والتكوين، العدل،...)
إن ما ينجز اليوم، بالرغم من صعوبة الظروف المناخية، يتحكم فيه منطق تكاملي واع بتحديات الانفتاح (الايجابيات والسلبيات) ويسعى إلى تعزيز مكانة المغرب الجهوية والدولية.إن الإصلاحات والأوراش تهم كل المجالات و التي نذكر منها
* البنية التحتية: من طرق سيارة، موانئ كبرى، طرق وطنية، السكك الحديدية....
* التجهيزات الأساسية و فك العزلة على العالم القروي: طرق، مسالك، الماء الصالح للشرب، الكهربة القروية، التطهير، المراكز الصحية، المدارس، الثانويات، الجامعات والمعاهد،...
* تطوير مناهج وآليات العمل العمومي: الاعتماد على التكنولوجيات الحديثة (المعلوميات)، الالتقائية و بلورة المشاريع المشتركة، اللاتمركز بتفويت اختصاصات مهمة إلى العمال والولاة، الحكامة المبنية على المبادرة، المشاركة، التشارك، التعاقد الايجابي، المفهوم الجديد للسلطة و تجديد دور رجل السلطة في التنمية....
* ابتكار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كمشروع رائد في ميدان التنمية الاجتماعية ومعالجة العجز الاجتماعي لزمن الصراع السياسي، انه مشروع تكويني ومحفز لاندماج المجتمع المدني في التنمية وورش لإنتاج نخب محلية جديدة وتجميع قوى الفاعلين في مشاريع مشتركة ومندمجة (الولاية، العمالة، الجماعات المحلية، المصالح الخارجية، المجتمع المدني، الخواص، الجامعات، الخبراء...)، تأهيل المدن بتوفير التجهيزات الأساسية، المدن بدون صفيح....
* الإصلاحات الإدارية، القانونية والحقوقية: قانون الصفقات العمومية، هيكلة الإدارة، التعويض عن المهام، محاربة الفساد، قانون الحريات العامة، المصالحة السياسية، حقوق الإنسان، قانون الصحافة، قانون الاستثمار، قانون الشغل، قانون الأسرة، حماية الطفل، قانون الأحزاب، الميثاق الجماعي (مراجعة جديدة على الأبواب)، التقطيع الإداري والجماعي والجهوي (تقطيع جديد على الأبواب كذلك)، قانون التعمير (في طور المراجعة)، ...
إن الوضع الحالي بمشاكله ومنجزاته يبرز حقيقتين اثنتين:
* الحقيقة الأولى: لقد قطع المغرب أشواطا كبيرة في تذويب الهاجس الأمني في الهرم المكون من عنصرين اثنين ملتصقين فيما بينهما ويتعلق الأمر "الديموقراطية/التنمية". ويندرج هذا الهرم كليا في مشروع مجتمعي يدبره وينشطه الملك في الوقت الحالي باعتباره المؤسسة القوية القادرة على ضمان تنفيذه بشكل سليم بعيدا كل البعد عن الممارسات السياسوية والخطابات الشعبوية وتكريس الزبونية باليات شرعنة غير قانونية (منح الامتيازات من رخص مهنية، استغلال المقالع، ترخيص السكن الغير اللائق،...)،
* الحقيقة الثانية: هذا الورش التنموي بمنطق جديد والذي ابتدأ منذ تنصيب حكومة الانتقال الديموقراطي سنة 1998، يستدعي الآن توافقا جديدا وواقعيا من شأنه تقوية العمل الحزبي وإرجاع الاعتبار للأحزاب الجادة والمسؤولة ذات الحس الوطني. إن ما عانته وما تعانيه النخب السياسية الكفئة، والجادة من تهميش سياسي بسبب ارتفاع الأمية والنفعية بالمغرب وما صاحبه من ترد في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ليجعل الجميع في وضع نكران الذات لتقوية العمل السياسي في البلاد. إن شباب الأحزاب اليوم (70 بالمائة من سكان المغرب تقل أعمارهم عن 30 سنة) مطالبون بخلق معايير شرعنة جديدة والعمل على ترسيخها في عقول الجماهير.
إن الإصلاحات والأوراش التنموية السالفة الذكر لا يمكن أن تضمن نجاعتها ومردوديتها إلا في حالة انجازها تحت تأطير وتدبير سياسي واع بأنماط التدبير الجديدة وقادر على رفع تحدي الانفتاح باعتماد التنمية الترابية. على الشباب -الفاعل التنموي- أن يكون كتلة واحدة مع باقي الفاعلين والفعاليات الاجتماعية في مختلف المستويات الترابية. ملفنا المطلبي اليوم ليس ملفا نضاليا ضد السلطة بل ملفا تنمويا نشترك فيه مع السلطة، نبلوره جميعا ونسعى لتنفيذه جميعا.
إن المغرب يحتاج إلى مشهد سياسي يليق به ويشرف المغاربة جهويا ودوليا ويجعله قطبا افريقيا بامتياز. على الشباب أن يتكتل بعقلية التضامن والتضحية لكي يقع التكامل في الفعل التنموي والا ستشكل الأحزاب الحلقة الضعيفة في الإصلاح والتنمية. إن هذا الهدف ليس بعيد المنال بل مرتبط بالإرادة السياسية لقادة الأحزاب الوطنية لخلق منظومة لتجديد الطبقة السياسية بخلق الاندماج السريع والكامل بين جيل الحركة الوطنية وجيل ما بعد الاستقلال.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق