إعلام حر، نزيه، مستقل .... موقع صحيفة الجسور المغربية يرحب بزواره الكرام ويتمنى لهم إبحارا ممتعا، فمرحبا بكل التعليقات المفيدة والتوجيهات السديدة...

هذه الجسور .....

أردناها أن تكون صوتا حرا لإعلان الاتفاق أو الاختلاف، دونما رقابة ذاتية أو أحكام معلبة. أردناها أن تكون منبرا يسائل الوقائع من أجل الخطو إلى الأمام، والإسهام في كل هوامش التطور الممكن في مغرب اليوم ضدا على كل اليقينيات الجاهزة، والإرادات المحافظة.

وأردناها أن تكون جسورا للتواصل، والتحليل، والنقد، والإبداع... وابتغينا لها الإسهامَ في محاربة ثقافة الهامش، ومنطق التيئيس الذي أصبح يحتل مساحات واسعة في تمثلات وسلوكات الفرد والمجتمع.

هذه الجسور تعلن انتماءَها، دون تردد، لمسار التحديث، وهاجس البناء... وكم هي شاقة جسور التحديث والبناء في مغرب متحول تحاصره إكراهات التقدم ومستلزماته، وجيوب المقاومة، الظاهرة والمضمرة !

--------------------------------------------------------------------------------------------


الاثنين، أغسطس 11، 2008

الحكم الذاتي ودمقرطة المجال

إن عرض " الحكم الذاتي " كحل لنزاع الصحراء المغربية ليس جديدا، فلقد سبق للمغرب أن قدم مشروعا في 2003 اعتبر حينها في المنتظم الدولي ناقصا، ولم يستوفي الشروط المطلوبة دوليا لإقامة * حكم ذاتي * فما هي الشروط الدولية والدستورية للحكم الذاتي؟ وما هي دواعي هذا الطرح الآن؟ وما هي شروط نجاحه؟ هل يمكن إقامة حكم ذاتي في الصحراء المغربية دون منظور جديد للجهوية؟
1- دواعي ¨ الحكم الذاتي ¨
أصبح الحل السياسي الذي يرضي كل أطراف النزاع يستقطب العديد من الدول الوازنة والتي لها تأثير في الملف مثل، فرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية بل حتى روسيا من خلال تصريح بوتين بمناسبة زيارته الأخيرة للجزائر.
لكن ما هي دواعي طرح صيغة " الحكم الذاتي " الآن؟ هناك على الأقل ست (6) دواعي متداخلة ومتكاملة الهدف منها نقل الملف من الركود الذي يعرفه وخلق التعبئة الوطنية والإقليمية لإنجاح " الحكم الذاتي " كحل ديمقراطي ونهائي للنزاع: أولا – الإعلان الملكي لقرار إعطاء الحكم الذاتي للمناطق الصحراوية رسالة للمنتظم الدولي مفادها أن المغرب متمسك بالحلول السلمية وبمنهجية الحوار لحل قضية الصحراء المغربية. ثانيا – دخول جبهة البوليساريو في أزمة من جراء طول مدة إيقاف الحرب منذ سنة 1991 وخطر تحولها إلى مصدر تسليح الإرهاب في المنطقة حسب تقرير المركز الأوربي للبحث والاستشارات في المجالات الإستراتيجية، وإن لم يكن بشكل رسمي فقد يستهوي أجنحة أو أفراد للتنسيق مع جماعات إرهابية أصبحت الصحراء الكبرى تستهويها للإقامة والتدريب والتسلح ولعل الهجوم على الثكنة الموريتانية لأحسن دليل. مما حرك العسكرية الأمريكية بتنظيم مناورات بمعية بلدان مغاربية وبلدان من الساحل الإفريقي والذي يمكن إدراجه – بالإضافة إلى سياسة مواجهة الإرهاب – في سياق وضع اليد على

* عضو لجنة المتابعة تيار حرية المبادرة الديمقراطية اليسار الاشتراكي الموحد
على هذه المنطقة البكر المترامية الأطراف، التي أكدت دراسات أمريكية، استندت إلى استطلاعات أقمار اصطناعية أمريكية، أن منطقة الصحراء الكبرى تنعم بثروات لا مثيل لها. وحسب نظرية كيسنجر رئيس الدبلوماسية الأمريكية الأسبق فإن التوتر هو المدخل الأمريكي السليم باتجاه المناطق التي لأمريكا فيها مصالح إستراتيجية وحيوية واقتصادية. ثالثا – الفشل العسكري للبوليساريو بسبب الجدار الأمني من جهة والاتفاق ألأممي بتوقيف الحرب من جهة ثانية أدخل خيار الانفصال في مأزق حقيقي عبرت عنه آلاف الارتدادات والانسحابات والالتحاق إما بالمغرب أو الاستقرار في بلدان المهجر بأوربا، وازدادت هذه الأزمة بفشل نظرية الانتفاضة في الداخل وذلك بفشل محاولات استثمار التحركات في العيون وبعض المدن الجامعية. فمبادرة " الحكم الذاتي " من شأنها تعميق الفرز داخل البوليساريو ودفع الجماهير الصحراوية بأن تكون لها كلمتها في الموضوع و ليس فقط القيادة السياسية والعسكرية للبوليساريو. رابعا – تعيش البلدان المغاربية كلها اختناقات في إمكانيات التطور الاقتصادي والاجتماعي، فمجرد فتح الحدود بين المغرب والجزائر يجلب للبلدين نموا اقتصاديا ما بين 1،5 ٪إلى 3٪. وكل مماطلة في بناء الاتحاد ألمغاربي من شأنها أن تضيع لشعوب المنطقة ظروف مواتية للتنمية، وبناء القوة المغاربية الملائمة للتفاعل مع التحديات الدولية الراهنة، ليس أقلها الاندراج في سياق العولمة الكاسحة من موقع وازن. خامسا – يعيش المغرب أجواء الإنصاف والمصالحة لمعالجة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وحضيت الأقاليم الصحراوية بقسط وافرمن التقرير النهائي للهيئة. فبالإضافة إلى معالجة الحالات الفردية والجهوية يوجد الإشكال السياسي والاستراتيجي في عمق الحل لتسوية الوضع في الصحراء المغربية بشكل نهائي. سادسا – يتهيأ المغرب لإعداد دستور جديد من المنتظر أن يعمق المكتسبات الديمقراطية، وقد تشكل دمقرطة المجال إحدى التطورات المهمة في المغرب المعاصر. فالحكم الذاتي ¨ تستدعيه إذن، دواعي متعددة لتحريك الملف من أجل حل نهائي متفاوض عليه يمكن سكان الصحراء من ¨استقلال ذاتي ¨ تحت السيادة المغربية وهو الحل المنطقي والسياسي والاستراتيجي الممكن.

2- الإطار النظري للحكم الذاتي.
يعتبر الحكم الذاتي من المفاهيم التي أثارت العديد من الخلافات نظرا لغموضه وتشعبه، قد يتخذ أحيانا طابعا إداريا وقانونيا باعتباره أحد أشكال اللامركزية الإدارية، وأحيانا أخرى طابعا سياسيا بالإضافة إلى طابعه الإداري والقانوني، وقد اكتسب هذا الغموض والتشعب نتيجة للمعاني والأدوار التاريخية التي مر بها. فالحكم الذاتي ذو تاريخ طويل في الفكر السياسي والفلسفي والقانوني، فقد انشغل القانون الدولي العام بموضوعة ¨ الحكم الذاتي ¨ على الأقل منذ بداية القرن الماضي في عصبة الأمم و الأمم المتحدة وتطور إلى بنود واضحة في المواثيق الدولية وذلك بمناسبة اضطرار البلدان الاستعمارية للاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها عن طريق منح الاستقلال الذاتي للأقاليم الخاضعة لها.
وانشغل كذلك القانون العام الداخلي بموضوع الحكم الذاتي في البلدان التي أسهمت ظروفها التاريخية والاجتماعية والسياسية في وجود قوميات أو جماعات متباينة.

أ- الحكم الذاتي في المواثيق الدولية
انتقل الحكم الذاتي من نطاقه الضيق باعتباره مسألة داخلية تنظم عن طريق قانون صادر من الهيئة التشريعية للدولة الاستعمارية إلى نطاق القانون الدولي العام، فأصبح مسؤولية من مسؤوليات المجتمع الدولي، ممثلا في الدول القائمة على إدارة هذه الأقاليم، وفي المنظمات الدولية ( عصبة الأمم – الأمم المتحدة ) التي تتلقى التقارير السنوية عن أوضاع هذه الأقاليم وتراقب مدى تطورها وتقدمها نحو الاستقلال، وبهذا التطور خرج الحكم الذاتي إلى نطاق الشرعية الدولية.وترتب على ذلك اعتبار كل انتهاك للمبادئ والقواعد التي تقررت بشأن هذا المفهوم انتهاكا للميثاق نفسه. وأي مخالفة للالتزامات المحددة التي يفرضها الميثاق مخالفة لأحكامه تستتبع تطبيق ما يرتبه من جزاءات وفق قواعد القانون الدولي العام.
وقد ارتبط الحكم الذاتي في القانون الدولي العام بالعديد من المفاهيم والمبادئ السامية أبرزها حق تقرير المصير والاستقلال الوطني، وقد جرى تضمين مفهوم الحكم الذاتي في ميثاق منظمة حلف شمال الأطلسي، وأشارت إليه الوثائق الأولى للأمم المتحدة وأيضا مسودة دستور وميثاق الأمم المتحدة.
وفي الفصل الحادي عشر من ميثاق الأمم المتحدة وفي المادتين 73و76 أشير إلى مفهوم الحكم الذاتي، والتزام الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الذين يضطلعون بإدارة أقاليم لم تنل شعوبها قسطا من الحكم الذاتي الكامل بمراعاة العمل على تنمية هذه الأقاليم. وشمل هذا الالتزام جانبين: أولهما، كفالة تقدم هذه الشعوب، وثانيهما، إنماء الحكم الذاتي.
وقد قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتشكيل لجنة عام 1946 عرفت فيما بعد بلجنة الإعلام عن الأقاليم غير المحكومة ذاتيا. وشغل تعريف هذه الأقاليم حيزا كبيرا من المناقشات وذلك في ضوء المادتين 73و76 من الميثاق، وأفضت هذه المناقشات إلى تبني عدد من المعايير العامة التي لابد من توفرها في الإقليم، حتى يمكن انطباق صفة الحكم الذاتي عليه وهي:
ضرورة توفر سلطة تشريعية في الإقليم تتولى سن القوانين، ويتم انتخاب أعضائها بحرية في إطار عملية ديمقراطية أو أن تشكل بطريقة تتوافق مع القانون، وتجعلها موضع اتفاق السكان.
سلطة تنفيذية يتم اختيار أعضائها في جهاز له هذه الصلاحية ويحظى بموافقة الشعب.
سلطة قضائية يناط بها تطبيق القانون واختيار القضاة والمحاكم، كما تضمنت هذه المعايير ضرورة التحقق من مشاركة السكان في اختيار حكومة الإقليم من دون أية ضغوط خارجية مباشرة أو غير مباشرة،
ب- الحكم الذاتي في القانون العام الداخلي.
قام مشرعو القانون العام الداخلي التي ساهمت ظروفها التاريخية والاجتماعية والسياسية في وجود قوميات أو جماعات متباينة بمحاولات للتخفيف من الطابع الاستعماري لمفهوم الحكم الذاتي، وذلك بتصويره فكرة مستمدة من مبدأ حق تقرير المصير، وقاموا بتنظيمها في إطار قانوني ليكون أساسا لحل المسألة القومية ومشكلة عدم التكامل. ومن خلال ذلك ظهرت تطبيقات عديدة ومتباينة في العديد من البلدان ( ايطاليا – إسبانيا – بلجيكا –ألمانيا –أرجنتين – الهند – كندا – وغيرها ). واقتنعت تبعا لذلك الحركات القومية والتنظيمات السياسية في الدول متعددة القوميات بأن الحكم الذاتي يشكل إحدى التعبيرات السياسية التي يمكن بواسطتها تنمية التراث الحضاري والثقافي، وقيام الجماعات القومية بإدارة شؤونها الداخلية في إقليمها القومي. وانطلاقا من هذا التصور للحكم الذاتي، اتجهت هذه المجموعات إلى تبني هذا النظام دون رفع شعار المطالبة بالانفصال والاستقلال التام، حفاظا وصيانة للوحدة الوطنية. واتجهت معظم الدول التي تعاني من الصراع الداخلي وعدم التكامل الوطني إلى النص صراحة على الحكم الذاتي في صلب دساتيرها.
ويقصد بالحكم الذاتي الداخلي نظام قانوني وسياسي يرتكز على قواعد القانون الدستوري. فهو نظام لا مركزي مبني على أساس الاعتراف لإقليم مميز داخل الدولة بالاستقلال في إدارة شؤونه تحت إشراف ورقابة السلطة المركزية. ولهذا فهو في نطاق القانون الداخلي أسلوب للحكم والإدارة في إطار الوحدة القانونية والسياسية للدولة، ويمكن أن يكون في إطار الدولة البسيطة التي تعتمد أللامركزية في الحكم أو الدولة الفيدرالية،
ولا يشمل الحكم الذاتي الصلاحيات الكاملة التي يشملها مفهوما الاستقلال والسيادة، فكلاهما يرتبط بالدولة التي تمتلك القدرة على التنظيم الذاتي كجهاز سيطرة وردع يضمن الوحدة الوطنية.
فالحكم الذاتي يتعرض لقيود واضحة تجعله يتعارض مع مفاهيم السيادة والاستقلال، فالسيادة تعود للدولة صاحبة السلطة الوطنية بكل ما يتطلبه ذلك من رموز السيادة.
ج- مشكلات الحكم الذاتي في التطبيق.
* مشكلـة الشخصيـة الدوليـة.
إن الدولة كوحدة للقانون الدولي تتمتع بالشخصية الدولية، مع مراعاة ما يرافق ذلك من حقوق والتزامات، فهي تتمتع بالسيادة على إقليمها، وتشارك في الأنشطة التي تهم الجماعة الدولية ككل، ولها الحق في تقرير سياستها الخارجية.
غير أن مختلف تطبيقات الحكم الذاتي لا تجعل الأقاليم الخاضعة له تتمتع بالشخصية الدولية ، ففي إسبانيا، مثلا تتمتع المناطق المحكومة ذاتيا بصلاحيات تشريعية وتنفيذية محدودة بنطاق الإقليم، بينما احتفظت السلطة المركزية في مدريد بتقرير السياسة الخارجية، وشؤون الدفاع والأمن والخارجية، وتقرير السياسات المالية العامة والأنظمة المصرفية المعمول بها في البلاد، وكذلك عقد المعاهدات، سواء كانت اقتصادية أو عسكرية أو سياسية. والنتيجة المترتبة عن ذلك، أن وحدات الحكم الذاتي، سواء كانت في الإطار الداخلي أو الدولي، وسواء تعلق الأمر بالأقاليم أو الجماعات القومية، لا تحظى بالشخصية الدولية، ومن ثم فليست موضوعا للقانون الدولي وإنما موضوعا للقانون الداخلي وشخصا له.
*مشكلـة توزيــع الصلاحيــات.
تتعدد مشكلات توزيع الصلاحيات بقدر تعدد تجارب البلدان التي اعتمدت نظم " الحكم الذاتي " ذلك أنها باستمرار خاضعة للتفاوض والتعديلات حسب المستجدات الطارئة والتجارب ( إسبانيا – إيطاليا – ألمانيا – وغيرها ). وعموما تتلخص في كيفية توزيع الصلاحيات التشريعية والتنفيذية بين الأقاليم المحكومة ذاتيا وبين السلطة المركزية، وعموما هناك ثلاث أشكال في توزيع الصلاحيات: أولا – تعيين صلاحيات مشتركة على المستوى التشريعي والتنفيذي بين وحدات الحكم الذاتي والسلطة المركزية. ومن عيوب هذا الخيار تداخل الصلاحيات في الممارسة مما يجعله غير عملي. ثانيا – الاقتصار على توزيع وتعيين صلاحيات الوحدات الذاتية في مجالات محددة وترك ما عداها للسلطة المركزية كما في إسبانيا وإيطاليا. ثالثا – اكتفاء بتعيين الصلاحيات والمجالات التي تقتصر على الدولة والسلطة المركزية ذات السيادة.
* المسائــل الأمنيــة.
تدخل قضايا الأمن الوطني في عداد صلاحيات الأجهزة المركزية للدولة. وتقتصر المسائل الأمنية في تطبيقات الحكم الذاتي على الأمن الداخلي المحدود بنطاق الإقليم. ومعظم الوحدات المتمتعة بالحكم الذاتي لها صلاحية تشكيل قوة شرطة محلية تضمن تنفيذ التشريعات في مجال الضرائب والتجارة وحماية البيئة، كما هو الحال في جزيرة غرين لند وإلباسك. والملاحظ أن الوحدات المحكومة ذاتيا لا تتمتع كلها بشرطة محلية ذلك أن الأمر يخضع للشروط الخاصة بكل تجربة وإلى التفاوض المستمر حول توزيع الصلاحيات وإمكانيات تطور التجربة على أساس صيانة الوحدة الوطنية.
* السياسة الاقتصادية والمالية العامة.
تمثل وحدات الحكم الذاتي بدرجات متفاوتة جزءا من اقتصاد وطني موحد بسياسة مالية موحدة على الصعيد الوطني. فمع احتفاظ الوحدات المحكومة ذاتيا بصلاحيات التخطيط والتدبير الاقتصادي والمالي وإقامة المشاريع التنموية المختلفة، فإن الحكومة المركزية تحتفظ بصلاحيات لا تقبل المنازعة في تقرير السياسة المالية وسك النقود وتحديد معدلات الصرف، والإشراف على نظام وطني للجمارك والضرائب. كذلك تقرر الدولة في وضع خطط التنمية الاقتصادية، وعقد الاتفاقيات المالية، والقروض مع الدول الأجنبية. ومع ذلك فقد تسمح الدولة في بعض الحالات للحكومات الذاتية، بفرض وتجميع بعض الضرائب المحلية أو تفويضها في ذلك.
وعموما فإن توزيع الصلاحيات بين المركز والوحدات الذاتية يخضع للتطور المستمر انطلاقا من التجربة وملحاحية المتطلبات، الضامن الأساسي لذلك هو القناعة الصميمية بالديمقراطية واللامركزية والتخلص من دعوات الانفصال والاستقلال. ولعل نموذج ألباسك والكاطلان لأحسن مثال على ذلك. فالانتقال السياسي الإسباني كان في الواقع يتضمن انتقالين في نفس الوقت: انتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية وانتقال من المركزية المطلقة إلى اللامركزية. وفي تحقيق صادر في جريدة البايس حول اختيارات تنظيم الدولة، 22٪ يفضلون النمط المركزي القديم و13٪ يفضلون منح الاستقلالات للأقاليم التي ترغب فيها في حين أن 44٪ يفضلون التنظيم الحالي المعتمد على اللامركزية.

3 – الحكــم الـذاتــي في الصحــراء.
أخذ النزاع حول الصحراء المغربية أبعادا متعددة منذ 1975 تاريخ اتفاق مدريد الذي بموجبه استرجع المغرب صحراءه من المحتل الإسباني. فبرزت جبهة البوليساريو التي تأسست في مايو1973 كطرف منازع لهذا الاسترجاع مدعومة في ذلك من طرف الدولة الجزائرية. ويعتبر هذا النزاع، ربما، من البقايا القليلة في العالم في عهد الحرب الباردة بين القطبين الشرقي والغربي.
ومنذ بداية التسعينات دخلت القضية مسارا آخر، عنوانها العريض وقف إطلاق النار والخضوع للمقررات الأممية من أجل إيجاد حل سلمي. انطلقت المحاولات الأولى بإحصاء السكان تهييئا للاستفتاء، واتضح أن هذه العملية مستحيلة كقناعة توصلت إليها المينورسو ومن خلالها الأمم المتحدة، وجاءت بعد ذلك اللقاءات المختلفة الرسمية وغير الرسمية بين المسؤولين المغاربة والبوليساريو دون نتائج ملموسة، تلاها وصاحبها مشروع بيكر الأول والثاني دون نتيجة. وأصبحت القناعة راسخة من خلال مسيرة 30 سنة من النزاع بأن الحل الممكن هو حل متفاوض عليه يرضي كافة الأطراف. " فالحكم الذاتي " يعتبر حلا سياسيا توافقيا مشرفا لكافة أطراف النزاع يتجاوز مفهوم الغالب والمغلوب، وتعتمد صيغته بقاء الصحراء تحت السيادة المغربية في نطاق نوع من " الاستقلال الذاتي " وقائم على الوحدة الوطنية والمشروعية الدولية واحترام خصوصيات المنطقة. ومن ثمة فتطبيق الحكم الذاتي على الصحراء يقتضي منح سكان الأقاليم الصحراوية صلاحيات واختصاصات واسعة في الميادين التنفيذية والتشريعية والقضائية لتدبير شؤونهم المحلية في إطار السيادة والوحدة الترابية للمملكة واحترام مبادئ الديمقراطية واللامركزية.
فالاستقلال الذاتي يجب أن يشكل وضعا نهائيا وأن يكون في إطار تطور الديمقراطية واللامركزية في المغرب وبناء الجهة وفتح المجال لأبناء الأقاليم الصحراوية للمبادرة الحرة في استغلال خيرات جهتهم اقتصاديا واجتماعيا وخدماتيا. وفي هذا الإطار لابد من استحضار اجتهادات وتطورات القانون العام الدولي والقانون الدستوري ودراسة مختلف التجارب، ليس بغرض استنساخها ولكن للاستفادة منها واستحضارها في الحوار والمفاوضات مع البوليساريو كطرف رئيسي في الحل. وهو الذي من المفترض أن يتوج بتزكية الأمم المتحدة التي ما فتئت في تقاريرها منذ فشل مساعي بيكر تدعو إلى الحوار بين أطراف النزاع واعتماد حل سياسي متوافق عليه.
ولا نعتقد أن البوليساريو وحدها معنية بالحكم الذاتي، بل كذلك الصحراويون الوحدويون معنيون بتفاصيل الاتفاق ولو أن الدولة بسيادتها تمثلهم مبدئيا في الحوار، ولكن يتطلب الأمر مشاورات مختلفة مع هيئاتهم المتنوعة –قبلية وسياسية ومدنية – وهو العمل الذي من شأنه أن يخلق رئيا مساندا ومقتنعا بالحكم الذاتي في الصحراء.
عنصر آخر لابد وأن يطرح نفسه في سياق هذا التطور هو أن الصحراء غير محدودة بشريا وطبيعيا في الأقاليم المتنازع عليها بل تمتد إلى شمالها مثل كلميم وطانطان وغيرها مما يطرح جديا في إمكانيات خضوعها للجهة المحكومة ذاتيا.

4- دمقــــرطـــة المجـــــال.
حين يدخل هذا الاتفاق حيز التنفيذ في حالة تذليل مختلف الصعوبات والتعقيدات التي يطرحها. فهل معنى هذا أن المقتضيات المتعلقة بالحكم الذاتي ستبقى مقتصرة على جهات الصحراء التي ستشكل نظاما خاصا بالمقارنة مع باقي الجهات أم أن الأمر يستدعي تعميق الجهوية وتعميمها. الشيء الذي يتطلب مراجعة دستورية خاصة فيما يتعلق باختصاصات الجهات.
يمكن القول أن هناك نوع من العلاقة التفاعلية بين تطور قضية الصحراء والمسألة الديمقراطية في المغرب منذ 1975. فكلما تطورت الديمقراطية إلا وازداد التماسك الاجتماعي والسياسي وتقوت مصداقية المغرب في المنتظم الدولي، مما يؤثر على التعامل مع مواقفه من الحلول المقترحة. والآن مع مقترح الحكم الذاتي لابد وأن يكون لذلك تأثير على تطور الديمقراطية في المغرب في التعامل مع مسألة الجهوية في اتجاه تعميق اللامركزية. فخطاب احتجاجي على الدولة يمكن أن يتأسس إذا لم يتم الانتباه إلى دمقرطة المجال في حال تمتيع الصحراء بنظام الحكم الذاتي. فاللامركزية هي نوع من توزيع السلطة على المجالات الجهوية. فظهير 16 يونيو1971 الذي بموجبه أحدثت سبع جهات اقتصادية، اعتبر الجهات مجرد مقاطعات ترابية للتخطيط الاقتصادي وإعداد التراب. ورفع دستور 1992 الجهة إلى مستوى الجماعة المحلية في تدبير الشؤون الجهوية. لكن دستور 13 شتنبر 1996 كان أكثر وضوحا بحيث اعتبر الجماعات المحلية بالمملكة هي الجهات والعمالات والأقاليم. وجاء ظهير 12 أبريل1997 ليوضح صلاحيات الجهات في التخطيط والبرمجة ومراقبة السلطات الحكومية والتدبير المالي. وحدد مرسوم 17 غشت 1997 عدد الجهات. ولقد تعرض هذا القانون بمختلف أصنافه ( الدستور- الظهير – المرسوم ) إلى انتقادات سياسية واسعة ذلك أنه يعطي صلاحيات محدودة ويخضعها لرقابة متشددة من طرف السلطة الترابية ( الولاة والعمال ). بالإضافة إلى أن هذا التقسيم الجهوي حركته هواجس انتخابية خدمة للخريطة السياسية المطلوبة أكثر منه استجابة للشروط الموضوعية في تقسيم الجهوي. فالمغرب لا يحتمل التقسيم إلى 16 جهة ولابد من تمكين الجهات من صلاحيات واسعة في مجال التشريع والتنفيذ، من إمكانيات مالية أكثر في اقتسام حصص الضرائب وغيرها، حتى تصبح الجهات محركا أساسيا للتنمية وقادرة على توفير شروط تعميق الديمقراطية والأمن والاستقرار.
ستبقى الديمقراطية في المغرب محجوزة في غياب تعميق الديمقراطية الجهوية. فالأمر لا يستدعي تمتيع مختلف الجهات بنفس تفاصيل وضع الحكم الذاتي في الصحراء المغربية. وفي هذا الأمر لا مجال للمزايدات السياسوية. إذ أن التطور بالنسبة للديمقراطية الجهوية يجب أن يتفاعل مع الشروط المتوفرة ونترك المجال للتاريخ والتجربة لكي تعطينا إمكانيات النمو والتطور في مجال الجهة. إننا أمام وضع الدولة البسيطة وليس المركبة أو الفيدرالية ولعل التجربة الإسبانية لأحسن مثال في ذلك، بحيث أن من ضمن 17 جهة في تنظيم التراب الإسباني هناك ثلاث جهات فقط تنعم بالحكم الذاتي: وهي ألباسك – والكاطلان – وغاليسيا.

5 – دعامات دمقرطــة المجــال.

إننا أمام صياغة جديدة لمشروع الدولة المغربية على مستوى تعميق الديمقراطية وتوزيع السلطة على الجهات الترابية المختلفة، مما يستدعي:
أولا- مراجعة دستورية عميقة تحدد بوضوح " الحكم الذاتي " في الصحراء المغربية. وتعيد تحديد صلاحيات الجهة التي يمكن أن تصل إلى درجة تمكينها من مجالس تشريعية وهيئات تنفيذية في الجهة وهو الأمر الذي يتطلب الاجتهاد في مسألة اللامركزية واللاتمركز.
ثانيا – إعادة التقسيم الجهوي في المغرب وفق شروط تراعي الأبعاد التاريخية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية على أساس تقليص عددها وفق المتطلبات الحقيقية للتنمية المستديمة.
ثالثا – التوجه إلى كل الصحراويين سواء في الداخل أو الخارج للوصول إلى الاتفاق العام حول صيغة "الحكم الذاتي" حتى يصبح لهذا الحل السند الجماهيري من طرف كل المعنيين به.
رابعا – تحمل الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات الوطنية المسؤولية في اعتماد هيكلة تنظيمية تعطي قيمة للجهات مما يمكن من فرز نخب جهوية جديدة قادرة على تحمل مسؤوليات الشأن العام الجهوي.
خامسا – التفكير جديا في مراجعة قانون الأحزاب في مقتضيات التأسيس التي تشترط توفر نصف جهات المملكة.
سادسا – على كل الفاعلين السياسيين والمدنيين بما في ذلك الدولة ووسائل الإعلام العمومية والخاصة أن تعتبر مسألة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية والدمقرطة المجالية ورشا كبيرا مفتوحا للنقاش والحوار العمومي لأنه يطرح علينا سؤال عريض الآن: أية دولة ديمقراطية نريد فيما سيأتي من الزمن لتعميق الديمقراطية والحداثة والتنمية البشرية المستديمة.

ليست هناك تعليقات: