إعلام حر، نزيه، مستقل .... موقع صحيفة الجسور المغربية يرحب بزواره الكرام ويتمنى لهم إبحارا ممتعا، فمرحبا بكل التعليقات المفيدة والتوجيهات السديدة...

هذه الجسور .....

أردناها أن تكون صوتا حرا لإعلان الاتفاق أو الاختلاف، دونما رقابة ذاتية أو أحكام معلبة. أردناها أن تكون منبرا يسائل الوقائع من أجل الخطو إلى الأمام، والإسهام في كل هوامش التطور الممكن في مغرب اليوم ضدا على كل اليقينيات الجاهزة، والإرادات المحافظة.

وأردناها أن تكون جسورا للتواصل، والتحليل، والنقد، والإبداع... وابتغينا لها الإسهامَ في محاربة ثقافة الهامش، ومنطق التيئيس الذي أصبح يحتل مساحات واسعة في تمثلات وسلوكات الفرد والمجتمع.

هذه الجسور تعلن انتماءَها، دون تردد، لمسار التحديث، وهاجس البناء... وكم هي شاقة جسور التحديث والبناء في مغرب متحول تحاصره إكراهات التقدم ومستلزماته، وجيوب المقاومة، الظاهرة والمضمرة !

--------------------------------------------------------------------------------------------


الاثنين، أغسطس 11، 2008

حركة لكل الديمقراطيين؛ هل تُخرج السياسة من غرفة الإنعاش؟


7 شتنبر وسؤال السياسة:

يبدو أن 7 شتنبر، تاريخ إجراء الانتخابات التشريعية ببلادنا، محطة عجلت بكشف المستور، بما كان متخفيا في ثنايا النسيج الاجتماعي والسياسي ببلادنا. وإذا كان من حسنة تحسب لهذه الاستشارة الانتخابية النوعية في مسار الانتخابات التي عرفها المغرب وهي بالضبط تعبير صناديق الاقتراع عما كان ينبغي أن تعبر عنه بالفعل، أي ترجمة الإحساس الشعبي لحقيقية ما يسمى بالعزوف السياسي، أو بلغة أكثر صرامة حقيقة "الإضراب الشعبي" عن التصويت، فيما يكاد يشبه عصيانا صامتا توحدت فيه أطياف المضربين عن التصويت، على اختلاف مشاربهم، وتطلعاتهم، وانتظاراتهم، وقراءاتهم… وهو ما طرح بقوة سؤال المشاركة السياسية، وعلاقة المغربي بالسياسة، وأفق العمل السياسي للنخب الوطنية، ومستقبل الديمقراطية، وتجديد النخب… بل إن بعض المقاربات ذهبت إلى حد التساؤل: هل يستحق المغاربة الديمقراطية؟…
وهي أسئلة سبق أن طرحت قبل هذه المحطة، إلا أن سيرورة تجربة المرحلة الانتقالية التي دشنها المغرب مع حكومة ذ. عبد الرحمن اليوسفي، والسيد إدريس جطو من بعده، قد أجلت بعضها إلى حين. وبصيغة أدق، فإن حجم الانتظارات المجتمعية الملفوفة بآمال عريضة إزاء المرحلة الانتقالية علقت عنف هذه الأسئلة إلى ما بعد 7 شتنبر، حيث انكشف المشهد السياسي المغربي الذي فقد مند مدة غير قصيرة كثيرا من أسباب عنفوانه، وصلاح حاله. متساوقا في ذلك مع موت الحركة النقابية، وانغماسها في تقاليد حوار اجتماعي متعثر، أفرغ الحركة الجماهيرية من بعدها السياسي، وتعويض ذلك بالمقابل بحركات مدنية هجينة، تعلن تبرمها من السياسة.
لقد أعلنت محطة 7 شتنبر، وكما ذهب إلى ذلك أحد الباحثين، إلى إعلان صريح عن موت نخبة الحركة الوطنية، وتفكك خطاب الشرعية التاريخية الذي استكانت إليه أزيد من خمسة عقود، منذ استقلال المغرب. يتقاطع هذا الإعلان مع فشل حركة توحيد اليسار في تحقيق شعاراتها المعلنة، وعن محدودية فعلها الجماهيري والانتخابي، ناهيك عن فشل كل الحركات الانشقاقية التي زادت من هشاشة الحركة الديمقراطية. في هذا السياق، بدت الحياة السياسية وكأنها تبحث عن شرعية جديدة تطلق دينامية في شرايين الجسم السياسي الذي أصابه العقم والإنهاك، في زمن لا يسمح البتة بإعلان موت السياسة، أو بالرهان على المجهول. والمفارقة المسجلة في هذا الصدد، وهي أن رهان الدمقرطة الانتخابية، والذي طالما تصارعت من أجله القوى الحية في البلاد، عندما دخل مختبر الشفافية المرجوة، تحت أعين المراقبين الأجانب، والمحليين، وبإعمال الحدود المطلوبة في سلامة العملية الانتخابية، في هذا الظرف بالذات، أعلنت القوى الديمقراطية، المنخورة بفعل التشتت والمصابة بعمي الصناديق، عن عدم قدرتها لدخول سباقات المسافات الطويلة ليطرح سؤال السياسة في مغرب اليوم، بكل رهاناته الحاضرة والمستقبلية.
ميلاد حركة لكل الديمقراطية…
إخراج السياسة من غرفة الإنعاش؟
بتساوق مع هذه المعطيات، خرج مشروع "حركة لكل الديمقراطيين" من رحم هذه التفاعلات ليقدم نفسه كمشروع سياسي "بنفس استراتيجي"، كما هو مصرح به، يروم ملأ البياضات التي سجلت قبل العملية الانتخابية، وما بعدها. ويستهدف، فيما يستهدف، ضخ الشحنة المطلوبة في بطاريات المشهد السياسي الذي أصبح يشكو، أكثر من أي وقت مضى، من اختلال في العلاقة الوظيفية بين الناخبين والطبقة السياسية، بيمينها، ويسارها ووسطها. وهو اختلال يكثف أزمة في التمثلات، والوظائف، والفعالية. ناهيك عن فشل ذريع في الأداء الانتخابي، ونظام التحالفات، في وقت تتطلب فيه المرحلة الانتقالية تقاطبات قوية كفيلة باستمالة الناخبين، وهو الأمر الذي لم يتحقق لأن العقل السياسي الحزبي بالمغرب لم يكن في مستوى إدراك الرهانات المطلوبة، بل ظل حبيس العقلية الانتخابية التقليدية. وهو ما فوت على المغرب إمكانية إطلاق الدينامية المرجوة في مرحلة الانتقال الديمقراطي. إذ ما السبيل لحماية الاستحقاق الانتخابي، و لإطلاق الزخم السياسي المسنود بالأمل في السياسة؟.
إن الإجابة عن هذا السؤال قد تفسر إلى حد ما، سيرورة إعلان ميلاد مشروع "حركة لكل الديمقراطيين، كمبادرة تتطلع إلى إخراج السياسة من غرفة الإنعاش. ودون السقوط في لغة الكليشهات –على حد تعبير طيب حمضي- أو الأحكام المسبقة، أو القياسات التاريخية الخاطئة، فإن النظر لهذه المبادرة لا يمكن أن يتم، بلغة التحليل السياسي، إلا باستحضار السياق التاريخي الذي أنتجها بوصفها حركة سياسية، تضم فاعلين ينتمون لمشارب مختلفة، بتطلعات مشتركة، وبأهداف معلنة.
إن الأمر، والحالة هاته، في تقديرنا ليس توليفا من توضيبات زمن الحراك السياسي حيث كانت تحتاج فيه الملكية لحزب داعم للمؤسسات، أو لأحزاب مصنوعة على المقاس تنجز مسلسلا انتخابيا شكليا، وتعمل تحت الطلب لتعطيل مقتضيات الديمقراطية. إن الأمر، لم يعد مطلوبا اليوم، كما أن مسبباته الموضوعية غير موجودة أصلا. وأبعد من ذلك، فإن المغرب، وهو يدخل رهان الانتقال الديمقراطي لم يعد بحاجة إلى حزب في مواجهة الأحزاب الديمقراطية، ولا إلى ملحقة سياسية لتزوير الانتخابات، ولا إلى نخب مزيفة لصناعة البرلمان… الأمر أبعد من ذلك، لأن الرهان اليوم وهو إسناد المشروع الديمقراطي الذي تعلنه الدولة بوضوح في خطابها الرسمي، وفي العديد من اختياراتها… فهل ستراهن الدولة يا ترى على العملية الانتخابية المعطوبة أصلا لإنجاح مسارها الديمقراطي، ولتحقيق الحكامة المعطلة؟ وهل ستنتظر الانتخابات القادمة لتتحقق نهائيا بأن المغاربة طلقوا السياسة الطلاق الثلاث؟
وبالتالي، فإن الرهان المعلن أبعد بكثير من القراءات الاختزالية التي لا تخدم في النهاية إلا الستاتيكو (الوضع القائم).
إن الاعتراف اليوم بأن صورة السياسة والسياسيين في أذهان المغاربة أصبحت تحتل أدنى المراتب. ودون الإطالة في التنقيب عن مسببات هذا الوضع، فإن الاعتراف الأخلاقي بوجود هوة فاصلة بين الطبقة السياسية وعموم الجماهير يعتبر القراءة الأنجع للسكانير الانتخابي الذي تم اعتماده بوضوح غير مسبوق يوم 7 شتنبر. وهو الأمر الذي يستلزم إعادة الاعتبار لفكرة السياسة، ولجوهرها الحي الذي لا يمكنها أن تحيا بدونه أي فكرة المشروع السياسي المبني على التعاقد مع المواطنين.
ولنا أن نتساءل اليوم، بموضوعية وتجرد، ما هو المشروع السياسي الأكثر إقناعا للمغاربة؟، وهل نجح يا ترى، قطب من أقطاب الحركة السياسية الوطنية في استمالة وعي الناخبين وأحاسيسهم؟. إن الحقيقة البارزة، هي أن مشروع المجتمع الحداثي الديمقراطي الذي أطلقته الملكية هو العنوان البارز للمرحلة. وهو المشروع الذي التف حوله كل الفرقاء السياسيين، ولولاه لكان الوضع أكثر ترددا، والتباسا، واحتقانا. بل إن المشروع المذكور فوت على الدوائر المحافظة فرصة إجهاض العديد من الأوراش التي تم إطلاقها، ومن ضمنها ورش المصالحة الوطنية، والذي لم يكمل بعد كل رهاناته.
عناوين سياسية للمرحلة:
بعيدا عما قد يعتبره البعض "التفافا" حول بعض الشعارات السياسية، اعتمدت الأرضية التي أطلقتها "حركة لكل الديمقراطيين" واقعية ملحوظة في إقرار بعض الخلاصات والمنطلقات والمرامي في منطوقها. إذ يكثف المعجم السياسي المعتمد العناوين السياسية الكبرى للحركة من خلال المبادئ والأهداف المسطرة في وثيقة 25 نوفمبر 08، والتي شكلت ورقة عمل الندوة الصحفية المنظمة في الرباط يوم 27 نوفمبر 08. تصرح الوثيقة المذكورة بأن المغرب في "حاجة إلى صحوة ديمقراطية حقيقية، وإلى تفكير عميق ورؤيا (بالألف) واضحة تنبني على ما تحقق من مكتسبات، وتتصدى بحزم لمواطن الخلل، وتستشرف آفاق المستقبل بتبصر وبعد نظر…". وعليه، تستحضر الأرضية تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة، وتقرير الخمسينية باعتبارهما المنطلقات العملية التي تؤشر عن تصورها للمرحلة الراهنة. وفي هذا الصدد، يستوجب الذكر بأن التقريرين المذكورين، بتوصياتهما وخلاصاتهما، لم يحضيا بالعناية اللازمة من قبل الفاعلين السياسيين بالمغرب. وتأتي الأرضية، فيما يشبه تنبيها لكل الفرقاء المعنيين، بضرورة الانتباه للفراغ المسجل في هذا الصدد. إذ كان من المفروض أن يطلق التقريران المذكوران حوارا وطنيا مفتوحا لتحقيق الطفرة السياسية التي تتطلبها المرحلة، وهو ما لم يتحقق، مع الأسف، إذ ظل الفاعلون السياسيون سجناء المعادلات الانتخابية الصرفة.
وتذهب الأرضية، انسجاما مع تصورها التأسيسي إلى ضرورة "تدعيم الإصلاحات المؤسساتية والدستورية الضرورية بما يلزم من المقومات لإحقاق العدالة الاجتماعية، وبناء دولة الحق والقانون…". وهو ما يعتبر انخراطا سياسيا صريحا في التصور الإصلاحي الذي تعتمده الأرضية من خلال تمثين أسس الجهوية واللامركزية.
ولعل التأكيد على أهمية دور النخب المحلية في التنمية، وإعمال الحكامة الجيدة يعتبر من بين المداخل الملحة التي تصرح بها وثيقة 25 فبراير 08. إذ تتساءل الأرضية: "كيف للمجتمع، والحالة هذه، أن ينخرط في المشروع المجتمعي الذي نطمح إليه جميعا في ظل اللامبالاة وضعف الالتزام وتهميش النخب، وخاصة المحلية منها؟".
وأخيرا، فإن إطلاق المشروع السياسي "لحركة لكل الديمقراطيين" يأتي في سياق وطني معقد يتميز بانحصار الفعل السياسي ذي الأبعاد الديمقراطية، في مقابل سيرورة إصلاحية تعتمدها الدولة وتنشدها من أجل تمتين فصول الانتقال الديمقراطي، وفي سياق تاريخي تسجل فيه البلاد مخاطر الحركة الإرهابية وتوسع المد التكفيري بمختلف تلاوينه. ولعل استراتجية الفعل الجماهيري الذي افتقدته باقي الحركات السياسية الديمقراطية واليسارية، والذي ستعتمده الحركة من خلال ما أسمته بسياسة القرب هو الكفيل بالإجابة على مدى نجاعة هذا المشروع الذي خلخل الكثير من المسلمات، والقراءات أيضا.
مومن الراجي

ليست هناك تعليقات: