إعلام حر، نزيه، مستقل .... موقع صحيفة الجسور المغربية يرحب بزواره الكرام ويتمنى لهم إبحارا ممتعا، فمرحبا بكل التعليقات المفيدة والتوجيهات السديدة...

هذه الجسور .....

أردناها أن تكون صوتا حرا لإعلان الاتفاق أو الاختلاف، دونما رقابة ذاتية أو أحكام معلبة. أردناها أن تكون منبرا يسائل الوقائع من أجل الخطو إلى الأمام، والإسهام في كل هوامش التطور الممكن في مغرب اليوم ضدا على كل اليقينيات الجاهزة، والإرادات المحافظة.

وأردناها أن تكون جسورا للتواصل، والتحليل، والنقد، والإبداع... وابتغينا لها الإسهامَ في محاربة ثقافة الهامش، ومنطق التيئيس الذي أصبح يحتل مساحات واسعة في تمثلات وسلوكات الفرد والمجتمع.

هذه الجسور تعلن انتماءَها، دون تردد، لمسار التحديث، وهاجس البناء... وكم هي شاقة جسور التحديث والبناء في مغرب متحول تحاصره إكراهات التقدم ومستلزماته، وجيوب المقاومة، الظاهرة والمضمرة !

--------------------------------------------------------------------------------------------


الأربعاء، أغسطس 13، 2008

الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية بعد انصرام عشر سنوات من عمر التناوب التوافقي


هوامش على الحصيلة و الوثائق التحضيرية للمؤتمر
ذ.محمد الحاضي

كان بودي أن أقول في العنوان : الإتحاد الإشتراكي ق ش من بداية الانتقال الديمقراطي إلى نهايته ..
غير أنه بدا لي أن المفهوم الأخير صار فيه غير قليل من عدم الاجرائية إن على مستوى الشرعية التداولية لتحققه المضموني، أو على مستوى مداه الزمني المفتوح على التضارب والغموض. وحتى بالنسبة لمفهوم التناوب التوافقي، فعشر سنوات المنصرمة من عمره، أصبحت تفيد المدة والذكرى.. أكثر ما هي مؤشر يفيد الصيرورة النوعية.
إنما بالنسبة للإتحاد الإشتراكي، فهذه العشرية أمست تفيد فعلا نهاية دورة كاملة من تاريخه، وبداية تشكل المعالم الأولية لأخرى مختلفة الإحتمالات. العناوين الكبرى لحصيلة هذه الدورة هي كما بإفادة مشاريع وثائق المؤتمر الوطني الثامن: "الصدمة"، ( "الإندحار الذريع"، كما بلغة عمر بلفريج، جريدة الإتحاد الإشتراكي ليوم 21.5.08 )، "إعادة بناء شامل لكل المستويات" الحزبية، "القطيعة الخلاقة"، "التجديد المستمر للنخب والقيادة"، "إعمال قواعد التناوب في أجهزة الحزب"، "القيام بعملية مراجعة وتصحيح شاملة بعد 7 شتنبر 2007" وغيرها من عناوين وصيغ هذه الوثائق. يفيد هذا القاموس أمران أحلاهما مر:
الأول، هو حصيلة الحزب الإنتخابية الواضحة التراجع في اقتراع 7 دجنبر 2007. إنني من الذين يقدرون جدا أثر هذه الحصيلة على صياغة هذا القاموس. ولعل هذه هي " الحسنة"، أو الناقوس الصريح لهذه الحصيلة، وإلا كان، وسيكون الحزب، في وضع / موقع آخر. هذه الحصيلة، إذن، درس تاريخي موضوعي للحزب.
الثاني، يذهب بمصادر هذه الحصيلة إلى البنية العميقة/ الطويلة للنظام السياسي المغربي نفسه قبل 1998 وبعدها. إن 7شتنبر 2007، بموجب هذا الامر "ليس في واقع الأمر عطبا طارئا ولا رد فعل فقط على الأداء السياسي كما يظهر، بل هو نتيجة منطقية تستمد أسبابها الحقيقية في البنيات المؤطرة للمسلسل الديموقراطي ذاته والتي ترهن مصيره.. " (من منطوق مشروع الأرضية السياسية والمؤسسية للمؤتمر الثامن). فبموجب منطق هذا المنطوق ف "الرهان المطروح على بلادنا اليوم، التنصيص من عندي، وعلى القوى الديموقراطية خصوصا منها التقدمية لا يقل أهمية عن رهاني 1959 و 1975". يهدف هذا التحليل إلى تعليل، او تبرير( لست أدري) سلبيات أو معيقات التناوب التوافقي برمته .. وما محصلة 7 شتنبر 2007 إلا " المحطة الظرفية" التي أظهرت المفارقات البنيوية للتناوب التوافقي..
يفيد هذا التحليل، أيضا، أن حسنات أو منجزات هذا التناوب هي من صنع الإتحاد الإشتراكي الذي " بدونه ما كان لذا التناوب أن يكون". وأن سيئاته أو إخفاقاته أو كوابحه ضاربة في بنية وطبيعة المسلسل الديمقراطي المغربي.
يسرد مشروع هذه الأرضية ( أي الأرضية السياسية والمؤسسية للمؤتمر الثامن) عوائق مشاركة الحزب في تدبير الشأن العام في العوائق الدستورية، والتدبيرية، واللاتجانسية، وهزالة دور الكتلة، وتماهي الأداء الحكومي مع التدبير التقنوإداري، واعتماد المقاربة الماكرو مجتمعية.. بعض من هذه العوائق صدح به الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي في بلجيكا عشية خروجه من الحكومة والحزب عام 2003. البعض الآخر ظل باديا وعاملا من بداية تجربة التناوب إلى نهايتها.. الأسئلة المركزية، إذن، هي:
- لماذا تأخر الحزب بمثل هذا الرد النظري – النقدي القوي حتى نتائج 7 شتنبر 2007؟
- لماذا لم يجار الحزب رأي كاتبه الأول السابق ذ اليوسفي وقتئذ ؟
- بل ولماذا دخل الحزب، أصلا، تجربة التناوب التوافقي، وهو يعرف مسبقا مدى التمكن البنيوي لهذه العوائق؟
السؤال الآخير، قد يعني ويفيد، أن الحزب دخل تجربة التناوب دون سابق تصور استراتيجي بعيد وعميق إلا ما كان من القسم المعلوم.. ومن تم المراهنة على الاحتمالات الإيجابية لصيرورة التجربة.. وإلا لم يكن ما كان وصار.. وأما أن يأتي الحزب في الآخير أو الآخر، ليقول بالأعطاب البنيوية للنظام السياسي المغربي، ففي ذلك، برأينا، غير قليل من قصر النظر الاستراتيجي الذي لا يملك إلا محاكمة البداية بالنهاية.. وهذه سياسة قد نقول معطوبة، تريد التنصل، بعد النتيجة، من الرضيع وقماطه..
قد لا أكون مغاليا إدا قلت بأن وزراء الحزب الكبار (السيدان عبد الواحد الراضي ومحمد اليازغي) هما الأكثر انسجاما في توليف وتوضيب مسار الحزب « الطبيعي» في هذه العشرية، ولعل هذا هو ما يدفعهما معا إلى اعتبار مشاركة الحزب في الحكومة الحالية أو معارضته من نوافل المؤتمر الثامن، مقارنة مع أولوية " الوحدة الحزبية"، بالنسبة للأول، وأولوية " الخط السياسي المرحلي"، بالنسبة للثاني. عدا أن موقفهما، يفيد مدى تجذر سياسة التعويل على الدولة في صيرورة الحزب، وبالمقابل ربما تعويل الدولة عليهما داخل الحزب، انطلاقا من المفهوم البوعبيدي "تأميم الدولة". وما الترديد المكرور لشعار مصلحة البلاد أقوى وأهم من مصلحة الحزب، إلا الكيمياء الذي يضفي الشرعية والمصداقية على عقلية التوافق المنحدرة، وما تزال، من زمن الحركة الوطنية. وما تفسيرهما المتشابه، أيضا، لمفهوم المساندة النقدية إلا لكسب ود الحزب والدولة معا، ناهيك عما يريده، ربما، السيد عبد الواحد الراضي دعاية مسبقة للائحته، سيما، وهو يقول، أيضا، بشرعية التيارات.. وبضرورة التواضع اتجاه الأطراف اليسارية الأخرى، كما لم يقل.
وأما اعتبار المقاربة الماكرومجتمعية، مثل الإصلاحات الإقتصادية والبنيات التحتية والأوراش الكبرى على حساب المقاربة الميكرواجتماعية من عوائق مشاركة الحزب في تدبير الشان العام، فخلاصة يجب أن ترفع في وجه أو عقل المرشح الآخر للكتابة الأولى السيد فتح الله ولعلو الذي يعود اليوم بمشروع نضالي مفارق لبرنامجه، أو بالأحرى لسياسته الوزارية.
أستطيع أن أخلص، وأتمنى، أن الحزب، بعد هذه العشرية، قد دخل في محك إنتقاله الديموقراطي الخاص. النقد الذاتي القوي والصريح، خاصة في مشروع مقرر تفعيل الأداة الحزبية، ومشروع التقرير حول الهوية، اللذان يفيدان الإنتصار لهذا الإنتقال دون مواربة. فانطلاقا من وثيقة 25 يونيو 2003 التي أعقبت استقالة ذ اليوسفي، والتي شكلت، أي الوثيقة، أقوى لحظات النقد الذاتي ، أيضا في هذه العشرية، ومرورا بالتقرير التركيبي للجنة تقييم الانتخابات بعد 7 شتنبر 2007، يتبين بالنظر والتحليل، على عكس الواقع والممارسة، أن الهوة الفكرية والإيديولوجية والتعبوية أمست شاسعة بين الحزب ومحيطه المجتمعي. يمكن للتقرير الهوياتي الذي ينطق بمضمون " هوية مركبة وتعددية.. وديناميكية ومتحركة" أن يجيب على تحديات هوة هذه الهوية بالإلتزام بالديموقراطية الداخلية واحترام الضوابط التنظيمية. لكن الواقع التاريخي والسوسيولوجي والثقافي لهذه الهوية، أراه عصيا على التطويع الحزبي الإشتراكي الديموقراطي التحديثي السهل،لأسباب ليس هنا مجال تناولها. وأما الحداثة في خطاب ودينامية الحزب، فقد ازدهرت بعد أحداث 16 ماي 2003 خصوصا، ودوى صداها الصوتي بالمؤتمر الوطني السابع، قبل أن تركن إلى الضمور في وثائق وخطاب الحزب اليوم، بل وأن يوسم بها الآخرون- غير أهل التيار الإشتراكي الديموقراطي- من أنصار الحداثة الديموقراطية، والليبرالية، كما بإفادة ذ محمد اليازغي (جريدة الأحداث المغربية عدد 22 ماي 2008 ). ونفسه مشروع الأرضية السياسية والمؤسسية للمؤتمر الثامن يشير إلى "الحداثة أو على الأصح التحديث " باعتبار الأولى " فوق العلاقات الإجتماعية ". واضح هنا أن الحزب ينوس بين الحداثة كخطاب ثقافي يحرر البشر.. وهو خطاب لم يجن منه الحزب إلا تصدره لمعاداة الحركات الاصولية و تصديه الحازم للارهاب. فهل فتور هذا التصدر والتصدي، اليوم، هو نوع من النقد الذاتي، كما اعترف بذلك السيد فتح الله ولعلو، أم هو انزياح عن هذه الحداثة المفترى عليها؟، وبين التحديث كفعالية مؤسسية سوسيو اقتصادية متطابقة مع خيار الحزب الاشتراكي الديموقراطي..
وفي المقابل، يبدو جليا في وثائق المؤتمر الثامن عودة مفهوم المسلسل الديموقراطي بقوة إلى أدبيات الحزب، وكأن هذا المفهوم هو الأصلح والانجع والأدوم، وكأنه تخلص من حمولته السلبية التي ورثها- عند الحزب نفسه – من توافق ما بعد المسيرة الخضراء ما بعد 1975، وكأنه هو البديل الصامد والعميق لمفهومي الإنتقال الديموقراطي والتناوب التوافقي..، وكأن هذه العشرية، أخيرا، ليست إلا حلقة صغيرة من العمر الطويل لهذا المسلسل..
إننا نعود إلى ترجيح أن الحزب، دخل بعد هذه العشرية، فعلا، محك انتقاله الديموقراطي. وهذه قد تكون انعطافة مهمة بل وموضوعية في تاريخ الحزب وفي قيمته التاريخية كحزب كبير. انعطافة عجلت بها نتائج هذه العشرية على مآل وموقع الحزب، وهذه من الطبائع التاريخية الداعية إلى إعادة البناء في صيرورة الأحزاب الحية، ولا يجب أن تكون مدعاة إلى التوجس والقلق الزائدين إلا بالنسبة للأحزاب المحافظة. ولكي يخرج الحزب من مآزق التقليد والمحافظة عليه أن يربح، الآن هنا، إمتحان انتقاله الديموقراطي الخاص، ولن يربح هذا الانتقال:
- بغير أسئلة النظر والإجتهاد، وهذا ما لم يقم به الحزب بإزاء شعار الإنتقال الديموقراطي المغربي الذي أراح الحزب من كد هذه الأسئلة (ذ حسن طارق، جريدة الاتحاد الإشتراكي عدد يوم 30.1.2008)
- بغير إزاحة النزعة المحافظة من الحزب بإزاء تجديد الأجيال والأفكار (كما أشار إلى ذلك ذ حميد باجو، جريدة الأحداث المغربية عدد يوم 19 ماي 2008 ).
- بغير سلاح النقد والنقد الذاتي إلى ما لا نهاية.
- بغير احترام الديموقراطية الداخلية، والاعتراف باختلاف ومرور تيارات الأفكار والمشاريع.
- بغير الخروج من شرعية التاريخ/ الماضي إلى الشرعية الديموقراطية بنت الحاضر والمستقبل.
- بغير أن لا تكون صيغة المؤتمر الثامن " العادي من حيث التنظيم والاستثنائي من حيث النتائج " توليفة توفيقية عابرة في عمق الازمة.
- وبغير الانتباه إلى مآل هذا الترياق العابر، والمسكن الآني " قيمة الحزب في وزنه السياسي وليس في عدد مقاعده.." مستقبلا.
بهذا وبغيره، يمكن للحزب أن يطور مطابقته للصيرورة المجتمعية المغربية، وأن يكون " يسارا للمجتمع، وليس يسارا للدولة (أو يمينا نضيف )" كما ينشد ذ حسن طارق. فعسى أن لا تكون وثائق المؤتمر الوطني الثامن أجمل وأحسن من الواقع..


ليست هناك تعليقات: