إعلام حر، نزيه، مستقل .... موقع صحيفة الجسور المغربية يرحب بزواره الكرام ويتمنى لهم إبحارا ممتعا، فمرحبا بكل التعليقات المفيدة والتوجيهات السديدة...

هذه الجسور .....

أردناها أن تكون صوتا حرا لإعلان الاتفاق أو الاختلاف، دونما رقابة ذاتية أو أحكام معلبة. أردناها أن تكون منبرا يسائل الوقائع من أجل الخطو إلى الأمام، والإسهام في كل هوامش التطور الممكن في مغرب اليوم ضدا على كل اليقينيات الجاهزة، والإرادات المحافظة.

وأردناها أن تكون جسورا للتواصل، والتحليل، والنقد، والإبداع... وابتغينا لها الإسهامَ في محاربة ثقافة الهامش، ومنطق التيئيس الذي أصبح يحتل مساحات واسعة في تمثلات وسلوكات الفرد والمجتمع.

هذه الجسور تعلن انتماءَها، دون تردد، لمسار التحديث، وهاجس البناء... وكم هي شاقة جسور التحديث والبناء في مغرب متحول تحاصره إكراهات التقدم ومستلزماته، وجيوب المقاومة، الظاهرة والمضمرة !

--------------------------------------------------------------------------------------------


الأربعاء، أغسطس 13، 2008

الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من التناوب التوافقي إلى"الكبوة" إلى أين...

الحسين بوخرطة

اعتبارا للأحداث السياسية لتاريخ المغرب المستقل، لا يمكن لأحد أن يتزايد عن كون الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية حزب عريق ويحتل موقعا متميزا في التاريخ السياسي المغربي. لقد كان دائما في صلب القضايا السياسية الجوهرية للبلاد سواء تعلق الأمر بمرحلة المقاومة والمطالبة بالاستقلال (الحركة الوطنية) أو بمرحلة ما بعد الاستقلال. لقد عبر عن ارتباطه بالوطن وعن نضجه السياسي أولا بانخراطه في التوجه الحداثي مبكرا وثانيا من خلال استشرافه للمستقبل بإعلانه إستراتيجية النضال الديمقراطي سنة 1975. لقد قرر الحزب في السنوات الأولى من الاستقلال الانتقال من معارضة النظام السياسي إلى معارضة السياسات المنتهجة أي تم إقرار الانتقال من العمل من خارج النسق السياسي إلى العمل من داخله. وكان البيان السياسي للمؤتمر الاستثنائي لسنة 1975 والذي تخلى من خلاله الحزب على مطلب انتخاب مجلس تأسيسي إشارة قوية لإرادته لإيجاد قاسم مشترك مع السلطة السياسية القائمة. لقد كان هذا التحول الجدري في الحياة السياسية المغربية أنذاك مناسبة لم تستغل لتفعيل التناوب الحقيقي بقطبين الأول حداثي بقيادة الإتحاد الاشتراكي والثاني محافظ بقيادة حزب الاستقلال.
وبالرغم من تبادل الإشارات والتقاء الإرادات السياسية من حين لآخر طيلة سنوات الصراع، لا زلنا إلى يومنا هذا نتساءل : هل، بالرغم من تراجع الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، يمكن اعتبار ما يعرفه المغرب اليوم من متغيرات وتفاعلات سياسية تتجه نحو توفير شروط انتقال حقيقي إلى الديمقراطية من خلال تطبيق تناوب حقيقي؟. وعندما نتكلم عن التناوب نعني به التعاقب والتداول على السلطة على أساس نقل الأدوار من فريق لآخر أو تحالف سياسي لآخر في إطار التنافس السليم المقنن من خلال آلية الانتخابات.
إن ما عرفه المغرب من تراكمات إيجابية ابتداء من 1990، يجعلنا نتساءل كذلك هل ستكون البلاد على موعد مع التناوب في أفق سنة 2012 يلعب فيه الإتحاد الاشتراكي دورا محوريا؟. بمعنى آخر، هل الإتحاد بإمكانياته وتفاعلاته الداخلية والخارجية قادر على تجاوز "الكبوة" وبالتالي استرجاع مكانته وتقويتها ؟.
1- الاتحاد الاشتراكي: من قيادة التناوب التوافقي إلى "الكبوة"
منذ البداية، يمكن القول أن الإتحاد الاشتراكي، من خلال قيادته لحكومة التناوب التوافقي، استطاع أن يحدث تطورا ايجابيا لمؤسسة الحكومة حيث استطاع من خلق الاستثناء والقطيعة مع التجارب الحكومية السابقة بتحقيقه نجاعة البرنامج مع ضرورة تقديم الحصيلة. كما بذل كل ما بجهده لإضفاء المصداقية للسياسات العمومية عبر تخليق الحياة العامة كقاطرة للتفعيل الناجع للحكامة الجيدة. لقد استطاعت بالفعل حكومة السيد عبد الرحمان اليوسفي من وضع التوجه الحازم نحو المستقبل وتقعيد الخيار الديمقراطي المعبر عن المصلحة العليا للأمة في تجاوب مع الإجماع الوطني من خلال السير نحو الطي النهائي لملف الانتهاكات الجسيمة لسنوات الرصاص.
ومع ظهور بوادر توفر شروط التوافق ابتداء من سنة 1990، بذل الإتحاد كل ما بجهده لتوفير الشروط الضرورية لإنجاح مشاركته في تدبير الشأن العام من خلال إيجاد صيغة توافقية مقبولة مع الملك الراحل. هكذا، ومع بداية التفاوض، رفض الحزب، صحبة خلفائه في الكتلة، الاقتراح الملكي الأول للتناوب سنة 1992. مما دفع الملك سنة 1994 إلى اتخاذ مبادرة جديدة بإعلانه الرسمي عن العفو عن المعتقلين السياسيين والمنقيين مع تقديم اقتراح ثان لتشكيل حكومة أقلية يضمن لها الاستقرار لمدة 3 سنوات على الأقل. وفي السنة الموالية صدر بلاغ من الديوان الملكي أقر فيه الملك تأجيل التناوب بسبب خلاف حول بقاء ادريس البصري في منصب وزير الدولة في الداخلية، وتم إعادة تعيين عبد اللطيف الفيلالي في منصب الوزير الأول وزير الشؤون الخارجية والتعاون. وبعد ذلك، يعطي الملك إشارة إيجابية جديدة بإعلانه مراجعة الدستور في 20 غشت 1996. وبعد المصادقة عليه بالإجماع في نفس السنة تم توقيع التصريح المشترك بين الأحزاب والحكومة لتنظيم انتخابات نزيهة سنة 1997 مع استمرار عبد اللطيف الفيلالي في قيادته للحكومة. وفي 14 مارس 1998 عين الملك عبد الرحمان اليوسفي لقيادة تجربة حكومة فريدة من نوعها في العالم العربي. إنها تجربة عبرت عن تقاطع في صيغة عقد مبرم بين طرفين تصارعا لأزيد من 40 سنة.
وإجمالا، فبالرغم من الحرص على توفير شروط إنجاح التناوب التوافقي وأهمية حصيلة الحكومتين من 1998 إلى 2007، حصلت "الكبوة" بالنسبة للإتحاد الاشتراكي مباشرة بعد الإعلان الرسمي لنتائج انتخابات 7 شتنبر 2007. ومن خلال قراءة لبعض التصريحات والتحليلات الداخلية (النقد الذاتي) والخارجية في موضوع هذا التراجع المقلق بما في ذلك محتوى مشاريع الأوراق التي سيتم تقديمها للمؤتمر الثامن المقبل، استخلصنا بعض المسببات والتي نذكر منها:
· الإرث الثقيل وتجدر جيوب المقاومة جعل الحكومة في صعوبة استيعاب الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع الأغلبية. إضافة إلى صعوبات ناجمة عن طبيعة التشكيلة الحكومية ذاتها حيث برز بالواضح عدم الانسجام بين وزراء الكتلة ووزراء أحزاب الإدارة ووزراء أحزاب السيادة. أكثر من ذلك، في العديد من المحطات عرفت الحكومة عدم الانسجام حتى بين الإتحاد والاستقلال إلى درجة هدد التحالف الإستراتيجي بين الحزبين.
· كون التناوب التوافقي لم يسهم في حل مشكل ضعف المؤسسة البرلمانية. إن ضعف المعارضة أتاح الفرصة للتيارات الإسلامية لتقوية نفسها. وهنا، لا بد من التذكير أن الإتحاد كان واعيا أن التيارات الإسلامية ستتقوى من خلال لعبها دور المعارضة في مغرب متأزم يحتاج إلى الانتعاشة للخروج إلى بر الأمان. كما كان واعيا كذلك أن مشاركته في تدبير الشأن العام ستجنب المغرب تأثير خطابه في المعارضة وما قد ينتج عنه من انفجارات اجتماعية. لقد شكلت مشاركته في قيادة حكومة التناوب التوافقي مناسبة لامتصاص غصب الشارع وربح الوقت.
· الحصيلة الحكومية، بالرغم من أهميتها، لم ترق الى مستوى الآمال الشعبية والوعود التي تضمنها برنامجها. وفي هذا الصدد، اعترف السيد إسماعيل العلوي، وزير الفلاحة في حكومة التناوب، كون الفرق بين خطاب المعارضة وآليات التنفيذ كبير جدا، وبأنه من الصعب تطبيق البرنامج الحكومي برمته. كما زاد من حدة هذه الإكراهات ضعف الوعي السياسي المجتمعي خصوصا عند فئة الشباب. فانشغال الحكومتين بالإصلاحات الماكرواقتصادية على حساب الميكرواقتصادية والميكرواجتماعية جعل الحزب ينفصل عن تمثلات القواعد.
· الإنزلاقات التي عرفها التنظيم في مختلف الجهات. لقد غاب حس الإنماء عند عدد كبير من المنتخبين الجماعيين الذين فازوا باسم الحزب في استحقاقات 2003 في العديد من المحطات إلى درجة حصل الحزب على نتائج جد ضعيفة في الإنتخابات الخاصة بانتخاب أو تجديد أعضاء مجلس المستشارين بالرغم من توفره على العدد الكافي من المنتخبين المحليين (التصويت لغير الحزب). كما عرفت الأجهزة صراعات بسبب غياب إدارة حزبية قادرة على التفعيل الناجع للقانون الداخلي للحزب.
· اعتماد المركزية في تعيين المناضلين في المناصب التمثيلية والإدارية الممنوحة. إن عدم إعطاء أهمية للهوامش وللطاقات التي تزخر بها أضعف كثيرا العمل النضالي المحلي. كما أن تغييب الديمقراطية الداخلية جعل عدد كبير من الممارسات في مختلف المحطات خارجة عن التنظيم. وفي هذا السياق أقر الدكتور حسن طارق في مداخلته بالقنيطرة يوم الجمعة 9 ماي 2008 الهيمنة المطلقة للنموذج المركزي وأن الأحزاب تعيد إنتاج الدولة في أطار نموذج البنية الأحادية على مستوى الدولة والأحزاب معا. إنها عقدة "المركز" بالنسبة لأهل الرباط التي أفرغت المنهجية النضالية من محتواها. وفي هذا السياق، أضاف حسن طارق أن الأحزاب تبدو في كثير من الحالات غير قادرة على تجاوز سقف الجهوية كما تفكر فيه الدولة. فتركيبة الأجهزة الجهوية لم تراعا فيها التمثيلية الترابية بقدر ما سيطر عليها توافقات وتحالفات مصلحية. وعلى المستوى الوطني لا زال خطاب المجموعات يسيطر على حياة الحزب خصوصا مجموعتي الرباط والدار البيضاء.
· تهميش الفروع بل وتجاوزها في أغلب الأحيان لتحقيق أغراض شخصية بعيدة كل البعد عن أدبيات الحزب. وقد فوجئ المناضلون في العديد من المناطق بتزكية لوائح انتخابية محلية من خارج مجالس الفروع. كما سيطر مرض الولاءات والتبعية (شبكات منظمة ومنغلقة من المركزي إلى المحلي) في عمليات التزكيات حيث تم تغييب المعايير الكفيلة بإبراز الجودة التمثيلية (الكفاءة، والتخصص، والمسؤولية والروح النضالية،...). إن هذه الممارسات البعيدة كل البعد عن القيم النضالية ساهمت إلى حد بعيد في إضعاف الحزب من خلال تهميش الأطر الحزبية والتضييق على هامش حرية فعلها داخل الحزب خوفا من المنافسة. إضافة إلى ذلك، طرح الساسي في لقاء القنيطرة في نفس اليوم إشكال عدم تسييس التنظيمات المحلية حيث اعتبر الأجهزة المحلية والجهوية مجرد يد عاملة تنظيمية. مما يؤدي إلى محدودية مساهمة المناضلين الترابيين في المؤتمرات بسبب عدم وعيهم بالتوجهات السياسية العميقة للحزب.
· عدم توفر الحزب على أجهزة متخصصة في تتبع المتغيرات الإجتماعية والنفسية والثقافية للمجتمع المغربي. كما أن تهميش الطاقات وعدم التوفر على آليات التعريف بأطر الهوامش والإستفادة من قدراتها، مكن دائما النخب التقليدية للحزب من الحفاظ على مواقعها.
· .................
2- الاتحاد الاشتراكي: من "الكبوة" إلى أين ...
إن نتائج الاستحقاقات الانتخابية البرلمانية الأخيرة خلقت منعطفا قويا في الحياة السياسية المغربية. لقد اعتبر الحدث "كبوة" بالنسبة للإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كما عبر عن ذلك السيد محمد اليازغي. فبعد مسار طويل تخللته نضالات وصراعات وتفاعلات ايجابية مع المؤسسة الملكية، وبعد المشاركة في حكومتين ما بين 1998 و2007 يجد الإتحاد نفسه مصنفا في الرتبة الخامسة في المشهد السياسي المغربي بعدما كان الفاعل السياسي الأساسي فيه. أبانت النتائج بوضوح صعوبة الوضع السياسي في البلاد. وضع تميز بضعف المشاركة وبتراجع شعبية أحزاب الكتلة وبتنامي التيارات الإسلامية. إنه وضع بعيد كل البعد عن التوازن السياسي الذي تطمئن له القلوب (يمين ويسار). فعوض أن تشكل نهاية 10 سنوات من التناوب التوافقي مناسبة لإعلان نجاح المغرب في مشروع الانتقال الديمقراطي، وجد المغاربة أنفسهم أمام وضع سياسي شديد الغموض ويصعب أن نميز فيه بين الهوية الإيديولوجية للأحزاب والدور السياسي. لقد أبانت التجربة في عدة محطات أن التحالفات الإستراتيجية ذات القاسم المشترك "دمقرطة البلاد" لم ترق إلى تمكين المشاركين فيها من تأسيس "التناوب الحقيقي". في الحقيقة، كانت مدة 10 سنوات كافية لتدشين انطلاق التناوب وبتحرير العقل الحزبي المغربي من الخلط بين الهوية الإيديولوجية والدور السياسي. إن منطق الانتقال الديمقراطي فتح الباب على مصراعيه للخطابات الشعبوية إلى حد أعطى صورة سلبية لتدبير المرحلة. حيث ساد في الأوساط الشعبية وحتى في أوساط النخب أحيانا أن الأحزاب، وعلى رأسها الإتحاد الاشتراكي، تنكرت للقواعد الشعبية التي دعمتها طوال سنوات الصراع. كما اعتبرت فئة كبيرة من الشارع المغربي أن التوافق الذي حصل مع القصر كان على حساب القوات الشعبية. كما أن انشغال الأحزاب فيما هو وطني أعطى الإنطباع بوجود هوة كبيرة بين التمثيلية كمبدأ للعمل السياسي وطبيعة ممارسة العمل التنفيذي . ولأشد الأسف، لم تكرس الجهود تنظيميا بما يكفي لتصحيح هذه الخطابات. فالتنظيم الحزبي لم يتح الفرصة لباحثيه وأطره لمواكبة عملية التواصل مع قواعده ومع مناضليه للدفاع على مواقفه بشكل أكاديمي وعن قرب. ما وقع هو كون الإتحاد خطى خطوات في اتجاه الاقتراب من تصورات السلطة والتي أطلق عليها توافقا أو تحالفا. وهي محطة جد إيجابية في التاريخ السياسي المغربي. لكن ما روج له المنافسون كان مخالفا للحقيقة إلى درجة اعتبر فيه الاتحاد خائنا لجماهيره. كما كان واضحا أن إنشغالات الحزب المبالغ فيها من أجل الحفاظ على مكانته الانتخابية (مكانة نخبه التقليدية) لم تحقق إلا نتائج مؤقتة وعلى المدى القريب والمتوسط. إن التفريط في الجانب الفكري والمعرفي والثقافي والإجتماعي للحزب وما صاحبه من صراعات عنيفة حول المواقع الحزبية والتمثيلية سرعان ما دفع عدد كبير من العاطفين والمتعاطفين وحتى المناضلين في بعض الأحيان إلى التعامل مع الحزب بنوع من القسوة والتي اشتدت حدتها في انتخابات شتنبر 2007.
فعلى الرغم من هذه الأخطاء، يمكن أن نقول أن الإتحاد قد تمكن من النجاح إلى حد بعيد في توافقه مع المؤسسة الملكية. وأن هذا النجاح جاء نتيجة تراكمات تاريخية تفاعل فيها الإتحاد بالنظام بشكل إيجابي. وبالرغم من الأوقات الحرجة التي عرفها تاريخ المغرب، يمكن أن نقول أن الشرعية الوطنية والتاريخية للفاعلين مكنت من إيجاد أرضية مقبولة للتفاوض. فلا أحد يمكن أن ينكر أن تشبث الحركة الوطنية بإعادة الملك الوطني محمد الخامس إلى عرشه، بعد أن كان الفرنسيون قد عزلوه ونفوه إلى مدغشقر هو وأسرته عام 1953 كان حدثا تاريخيا عبر فيه رواد الحركة الوطنية عن تشبثهم بالشرعية الوطنية والتاريخية للملكية بالمغرب. فبالإضافة إلى التحول الجوهري في الخط الاديولوجي للإتحاد سنة 1975 وما صاحبه من تبادل للإشارات الإيجابية، قبل الحزب الدخول في المفاوضات مع الملك الراحل ومن تم قيادة مهام إنقاذ البلاد من تداعيات تهديده بالسكتة القلبية.
وبالمقابل، أبانت التجربة أن مسألة "الانتقال إلى الديمقراطية" في المغرب جد معقدة بالرغم من اعتبار البلد الآن أكثر البلدان العربية ديمقراطية. كما تأكد، من خلال استنطاق التاريخ، أن التطور السياسي بالمغرب يتم داخل الاستمرارية وليس خارجها. وفي إطار هذا المنطق، لا يمكن اعتبار تعيين السيد عبد الرحمان اليوسفي مفاجأة سياسية أو حدثا سياسيا ظرفيا بل كحلقة في مسلسل من الاستمرارية. وفي هذا السياق، قال المفكر عابد الجابري " ف "الجديد" في المغرب لا يكون عن عدم، بل كل شيء يحدث فيه إنما يحدث عن شيء".
والإتحاد يستعد لمؤتمره الثامن، عليه أن يطرح من جديد إشكال التمييز بين الهوية الإيديولوجية والدور السياسي للأحزاب في المشهد السياسي المغربي. وعليه أن يجيب متى وكيف سيلغي التوافق نفسه؟. وبعبارة أخرى متى وكيف سينتقل المغرب من "التناوب التوافقي" إلى "التناوب الحقيقي"؟. متى سيتخلص المغرب من التحالفات السياسية اللاطبيعية؟ ومتى سيكتب له التوفر على تصنيف حزبي على أساس الهوية الايديولوجية يضمن التوازن واستقرار المشهد السياسي عبر التناوب بين يمين (أحزاب محافظة أو رجعية ) ويسار( أحزاب ذات توجهات إصلاحية حداثية) والتي يتم تصنيفها حسب الأدوار السياسية التي تلعبها إلى أحزاب أغلبية أو أحزاب معارضة؟
المسألة إذن جد معقدة. وبالتالي فمن الصعب جدا الإجابة الآن عن سؤال "إلى أين؟"
في اعتقادي، إن الوضع الحالي جد مناسب لخلق التحول السياسي في البلاد بالرغم من الكبوة. فالإتحاد، من باب شرعيته الوطنية والتاريخية وبدعم من دعاة الحداثة، مدعو إلى المشاركة الفعالة في تشكيل قطب حداثي قوي بالمغرب في أفق 2012 في إطار تطعيم وتقوية التوافق مع المؤسسة الملكية. يجب اعتبار ما وصل إليه المغرب اليوم بالرغم من نواقصه هو ثمرة لتراكمات المكتسبات السياسية منذ الاستقلال. إننا اليوم في وضع سياسي اندثرت فيه هواجس التخوفات. لم يعد من بين المغاربة من يتمادى في نقاش موضوع "شرعية الملكية" كمؤسسة سياسية ولم يعد أحد الأطراف السياسية يشكك في مشروعية الآخر. لكن ما تم الوصول إليه أبان عن وجود تقابلات وتفاعلات متناقضة. فما تم تحقيقه من مكتسبات سياسية وحقوقية وإصلاحات إدارية وقانونية واقتصادية قابله بالموازاة تنامي ظواهر اجتماعية وسياسية جديدة تكاد تعرقل مسلسل الاستمرارية في بناء المشروع المجتمعي الحداثي .
واعتبارا لما عرفته الوضعية التنظيمية للحزب من تراجع تراكم منذ 1998 لأسباب مرتبطة أكثر بالداخلي أكثر منها بالخارجي، أعتقد أن عودة الإتحاد إلى موقعه كفاعل سياسي أساسي في المغرب يبقى أمرا سهلا لارتباط الأمر بوضعه السياسي الداخلي.
وفي سياق ما جاء على لسان محمد بوبكري في مقاله الصادر بالإتحاد الإشتراكي ليومي 1 و 2 يونيو 2008 تحت عنوان " بين نضال الكراسي ونضال المشاريع"، والذي جسد من خلاله حقيقة منطق ممارسة السياسة عند النخب السائدة (عشق السلطة، الرغبة الجشعة في تحقيق امتيازات الفرد وتوسيعها ولو على حساب الآخرين لكي لا يقول على حساب الوطن ومستقبل الأجيال الصاعدة)، واعتبارا لما سبق، يتضح، في اعتقادي، أن الأحزاب الوطنية وعلى رأسها الإتحاد الإشتراكي مدعوة وباستعجال لاستنباط الدروس من الماضي بالتركيز على محورين اثنين يتعلق الأول ب "الانتماء السياسي" والثاني ب "التعامل مع الإنفعالات المجتمعية". هذا لأن السياسة ما هي إلا نقل أو تحويل للمشاكل المجتمعية على شكل انفعالات من المواطنين إلى الأحزاب السياسية. وعليه، فحب الإنتماء والتعاطف مع حزب ما مبني أساسا على قدرة هذا الأخير على تدبير والإستجابة للإنفعالات السالفة الذكر.

ليست هناك تعليقات: