سوف لن نخوض في تفاصيل تأسيس الاتحاد الاشتراكي وتطوره وصراعه الشرس مع النظام، وكذا حجم التضحيات التي قدمها مناضلوه خلال أربعة عقود. وما تخلل هذا الصراع من لحظات عنف ولحظات مهادنة، لأن هذا لن تتسع له هذه الورقة. ولأنه لا يمكن الحديث عن محطة من محطات تاريخ المغرب الحديث إلا وكان للحزب حضورا فيها بشكل أو بآخر. ولكن ما يهمنا في هذا المقال هو نوع أداء القيادات المتعاقبة ومدى استحضارها للدروس المستخلصة من هذا التاريخ الحافل منذ اشتداد الصراع داخل حزب الاستقلال مرورا بتأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في 25 يناير 1959، ونتائج المؤتمر الثاني1962 وفك الارتباط بنقابة إ.م.ش، ثم قرارات يوليوز 1972، فالمؤتمر الاستثنائي 1975 وما تبعه من محطات إلى التصويت بنعم على دستور 1996والدخول في حكومة التناوب التوافقي 1998 وحكومة 2002 إلى محطة الانتخابات التشريعية ل 2007.
قلنا ما يهمنا هو نوعية أداء القيادات واستفادتها من التاريخ. كيف ذلك؟. لتبيان نوعية هذا الأداء سوف يكون اعتمادنا على أهم نص كتبه الشهيد المهدي بنبركة في فترة الاستقلال هو ما يعرف بوثيقة الاختيار الثوري. وقد نقول إنها أهم وثيقة كتبت في تاريخ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى الآن، حيث ضمنها نقدا جريئا لتجربة الحزب الذي لم يكن قد مر على تأسيسه سوى سنتين ونصف وحدد جملة الأهداف التي ينبغي تحقيقها، كما ضمنها تحليلا علميا لتشكيلة المجتمع الطبقية آنذاك.
إلا أن ما يهمنا من الوثيقة في هذا المقال هو قيمة النقد الذاتي وجرأته حيث يقول الشهيد: "يظهر أننا في الماضي قد انزلقنا نحو ثلاثة أخطاء رئيسية سوف تكون قاتلة لا محالة إن لم نتداركها في الظروف الراهنة".
1- الخطأ الأول: "يرجع إلى سوء تقديرنا لأنصاف الحلول التي كنا مضطرين للأخذ بها" (اتفاقية إيكس ليبان) حيث يقول: "إن هذا التحليل النقدي لتسوية إيكس ليبان الذي لم نقم به سنة 1956، علينا أن نقوم به اليوم حتى نستخلص منه في سياستنا الداخلية موقفا واضحا ومحددا بالنسبة للتسويات أو الحلول الوسطى التي قد نضطر إلى قبولها في المستقبل. إن مثل هذه الحلول يجب أن تقدم بصفة موضوعية وتقييم حقيقي- لا أن ندافع عنها كانتصارات حاسمة- وبذلك نحول دونها ودون إغراق الوعي الثوري للمناضلين وسط سحابة من الضباب الكثيف، فليس من المحرم على حركة ثورية أن تمر في حلول مرحلية، ولكن ذلك متوقف على توازن القوى وعلى تحديد الأهداف القريبة منها والبعيدة. والمهم هو أن يتم كل شيء في وضح النهار، وتحليل شامل يوضح الأوضاع للمناضلين. علينا أن لا نقع مرة أخرى في خطأ إيكس ليبان. وان لا نتولى تبرير التسويات وكأنها انتصارات، في حين أنها تخدم في الواقع أغراضا انتهازية.
2- الخطأ الثاني: يتعلق بالإطار المغلق الذي مرت فيه بعض معاركنا بمعزل عن مشاركة الجماهير الشعبية، ولم نقل قط للشعب إننا كنا فاقدين لوسائل تنفيذ برامجنا فلا غرابة. إذن أن يتهمنا البعض اليوم بأننا كنا نتوفر على سائر السلطات طيلة سنوات 1956-1960 بينما كنا فاقدين لجوهر السلطة. هذه هي الحقيقة لو أعلن عنها في إبانها لوفرت علينا كثيرا من الوقت وخيبة الأمل والمزيد من التضحيات.
3- الخطأ الثالث: "عدم الوضوح في مواقفنا الإيديولوجية وعدم تحديدنا لهوية حركتنا، وذلك بسبب التسويات وأنصاف الحلول غير المشروحة وبسبب المعارك الدائرة في الخفاء، وأيضا بسبب تبيننا بوضوح لمعالم المجتمع الجديد الذي نسعى لبنائه في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية".
لم يكن اختيار هذه الوثيقة اعتباطا، بل تم اختيارها لأنها تشكل وحدة قياس بامتياز. فبهذه الوحدة القياسية سوف نرى إلى أي حد تفاعلت القيادات المتعاقبة –وكلها قيادات متمرسة ومجايلة لزمن وظروف هذا الإنتاج الرائع- مع هذه الخلاصات. فالمنهج الجدلي الذي يجمع بين التحليل التاريخي وتتبع معطيات الواقع هو الكفيل برصد المواقف ومحاكمتها على مدى صوابها وإجابتها على معضلات ومآزق كل مرحلة أو التلبس بها ومجاراتها.
سوف لن نستعمل مقياس الأخطاء الثلاثة القاتلة حسب الترتيب الوارد في الوثيقة وإنما نأخذ كل واحد حسب المرحلة التاريخية التي تكرر فيها والقيادة التي كانت وراءها.
إن من تمثل رؤية المهدي حق تمثيل وعمل على إنجازها على أرض الواقع هو الشهيد عمر بنجلون الذي حاول القطع مع التنظيم الجماهيري المائع الذي كان يمثله الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. فأصدر المذكرة التنظيمية سنة 1965 وضمنها هيكلة الحزب الذي يروم التغيير الفعلي للواقع، إلا أن هذه الوثيقة سوف تلقى مصير وثيقة الاختيار الثوري أي الإقبار. أتت بعد ذلك ظروف عصبية وتمت اعتقالات ومحاكمات وإعدامات.
وهنا سوف يفاجئ عمر من جديد رفاقه قبل خصوصه حيث عكف وهو في السجن على كتابة مسودة التقرير الإيديولوجي سنة 72 باللغة الفرنسية الذي نقله إلى العربية د. عابد الجابري. ويقول هذا الأخير: "بعض الإخوان من أعضاء اللجنة في الرباط قد ذهبوا إلى الأخ عبد الرحيم يشتكون من أسلوب عمر في الكتابة ومن اتجاهه الماركسي. توقف الشهيد عمر عن إعداد القسم الثاني وقرر سحب القسم الأول ومقاطعة اجتماعات اللجنة واحتجاجه كان على المعارضين، فمن لهم رأي أن يدلوا به عند اجتماع اللجنة لا أن يذهبوا إلى عبد الرحيم يشتكون وكأننا أطفال" ويزيد "إذا كنت قد تكلمت عن الشهيد عمر نيابة عنه، فلان بعض الأحياء لا تتسع لهم الحياة إلا بإسدال الستار عن الأصوات، وكأنهم لم يكونوا. لقد كان الشهيد عمر كما قلت آنفا الفارس الرائد، أما الباقي فقد كانوا وراء الإبل ولما حطت القافلة رحلها غاب عمر وترك المناصب والزعامات لمن يطلبها".
رغم كل الدسائس والمناورات واصل عمر نضاله المستميت وانعقد المؤتمر الاستثنائي وخرج التقرير الإيديولوجي للوجود وكان بحق ثاني وآخر وثيقة مهمة في تاريخ الحزب. ولم يقف عمر عند هذا الحد بل فكر في الأداة التي بمقدورها تبني ما طرحه من أفكار، فبدأ الاشتغال على هيكلة الشبيبة الاتحادية لأنها الأمل والمستقبل، وهنا تجاوز كل الخطوط الحمراء، فحال اغتياله دون حضور المؤتمر التأسيسي للشبيبة الذي عقد شهرا واحدا بعد ذلك.
سقط المهدي ضحية استباقه التاريخ كما سقط عمر ضحية مسابقته للتاريخ. باغتيال عمر سوف يتيه الحزب رغم ما بقي يزخر به من أطر (لأن هذه الأطر لم تكن تملك التكوين والحصانة اللازمة، وحتى الذين امتلكوهما كانت تعوزهم الجرأة والحركية المطلوبين).
ثاني استثناء في هذه القيادات هو المرحوم عبد الرحيم بوعبيد الذي كان في نفس الوقت رجل تسويات كما كان رجل مبادئ ورجل حوار يعرف حدود الجرأة وحدود عدم التفريط. إلا أنه كان رجل سياسة. ولم يكن رجل تنظيم (وهنا كان ضحية دسائس محترفي التنظيم). إلا أنه ثاني قائد داخل الحزب يتمثل الاختيار الثوري، ولو نظريا، في تصريح علني أثناء انعقاد اللجنة المركزية بالدار البيضاء يوم 8 أكتوبر 1972 حيث ورد فيه ما يلي "تذكر اللجنة المركزية بأن الاختيار الثوري للاتحاد الوطني هو الذي يعطي لحركتنا السياسية والنضالية إطارها الشامل الذي تسجل داخله القرارات السياسية المرحلية، وتذكر كذلك بأن هذا الاختيار الثوري يستمد آفاقه وأبعاده من الأهداف الثورية التالية: استئصال الجذور الإقطاعية والرأسمالية والاستعمارية ببلادنا، حل مشكلة الحكم بإقامة مؤسسات سياسية شعبية تمكن الجماهير الشعبية من الرقابة الديمقراطية على أجهزة الحكم في كل المستويات، إقامة أسس اقتصادية خالية من أي مظهر من مظاهر النفوذ الاستعماري وسيطرة الإقطاع وحليفته البرجوازية الكبرى لضمان توزيع عادل لثروات البلاد وإنتاجها العام… إلخ".
إلا أن عبد الرحيم ارتكب أخطاء قاتلة هو الآخر رغم مواقفه الحاسمة والجريئة (الموقف من الاستفتاء حول الصحراء) ومن ضمنها: المقابلة التي تمت مع الراحل الحسن الثاني سنة 1974، وكانت في إطار مغلق وتم الأخذ فيها بأنصاف الحلول حيث لم يحترم النظام آنذاك كل الوعود التي قطعها على نفسه في الانتخابات البلدية والبرلمانية 76-77 (مراجعة اللوائح الانتخابية، إصدار عفو شامل،… إلخ)، بل أكثر من ذلك زُورت جل نتائج الاقتراع ضد الاتحاد بما فيها مقعد عبد الرحيم نفسه. فلم يكن رد الحزب في مستوى ما كانت تتطلبه المرحلة وعندما تم الإعلان عن الانسحاب من البرلمان بشكل قانوني وليس سياسي تم التراجع عن ذلك بمجرد تهديد الملك باتخاذ إجراءات صارمة ضد المنسحبين.
هنا ارتفعت مجموعة من الأصوات ضد هذا المنحى الجديد –أي اتخاذ الموقف والتراجع عنه بذريعة القمع- فتم بالمقابل رفع شعار أرض الله واسعة وانطلاق مسلسل طرد المناضلين لمجرد الاختلاف في المواقف السياسية وصولا للاستعانة بالسلطة لحسم صراع داخلي (3 ماي 1983). وإن انعدام الديمقراطية الداخلية وقبول الاختلاف أفقد الحزب قوته بإقصاء جزء كبير من مناضليه الشيء الذي أثر سلبا على مواقفه اتجاه مجموعة من القضايا. مع إفراغ الحزب من طاقاته ونخبه المتمرسة وابتعاد أطر أخرى لعدم رضاها على منحى القيادة –استقالة عابد الجابري نموذجا- أدخله في حالة من الجمود التنظيمي والسياسي إلا ما كان من تدخلات الفريق الاتحادي في البرلمان. ويستمر هذا المسلسل إلى اليوم، فكلما نضج اختلاف واحتد صراع إلا وفقد الحزب خيرة أطره فاستبدلهم بأخرى جديدة على المقاس وصولا إلى أخر المسار بقبول رموز الإقطاع والبرجوازية الذين كانوا أعداء بالأمس القريب ليصبحوا أعضاء داخل الحزب وممثلين له في البرلمان حتى.
لكن رغم ما قيل عن فترة قيادة عبد الرحيم بوعبيد للحزب ورغم أخطائه، ما يحسب له أنه حافظ على مسافة بينه وبين السلطة، ولم يستجب لنداء التناوب في الثمانينات لأنه رفض الدخول بدون شروط في اللعبة رغم تشابه ظروف تلك المرحلة –التقويم الهيكلي- مع ظروف مرحلة السكتة القلبية سنة 1988. إن وفاة عبد الرحيم بوعبيد وطول فترة مرضه قبل ذلك ترك فراغا لم يعوض حسم الصراع على الخلافة لصالح عبد الرحمان اليوسفي لما كان يتمتع به من تاريخ نضالي حافل. إلا أن هذه الخلافة كانت بداية التراجيديا التي لم تنته فصولها بعد. فأثناء هذه المرحلة لم يعد لقواعد الحزب وأجهزته التقريرية من دور سوى توقيع الشيكات على بياض للقيادة في مجموعة المحطات، التصويت بنعم على دستور 96، تشكيل حكومة التناوب 98، انتخابات 2002 والمشاركة في حكومة جطو. فلأول مرة يتجرأ قائد حزب يساري لتبرير المشاركة في حكومة دون تعاقد واضح، والملزم لمعارضة دامت أربعة عقود ونظام حكم البلاد بلغة الرصاص لنفس الحدة بالقسم على المصحف، وموضوع هذا القسم بقي غامضا إلى اليوم. وهذا الاتفاق بين اليوسفي والحسن الثاني لم يمارس فيه التعتيم على الجماهير فقط، بل على مناضلي الحزب وعلى المكتب السياسي نفسه –تشكيل الحكومة-. فمبرر السكتة القلبية والانتقال السلس للحكم ومصلحة البلاد على حساب مصلحة الحزب كانت هي الشماعة وكانت أداة التخويف في وجه المنتقدين. كما كانت السبيل للانفراد بالقرارات والإجهاز على ما تبقى من تراث، وتصفية ما بقي من أطر وفتح الباب على مصراعيه لكل ألوان الوافدين من كل صوب وحدب، ولم تستفق القيادة من وهمها إلا بصفعة تعيين جطو وزيرا أولا. فنادت متأخرة "بالمنهجية الديمقراطية" وإعلان مهندس المرحلة اعتزاله السياسي عافيا نفسه من تقديم الحساب. فهذه النتائج الكارثية لم تكن إلا خلاصة للمقدمات الخاطئة حيث تم تبخيس دور الجماهير وتحقير دور القواعد وتلجيم دور الهيئات المقررة. فصارت القيادة تعقد الصفقات السياسية غير المحسوبة بعقد تحالفات مع أحزاب كانت تنعت بالأحزاب الإدارية، وقبول شرائح اجتماعية في صفوف الحزب على النقيض من الشرائح التي تمثلها في خطابه ومقرراته طيلة تاريخه.
أما الأستاذ اليازغي الذي سعى طويلا للقيادة وتمكن منها بعدما قدم ضمانات لأعضاء المكتب السياسي عبر مفاوضات مراطونية معهم تم تضمينها في وثيقة.. ما أن تسلم زمام الأمور حتى نقض تعهداته وعوض فتح نقاش جدي حول دواعي الإخفاق في 7 شتنبر 2007 واستخلاص العبر من أجل النهوض بالحزب من جديد كما تفعل كل الحركات والأحزاب، وحتى تقديم الاستقالة لمصلحة الحزب ومن خلاله البلاد، لأنه المسؤول عن تدبير المرحلة يفاجئ الكل بتقلد منصب وزاري فارغ، ويرغم في نهاية المطاف على استقالة شبيهة بعقوبة الإعدام.
الآن، والمؤتمر الثامن على الأبواب أمل المناضلين الاتحاديين وعموم اليساريين أن يستحضر ما تبقى من حكماء داخل الحزب تاريخ هذا الأخير وتراث وكذا تضحيات شهدائه ومناضليه لقطع الطريق على من يحاول أن يصير الحزب مجرد رقم عاد داخل المشهد السياسي المغربي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق