إعلام حر، نزيه، مستقل .... موقع صحيفة الجسور المغربية يرحب بزواره الكرام ويتمنى لهم إبحارا ممتعا، فمرحبا بكل التعليقات المفيدة والتوجيهات السديدة...

هذه الجسور .....

أردناها أن تكون صوتا حرا لإعلان الاتفاق أو الاختلاف، دونما رقابة ذاتية أو أحكام معلبة. أردناها أن تكون منبرا يسائل الوقائع من أجل الخطو إلى الأمام، والإسهام في كل هوامش التطور الممكن في مغرب اليوم ضدا على كل اليقينيات الجاهزة، والإرادات المحافظة.

وأردناها أن تكون جسورا للتواصل، والتحليل، والنقد، والإبداع... وابتغينا لها الإسهامَ في محاربة ثقافة الهامش، ومنطق التيئيس الذي أصبح يحتل مساحات واسعة في تمثلات وسلوكات الفرد والمجتمع.

هذه الجسور تعلن انتماءَها، دون تردد، لمسار التحديث، وهاجس البناء... وكم هي شاقة جسور التحديث والبناء في مغرب متحول تحاصره إكراهات التقدم ومستلزماته، وجيوب المقاومة، الظاهرة والمضمرة !

--------------------------------------------------------------------------------------------


الأحد، أغسطس 17، 2008

التعددية الممكنة للمغرب الممكن..


محمد الحاضي

تؤكد دروس التاريخ ، أن التعددية الحزبية قد تكون هي نفسها تعددية سياسية تعبيرا واشتغالا ، وقد لا تكون .. وأن التعددية السياسية قد تتمظهر شرعيا ومؤسسيا وفكريا وتنظيميا في تعددية حزبية ، وقد تجنح إلى الوجود القسري بالقوة أو بالفعل أو بهما معا ، في حالة الأنظمة التوتاليتارية المستبدة..

التعددية الحزبية بالمغرب لم تبدأ في التكوين إلا مع ثلاثينيات القرن الماضي، لكن بالمقارنة مع معظم التجارب العالمثاليتية ، تبقى التجربة المغربية قديمة نسبيا من باب التأريخ ، وقانونية من باب الدستور الذي يمنع الحزب الوحيد ، وحية في وجه آليات القمع والتهميش التى نهجتها معها السلطة المتحكمة بما يشبه نظام الحزب الوحيد من بعيد الاستقلال إلى أواخر التسعينيات . الغريب أن هذه السلطة المتحكمة الوحيدة هي التي ظلت تتغنى بعراقة التعددية المغربية ، طبعا ، من باب الاستهلاك الإعلامي أمام الآخر ، ليس إلا .

لقد قطع تاريخ التعددية الحزبية / السياسية في بلادنا منذ الاستعمار مايمكن توصيفه وتصنيفه في المراحل التالية :

تعددية مختزلة خلال الاستعمار ، بحكم سياق وظرفية المقاومة الوطنية " الموحدة " للاحتلال الأجنبي والتي ذهبت إلى حد رفض " الحزبية " باعتبارها " تمزق " الحركة الوطنية ذات العدو الواحد والمطالب الموحدة كما ذهب ذ عبد الله كنون في موقفه من خلاف محمد بن الحسن الوازني مع علال الفاسي .
تعددية محجوزة ،من بداية الستينيات إلى قيام حكومة التناوب التوافقي في مارس1998 ،ومن أهم سماتها أن الأحزاب " الحكومية" أو " الإدارية " ، من زاويتي النشأة والمشاركة ، خلال هذه المرحلة المتوترة ، لم تعبر في معظمها عن التعددية السياسية الموضوعية والموجودة في الواقع الفعلي ، بقدر ما كانت صوتا / حزبا" واحدا " طيعا ومطيعا للسلطة والإدارة . بينما التعددية الحقيقية والراسخة في تربة الواقع ، حرمت حواملها الحزبية ، دوما ، من المشاركة والإشراك في تدبير الشأن الحكومي .
ورغم ارهاصات الانفتاح مع 1975 ، فقد ظل مشهدنا السياسي التعددي محجوزا "و "واحديا" في الحكم وصنع القرار ، تعدديا في المعارضة والهامش ، حتى استنفذت هذه التعددية المبتورة والمطبوعة بجدل الحضور والتغييب ، منذ بداية التسعينيات، تحت ضغط عوامل داخلية وخارجية حاسمة ، ليس هنا مجال التذكير بها .

تعددية ممتحنة ، قام هذا الامتحان على إشراك ضحايا تعددية الحجز والتهميش السابقة ، مستندا على تركيبة " التناوب التوافقي " فدخلت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية على خط الاشتغال الحكومي ، وبدا وكأن التعددية الحقيقية قد أخذت تنتقل من واقع المعارضة إلى محك التدبير والمشاركة .وقد كانت الميزة المأمولة لهذا التناوب التوافقي، هي الانتصار لمنطق التأويل البرلماني الذي يحتمله الدستور ، كما بملاحظة ذ عبد الله العروي ، ومن تم الانتصار ، استقبالا ، لتعددية المشاركة (وليس الإشراك هذه المرة..) والتناوب الطبيعي المشروع والشرعي ، بديلا عن اجترار تعددية الادعاء والتقول ( من جهة الحكم ) والممانعة والرفض ( من جهة المعارضة ) .
ولما كانت إ كراهات 40 سنة من النزيف والاختلال أقوى من إمكانيات وإمكانات تجاوزها ، فقد وجد من يقول أن محك هذه التجربة الحكومية " ليس هو التغيير ، ولكن الانتقال نحو التغيير " ، في هذا الصدد تم تلخيص هذه التجربة في كونها " امتحانا في الإصرار على التهييء السياسي والقانوني والتقني لموعد 27 شتنبر 2002 حتى تتم في ظل العهد الجديد وتحت إشراف حكومة التناوب أول انتخابات نزيهة في بلادنا " على خلفية " انه لايمكن إنجاح أي مشروع تنموي اقتصادي واجتماعي دون تحقيق تأهيل سياسي " كما جاء في تصريح ذ عبد الرحمان اليوسفي حول حصيلة حكومته ..

وعليه ، فقد أسفرت تلك الانتخابات عن تعددية تمثيلية حزبية حقيقية ، نسبيا طبعا ، بوأت أحزاب الأغلبية الحكومية مجتمعة المرتبة الأولى بما اعتبر مدعاة للجزاء والحبور وإعادة الثقة في التجربة الحكومية السابقة .ذلك ما كان ، طبعا ، على الرغم من حادثة الخروج عن " المنهجية الديموقراطية " التي سجلها ، في الطريق ، حزب الاتحاد الاشتراكي ق ش .

وقد أعادت انتخابات 7شتنبر 2007 ، التي كنت اعتقدها واهما انتخابات "السرعة النهائية " في وتيرة سير الانتقال الديموقراطي في بلادنا ، قلت أعادت طبع نفس صدارة أحزاب الأغلبية الحكومية السابقة ، لكن هذه المرة ، بترتيب مختلف ، وفي نسخة منقحة ، وبفهرسة غنية .. مع الاحترام الواجب ، طبعا هذه المرة ، للمنهجية الديموقراطية .

***

بعد هذا التوصيف /التصنيف المقتضب لصيرورة التعددية السياسية / الحزبية في المغرب ، يحق لنا أن نطرح التساؤلات والملاحظات التالية ، وفي البال أن المأمول من نجاح امتحان الانتقال الديموقراطي هو الاستقرار الديموقراطي بالتناوب أو بتجديد الثقة ، في إطار تعددية سياسية حزبية محكها الأرأس ، في المشاركة كما في المعارضة ، هو قدرتها التنافسية بالمشاريع والسياسات والبرامج الإصلاحية الإجرائية المجدية للمصالح العامة للمجتمع ،هذا هو رهان تعدديتنا ومستقبلنا ، ولنعد إلى طرح التساؤلات والملاحظات هاته :

هل طال انتظار نتائج امتحان التعددية المغربية .. أم أن مضمون نتائج هذا الامتحان هو هذا : أغلبية حزبية حكومية شبه قارة ، على الرغم من تنافرها الفكري والسياسي ، ومعارضة حزبية متعارضة ومشتتة الخارطة ( والغالب الله) ؟ ؟
-قد تسمح لنا هذه الأغلبية القارة ، بالحديث ، نسبيا وتجاوزا ،عن الأحزاب " الكبرى ".

فبماذا هذه الأحزاب " كبرى " ؟ ( بالمال ؟بالنفوذ؟ بالقبيلة ؟ بالأعيان؟ بالدين؟) وهل هي فعلا " كبرى " بمنطق السياسة ؟ وعليه ، لماذا لا يوجد في المغرب حتى الآن هذا الحزب .. أو الأحزاب الكبرى ، فعلا ، بالسياسة وفيها ؟

-قد نجيب على هذا السؤال بأثر كيمياء شرعية ومشروعية الكاريزما الملكية المشفوعة بالدين والشرف والتاريخ والسياسة ، والتي تكفي الناس سياسة وتسيسا .. مما قد يفسر ، من بعض الأوجه، كارثة المشاركة الهزيلة في انتخابات 7 شتنبر كتعبير عن ثقافة سياسية مجتمعية مستكينة إلى / واثقة في دور الرمز الكبير ، دون سواه ،أب الجميع ..لاهية غافلة عن حزبية لا طائلة من ورائها .. أكثر منه تعبيرا عن نزوع سياسي رفضوي عابث..

- وقد نجيب عليه بأزمة الأحزاب الداخلية ، الفكرية والتنظيمية والتي تتطلب انتقالا ملحا إلى الديموقراطية بتجديد وإبداع منظومتها الفكرية ، وبالتشارك والتناوب على أجهزتها التنظيمية ، انتقالا يسمح بتشكيلات برلمانية متناغمة متماسكة ونابذة لتشتت الخريطة السياسية، انتقالا يمرن الشرايين المتصلبة في الأجهزة الحزبية ، انتقالا يمايز بين الايديولوجيات والبرامج الحزبية ، انتقالا لا يتيح من الفراغ والمركزية والجمود والإقصاء الداعين بالضرورة والموضوع إلى المزيد من التفريخ الحزبي .

- وقد نجيب عليه بمحدودية التعامل مع منطق التأويل البرلماني للدستور لصالح توسيع فاعلية منطق الفعل الرئاسي المتاح للملك بمنطوق دستوري لايحتاج الى تأويل .

مما يطرح السؤال حول ماهية و حدود المساحة السياسية الحقيقة والمعقولة التي تحتاجها التعددية الحزبية ، الحكومية أو المعارضة ، والتي بدونها لا يمكن الحديث عن الانتخابات والحكومة كتنافس برنامجي إجرائي بين الأحزاب ، وكعقاب وجزاء شعبي في نفس الآن .

إذ ما الفائدة من التعددية ، بل ومن وجود الأحزاب ذاتها ، اذا كانت حظوظ المشاركة في تدبير الشأن العام محدودة ومقيدة ؟

لكي تستوي التعددية المغربية فعالة شغالة ، يصعب علينا الفصل والتمييز بين ضرورتي الإصلاح الدستوري والإصلاح الحزبي .هذا هو الامتحان الفعلي لآفاق تعدديتنا . وهو امتحان ممكن ، ولايجب استثناء أي طرف من المشاركة فيه ، إلا ماكان يناقض ويرفض مقومات الدولة والحكم المغربيين من أقصى اليمين الديني ومن أقصى اليسار الماركسي.

هذا هو تحدينا الكبير ، حتى لايظل انتقالنا الديموقراطي معطوبا.. مجرورا إلى منطق الخصوصية .

ليست هناك تعليقات: