محمد الحاضي
تؤكد دروس التاريخ ، أن التعددية الحزبية قد تكون هي نفسها تعددية سياسية تعبيرا واشتغالا ، وقد لا تكون .. وأن التعددية السياسية قد تتمظهر شرعيا ومؤسسيا وفكريا وتنظيميا في تعددية حزبية ، وقد تجنح إلى الوجود القسري بالقوة أو بالفعل أو بهما معا ، في حالة الأنظمة التوتاليتارية المستبدة..
التعددية الحزبية بالمغرب لم تبدأ في التكوين إلا مع ثلاثينيات القرن الماضي، لكن بالمقارنة مع معظم التجارب العالمثاليتية ، تبقى التجربة المغربية قديمة نسبيا من باب التأريخ ، وقانونية من باب الدستور الذي يمنع الحزب الوحيد ، وحية في وجه آليات القمع والتهميش التى نهجتها معها السلطة المتحكمة بما يشبه نظام الحزب الوحيد من بعيد الاستقلال إلى أواخر التسعينيات . الغريب أن هذه السلطة المتحكمة الوحيدة هي التي ظلت تتغنى بعراقة التعددية المغربية ، طبعا ، من باب الاستهلاك الإعلامي أمام الآخر ، ليس إلا .
لقد قطع تاريخ التعددية الحزبية / السياسية في بلادنا منذ الاستعمار مايمكن توصيفه وتصنيفه في المراحل التالية :
تعددية مختزلة خلال الاستعمار ، بحكم سياق وظرفية المقاومة الوطنية " الموحدة " للاحتلال الأجنبي والتي ذهبت إلى حد رفض " الحزبية " باعتبارها " تمزق " الحركة الوطنية ذات العدو الواحد والمطالب الموحدة كما ذهب ذ عبد الله كنون في موقفه من خلاف محمد بن الحسن الوازني مع علال الفاسي .
تعددية محجوزة ،من بداية الستينيات إلى قيام حكومة التناوب التوافقي في مارس1998 ،ومن أهم سماتها أن الأحزاب " الحكومية" أو " الإدارية " ، من زاويتي النشأة والمشاركة ، خلال هذه المرحلة المتوترة ، لم تعبر في معظمها عن التعددية السياسية الموضوعية والموجودة في الواقع الفعلي ، بقدر ما كانت صوتا / حزبا" واحدا " طيعا ومطيعا للسلطة والإدارة . بينما التعددية الحقيقية والراسخة في تربة الواقع ، حرمت حواملها الحزبية ، دوما ، من المشاركة والإشراك في تدبير الشأن الحكومي .
ورغم ارهاصات الانفتاح مع 1975 ، فقد ظل مشهدنا السياسي التعددي محجوزا "و "واحديا" في الحكم وصنع القرار ، تعدديا في المعارضة والهامش ، حتى استنفذت هذه التعددية المبتورة والمطبوعة بجدل الحضور والتغييب ، منذ بداية التسعينيات، تحت ضغط عوامل داخلية وخارجية حاسمة ، ليس هنا مجال التذكير بها .
تعددية ممتحنة ، قام هذا الامتحان على إشراك ضحايا تعددية الحجز والتهميش السابقة ، مستندا على تركيبة " التناوب التوافقي " فدخلت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية على خط الاشتغال الحكومي ، وبدا وكأن التعددية الحقيقية قد أخذت تنتقل من واقع المعارضة إلى محك التدبير والمشاركة .وقد كانت الميزة المأمولة لهذا التناوب التوافقي، هي الانتصار لمنطق التأويل البرلماني الذي يحتمله الدستور ، كما بملاحظة ذ عبد الله العروي ، ومن تم الانتصار ، استقبالا ، لتعددية المشاركة (وليس الإشراك هذه المرة..) والتناوب الطبيعي المشروع والشرعي ، بديلا عن اجترار تعددية الادعاء والتقول ( من جهة الحكم ) والممانعة والرفض ( من جهة المعارضة ) .
ولما كانت إ كراهات 40 سنة من النزيف والاختلال أقوى من إمكانيات وإمكانات تجاوزها ، فقد وجد من يقول أن محك هذه التجربة الحكومية " ليس هو التغيير ، ولكن الانتقال نحو التغيير " ، في هذا الصدد تم تلخيص هذه التجربة في كونها " امتحانا في الإصرار على التهييء السياسي والقانوني والتقني لموعد 27 شتنبر 2002 حتى تتم في ظل العهد الجديد وتحت إشراف حكومة التناوب أول انتخابات نزيهة في بلادنا " على خلفية " انه لايمكن إنجاح أي مشروع تنموي اقتصادي واجتماعي دون تحقيق تأهيل سياسي " كما جاء في تصريح ذ عبد الرحمان اليوسفي حول حصيلة حكومته ..
وعليه ، فقد أسفرت تلك الانتخابات عن تعددية تمثيلية حزبية حقيقية ، نسبيا طبعا ، بوأت أحزاب الأغلبية الحكومية مجتمعة المرتبة الأولى بما اعتبر مدعاة للجزاء والحبور وإعادة الثقة في التجربة الحكومية السابقة .ذلك ما كان ، طبعا ، على الرغم من حادثة الخروج عن " المنهجية الديموقراطية " التي سجلها ، في الطريق ، حزب الاتحاد الاشتراكي ق ش .
وقد أعادت انتخابات 7شتنبر 2007 ، التي كنت اعتقدها واهما انتخابات "السرعة النهائية " في وتيرة سير الانتقال الديموقراطي في بلادنا ، قلت أعادت طبع نفس صدارة أحزاب الأغلبية الحكومية السابقة ، لكن هذه المرة ، بترتيب مختلف ، وفي نسخة منقحة ، وبفهرسة غنية .. مع الاحترام الواجب ، طبعا هذه المرة ، للمنهجية الديموقراطية .
***
بعد هذا التوصيف /التصنيف المقتضب لصيرورة التعددية السياسية / الحزبية في المغرب ، يحق لنا أن نطرح التساؤلات والملاحظات التالية ، وفي البال أن المأمول من نجاح امتحان الانتقال الديموقراطي هو الاستقرار الديموقراطي بالتناوب أو بتجديد الثقة ، في إطار تعددية سياسية حزبية محكها الأرأس ، في المشاركة كما في المعارضة ، هو قدرتها التنافسية بالمشاريع والسياسات والبرامج الإصلاحية الإجرائية المجدية للمصالح العامة للمجتمع ،هذا هو رهان تعدديتنا ومستقبلنا ، ولنعد إلى طرح التساؤلات والملاحظات هاته :
هل طال انتظار نتائج امتحان التعددية المغربية .. أم أن مضمون نتائج هذا الامتحان هو هذا : أغلبية حزبية حكومية شبه قارة ، على الرغم من تنافرها الفكري والسياسي ، ومعارضة حزبية متعارضة ومشتتة الخارطة ( والغالب الله) ؟ ؟
-قد تسمح لنا هذه الأغلبية القارة ، بالحديث ، نسبيا وتجاوزا ،عن الأحزاب " الكبرى ".
فبماذا هذه الأحزاب " كبرى " ؟ ( بالمال ؟بالنفوذ؟ بالقبيلة ؟ بالأعيان؟ بالدين؟) وهل هي فعلا " كبرى " بمنطق السياسة ؟ وعليه ، لماذا لا يوجد في المغرب حتى الآن هذا الحزب .. أو الأحزاب الكبرى ، فعلا ، بالسياسة وفيها ؟
-قد نجيب على هذا السؤال بأثر كيمياء شرعية ومشروعية الكاريزما الملكية المشفوعة بالدين والشرف والتاريخ والسياسة ، والتي تكفي الناس سياسة وتسيسا .. مما قد يفسر ، من بعض الأوجه، كارثة المشاركة الهزيلة في انتخابات 7 شتنبر كتعبير عن ثقافة سياسية مجتمعية مستكينة إلى / واثقة في دور الرمز الكبير ، دون سواه ،أب الجميع ..لاهية غافلة عن حزبية لا طائلة من ورائها .. أكثر منه تعبيرا عن نزوع سياسي رفضوي عابث..
- وقد نجيب عليه بأزمة الأحزاب الداخلية ، الفكرية والتنظيمية والتي تتطلب انتقالا ملحا إلى الديموقراطية بتجديد وإبداع منظومتها الفكرية ، وبالتشارك والتناوب على أجهزتها التنظيمية ، انتقالا يسمح بتشكيلات برلمانية متناغمة متماسكة ونابذة لتشتت الخريطة السياسية، انتقالا يمرن الشرايين المتصلبة في الأجهزة الحزبية ، انتقالا يمايز بين الايديولوجيات والبرامج الحزبية ، انتقالا لا يتيح من الفراغ والمركزية والجمود والإقصاء الداعين بالضرورة والموضوع إلى المزيد من التفريخ الحزبي .
- وقد نجيب عليه بمحدودية التعامل مع منطق التأويل البرلماني للدستور لصالح توسيع فاعلية منطق الفعل الرئاسي المتاح للملك بمنطوق دستوري لايحتاج الى تأويل .
مما يطرح السؤال حول ماهية و حدود المساحة السياسية الحقيقة والمعقولة التي تحتاجها التعددية الحزبية ، الحكومية أو المعارضة ، والتي بدونها لا يمكن الحديث عن الانتخابات والحكومة كتنافس برنامجي إجرائي بين الأحزاب ، وكعقاب وجزاء شعبي في نفس الآن .
إذ ما الفائدة من التعددية ، بل ومن وجود الأحزاب ذاتها ، اذا كانت حظوظ المشاركة في تدبير الشأن العام محدودة ومقيدة ؟
لكي تستوي التعددية المغربية فعالة شغالة ، يصعب علينا الفصل والتمييز بين ضرورتي الإصلاح الدستوري والإصلاح الحزبي .هذا هو الامتحان الفعلي لآفاق تعدديتنا . وهو امتحان ممكن ، ولايجب استثناء أي طرف من المشاركة فيه ، إلا ماكان يناقض ويرفض مقومات الدولة والحكم المغربيين من أقصى اليمين الديني ومن أقصى اليسار الماركسي.
هذا هو تحدينا الكبير ، حتى لايظل انتقالنا الديموقراطي معطوبا.. مجرورا إلى منطق الخصوصية .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق