"أنهى" الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مؤتمره الثامن بما أصبح يعرف في المعجم السياسي والإعلامي بالشوط الأول لبوزنيقة، في أجواء لم تكن متوقعة، على الأقل بالشكل الذي عاشه المؤتمر، وإن كانت كل المؤشرات السياسية والتنظيمية لما قبل محطة المؤتمر تؤشر على صعوبة إنجاح مؤتمر بمقررات جديدة، وآليات جديدة، وبأفق سياسي جديد. فحتى دورة المجلس الوطني ليوم الخميس 12 يونيو لم تحسم في العديد من القضايا التنظيمية الشائكة التي علقت إلى حين انعقاد المؤتمر، وهو ما زاد من تعقيد الأشياء. هل نجح المؤتمر أم لم ينجح؟، هل يتعلق الأمر بفشل غير معلن مغلف بإجماع على التأجيل؟ أم هل يتعلق الأمر حقا بنجاح مسنود بمرونة تنظيمية وبرؤية مستقبلية واقعية؟، هل نحن أمام كبوة جديدة تنضاف لكبوة 7 شتنبر أم أمام سيناريو لتحصيل حاصلٍ يعتمل داخل الجسم الاتحادي...؟.
تتعدد الأسئلة وردود الأفعال. المواقف متباينة والقراءات مختلفة. من داخل العائلة الاتحادية هناك من يعتبر بأن تقييم المؤتمر على أساس معيار الفشل أو النجاح هو عنوان خاطئ لأن الأمر لا يتعلق بهذه المقاييس، وبالتالي فعدم إتمام جدول الأعمال هو فشل جزئي. وبلغة أكثر تطمينا يعتبر رئيس المؤتمر الوطني الثامن محمد لخصاصي بأن المؤتمر كان ناجحا بكل المقاييس في دورته الأولى خلافا للانطباعات وللتأويلات. ويتأكد الأمر حسب قوله بتصويت المؤتمر بالإجماع على ضرورة عقد دورة ثانية بعد استنفاد المدة الزمنية التي كانت محددة للمؤتمر. في نفس الاتجاه، يعتبر إدريس لشكر عضو المكتب السياسي بأن الأمر طبيعي جدا لأن الحزب يدخل أول مرة إلى مؤتمر بدون قائد، وأن كافة مؤتمرات الاتحاد عاشت نفس الأجواء منذ المؤتمر الاستثنائي سنة 1975. ويعتقد بأن المؤتمر هو انتصار لجميع الاتحاديات والاتحاديين.
وبلغة مختلفة، يصرح حسن طارق عضو اللجنة التحضيرية للمؤتمر الثامن بان الخلاصة الأساسية وهي فشل الاتحاد في تنظيم مؤتمر غير مرتب مسبقا. ويعتبر بان القيادة السياسية لم تستوعب الذهاب إلى المؤتمر للحسم بكل سيادية في القضايا المطروحة.
ويبدو أن وقع سؤال النجاح أو الفشل تختلف مدلولاته وآثاره ومعانيه خارج التنظيم الحزبي. إذ اعتبرت العديد من الكتابات، بعضها من داخل الجسم الإعلامي، وبعضها الآخر لفاعلين سياسيين ومحللين، بأن ما وقع تعبير حقيقي عن أزمة الاتحاد. ولعل أولى إرهاصاتها أن الحزب لا يعترف أصلا بهذه الأزمة، ويصر على الإقرار بأنه في حالة جيدة. فيما تذهب بعض القراءات إلى اعتبار أن ما وقع للعقل الاتحادي هو إعلان عن "الموت السريري للشريان المعارض في الجسد الاتحادي"، وأن انعزال القيادة عن القاعدة هو إعلان عن "حالة عقم كلي". وتذهب تصورات أخرى إلى القول بأن أزمة الاتحاد الاشتراكي الحالية لا ترتبط فقط بالاتحاد، بل هي نتيجة تجعل من الاتحاد ضحية للنظام السياسي الذي ظل متضايقا من الأحزاب التي كانت تنافسه في الحكم، وعمل على تكسيرها بشكل ممنهج. وها هو يؤدي ضريبة المشاركة في السلطة!.
ومن منظور أكثر تفاؤلية، هناك من يعتبر بأنه من الخطأ اعتبار أن كل ما تم خلال أيام المؤتمر صغيرا على اليسار. فوجهة النظر التي تشير إلى إيجابيات المطارحة والمصارحة بين الاتحاديين لا تخلو من صواب حتى وإن كان ذلك في أجواء مشحونة وغير متحكم فيها.
نستعرض في هذا المقام بعضا من ردود الأفعال المسجلة إزاء المؤتمر الثامن للاتحاد الاشتراكي. بعضها لوجوه سياسية تنتمي للحزب، وبعضها الآخر لفاعلين سياسيين وإعلاميين.
-----------------------------------------
المؤتمر : نجاح ذريع
إن أزمة الأزمات التي يعيشها حزب الاتحاد الاشتراكي وتشل أعضاءه، وتعطل إمكاناته هي الإصرار على أن الحزب لا يعيش أزمة، على أنه بخير، وعلى أن الاتحاديين حريصون على وحدة حزبهم، ولذلك وافقوا بـ"الإجماع" على تعليق أشغال مؤتمرهم. إن قادة الاتحاد الاشتراكي يستحقون التنويه بحنكتهم والإشادة بخبرتهم التي اكتسبوها من خلال التجربة النضالية الطويلة. فقد حولوا فشل مؤتمرهم إلى نجاح. ويريدون أن يجعلوا الرأي العام "الوطني والدولي" يقرأ في تعليق الأشغال "الحفاظ على وحدة الحزب"، و"الحرص على التشبث باستقلاليته في اتخاذ القرار"… وما إلى ذلك من النجاحات غير المسبوقة في تاريخ هذا الحزب.
إن الحقيقة الماثلة أمامنا جميعا هي أن المؤتمر، كما حضر له، كان يجب أن ينهي أشغاله يوم الأحد 15 يونيو، بانتخاب قيادته. والذي حصل هو انه فشل في ذلك. فلا يمكن أن نغطي الشمس بالغربال. المؤتمر الثامن لحزب "التناوب التوافقي" فشل.
الحياة: 20-26 يونيو 2008 العدد 17
الإتحاد داخل الإتحاد
ففيما كانت أنظار وقلوب أصدقاء وحلفاء الاتحاد تتطلع إلى نجاح المؤتمر الثامن في تجاوز العقبات والصعاب، الموضوعة أمامه، وتحقيق النتائج الإيجابية المرجوة منه، كانت فضاءات المؤتمر ببوزنيقة غارقة في الاحتقان والصراع والصدام المفتوح على كل الاحتمالات.
وكانت حدة وسخونة العراك السياسي والتنظيمي تشتد وترتفع درجتها حين تناول كل ما يتعلق بتقييم الوضع السياسي وبقضايا التنظيم والهياكل.
ولم يتردد البعض من المؤتمرين في تحميل مسؤولية ما وقع إلى الوجوه القيادية التي ساهمت في تأجيج الصراعات ومناخ التوتر، سواء بأطروحاتها السياسية أو بالصراع على المواقع والسباق نحو الكتابة الأولى.
بطبيعة الحال إن قرار التعليق كان إجماعيا، وأن "المؤتمر كان سيد نفسه" في القرار وفي تحديد صيغ وآليات الاشتغال. كما أنه من الخطأ اعتبار أن كل ما تم خلال أيام المؤتمر صفرا على اليسار. فوجهة النظر التي تشير إلى إيجابيات المطارحة والمصارحة بين الاتحاديين لا تخلو من صواب حتى وإن كان ذلك في أجواء مشحونة وغير متحكم فيها. ذلك لأن الجميع، جميع الأطراف والمجموعات، تمكنت من الصدح بما في جعبتها من تصورات، وانتقادات، وحتى اتهامات…
أحمد بوكيوض، بيان اليوم، عدد 473 1 يونيو 08.
المؤتمر ناجع بكل المقاييس
أعتقد أن المؤتمر الثامن للاتحاد الاشتراكي كان مؤتمرا ناجحا بكل المقاييس في دورته الأولى، خلافا للانطباعات والتأويلات التي ذهب إليها بعض الإخوة الصحفيين الذين اختلفت درجة متابعتهم لأشغال الدورة الأولى من المؤتمر ولعل خير دليل على نجاح هذه الدورة هو تصويت المؤتمر بالإجماع على ضرورة عقد دورة ثانية بعد استنفاد المدة الزمنية التي كانت محددة للمؤتمر.
أولا لأن النقاشات والمداولات حول الأطروحات التنظيمية والسياسية والفكرية التي عرضتا أشغال اللجنة التحضيرية للمؤتمر على أنظار هذا الأخير كانت أطروحات مستجدة تروم إدخال تحديثات وتطورات على الخط التنظيمي والسياسي وكذلك المرجعية الفكرية للاتحاد. في مقدمة هذه الأطروحات في المجال التنظيمي ما تضمنه مشروع المقرر التنظيمي. هذا نمط جديد للاقتراع لانتخاب الأجهزة التقريرية والتنفيذية للاتحاد الاشتراكي، وقد استقطب هذا المشروع التنظيمي نقاشا حادا وتحالفا كبيرا حول صلاحية الأخذ بهذا النمط ومدى ملاءمته للمعطيات التنظيمية والسياسية والفكرية والذهنية داخل صفوف الاتحاد الاشتراكي، وقد كانت الخلفية الأساسية الكامنة وراء هذا النقاش هو المساءلة الصعبة والدقيقة حول ضرورة ملاءمة المنظور التنظيمي للوحدة العضوية داخل الحزب، وقد انشطر رأي الإخوة والأخوات المندوبين والمندوبات حول هذا السؤال المحوري: مدى ملاءمة وتفاعل نظام اللائحة الذي يشكل العمود الفقري في مشروع المقرر التنظيمي مع ضرورة الوحدة العضوية داخل الاتحاد.
محمد لخصاصي، رئيس المؤتمر الوطني الثامن
الاتحاد الاشتراكي، عدد 8902، 21 يونيو
الإتحاد يعيش أزمة قاتلة:
أنا أرى أن الاتحاد الاشتراكي يعيش أزمة قاتلة، وهذا أمر كنت أريد أن أقوله في المؤتمر ولكنهم لم يتركوني، اليازغي طرد بالإجماع من منصب الكاتب الأول دون أن يحصل ولو على صوت واحد لصالحه. ومع ذلك يأتي إلى المؤتمر ويقدم تقريرا لما يزيد عن الساعة من الزمن، وقد سألت الإخوان في المكتب السياسي عن الأمر فقالوا بأنه ضغط عليهم وأنهم لم يكونوا يرغبون في ذلك ولم يعفوا أبدا ما كانت تتضمنه الكلمة التي ألقها، فما هذا؟ كيف يمكن للمكتب السياسي ألا يطلع على الكلمة؟ هل هذا هو التجديد داخل المغرب؟ على الأقل فيما مضى كنا نحترم الشكليات، والآن لم نعد نحترم أي شيء ولو حتى الشكليات.
محمد الحبابي: الشروق عدد 12 يونيو 2008
جنون الإتحاد:
أنا لا اعتقد أن أزمة الاتحاد الاشتراكي الحالية مرتبطة فقط بالاتحاد نفسه وبرجالاته وصراعاته وتناقضات الطامحين داخله وأخطائه التاريخية وترهله وجنون بعض قيادييه وما إلى ذلك مما هو كثير، ولكن اعتقد جازما أن جزءا من أزمة الاتحاد يوجد خارجه، بمعنى أن هذا الحزب الذي حمل على عاتقه الجزء الأكبر من ثمن التغيير والإصلاح في تاريخ المغرب هو بشكل أو بآخر ضحية. يمكن أن نقول إن الاتحاد الاشتراكي مثله مثل المغاربة ضحية لنظام لا يكل لتكسير كل قوة يمكن أن تزاحمه على قيادة المغاربة، وإذا كان لا بد لهذا الحزب في نظرهم أن يتزلزل أكثر فليتزلزل، فليس بالاتحاد يحيى المغاربة، وعلى أي الاتحاد الاشتراكي غير موجود في الشعار الوطني للملكة والحمد لله!
نور الدين مفتاح: الأيام عدد 334 يونيو 2008
لم نصل إلى المؤتمر بقيادة جماعية:
* تعليق أو تأخير أشغال المؤتمر يرتبط، اولا، بالمدة الزمنية المحددة لهذا المؤتمر، والتي لم تكن كافية، ذلك أن رهانات كبيرة كانت مطروحة على مؤتمرنا الثامن. وكان جدول الأعمال يتضمن مجموعة من القضايا التي طرحت عليه، من ضمنها المسألة التنظيمية التي طرحت بقوة خلال التحضير للمؤتمر: أي كيفية الوصول إلى المزيد من دمقرطة الحياة التنظيمية، وكيفية ضمان مسطرة لفرز أجهزة الحزب، وهي مسطرة جديدة تتعلق بمقترح اللجنة التحضيرية القاضي باعتماد نظام اللائحة، وبالتالي كان النقاش كبيرا حول المسألة. إضافة إلى نقاش مستفيض حول تقييم أداء المكتب السياسي، وأداء الحزب في الفترة الممتدة من المؤتمر السابع إلى المؤتمر الثامن. واعتقد أن من الإيجابات التي عرفها هذا المؤتمر انه كان مؤتمرا مفتوحا في وجه الصحافة الوطنية، وإن تم، في بعض الأحيان، تقل معطيات غير صحيحة، وأخرى لا تعكس سوى وجهة نظر دون الأخرى. لكنه، وفي جميع الحالات، فإن قرار تأجيل الشطر الثاني المتعلق بانتخاب أجهزة الحزب، بعد أن تمت مناقشة التقريرين الأدبي والمالي، والبث في مسألة عضوية المؤتمر، التي كانت تثير الصعوبات، في بعض الإقليم، بالنظر إلى الطعونات التي تم تقديمها، لا يمنع من القول إن المؤتمر قد تقدم في 50% من أشغاله، وبقيت 50% المتعلقة بانتخاب أجهزة الاتحاد.
أغماني: الحياة عدد 17 يونيو 2008.
الأمر طبيعي
بالنسبة لي الأمر طبيعي جدا. نحن حزب يدخل لهذا المؤتمر، ولأول مرة، بدون قائد محدد سلفا. ثم ثانيا، دخلنا لهذا المؤتمر في ظل ظروف وطنية وحزبية لم تكن سهلة البتة.
الأمر طبيعي من جهة أن كافة مؤتمرات الاتحاد الاشتراكي عاشت نفس الأجواء منذ المؤتمر الاستثنائي سنة 1975. لم يسبق لأي مؤتمر من مؤتمرات الاتحاد الاشتراكي أن خلا من النقاش الحاد، بل العنيف أحيانا. وعرفت هذه المحطات الكبرى في تاريخ الاتحاد شحنات عاطفية قوية وشعارات حماسية ولحظات صعبة. ما وقع في المؤتمر الوطني الثامن سوف يفاجئ فقط من لا يعرفون الاتحاد الاشتراكي، أما من عاش بداخله فسيعتبر مجريات المؤتمر الأخير شيئا طبيعيا.
اعتقد أن ما خلص إليه المؤتمر هو انتصار لجميع الاتحاديات والاتحاديين. وكل جهة تحاول شخصنة هذه المكاسب فهي بالمؤكد لا تعرف الاتحاد.
لشكر: الحياة عدد 17 يونيو 2008.
فشل جزئي
حكماء الحزب وقادته "استقالوا" وأحجموا عن توجيه المؤتمر في الاتجاه الإيجابي
اعتقد أن تقييم المؤتمر على أساس انه فشل أم نجح هو في نظري عنوان ليس في محله أو بالأحرى ليس دقيقا، لان الأمر لا يتعلق بمقاييس الفشل أو بمقاييس النجاح.
أعتبر أن تعليق أشغال المؤتمر لعدم تمكنه من إتمام جدول أعماله هو فشل جزئي وليس فشلا مطلقا. والسبب الرئيسي في هذا الفشل الجزئي هو عدم التحضير والتهييء الجيد لأشغال المؤتمر الثامن، وأية ذلك أن أوراق المقررات التي صودق عليها من قبل المجلس الوطني والتي أنجزت من طرف اللجنة التحضيرية في مختلف اللجن المتفرعة عنها سواء تعلق الأمر بمقرر الهوية وكذا بالخط السياسي والتقرير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وقبل هذه التقارير كان هناك تقرير مهم وأساسي عرض على المجلس الوطني المنعقد في شهر يناير الماضي ويتعلق بتقييم شامل لأسباب النكسة أو النكبة التي أصيب بها الحزب والنتائج الهزيلة التي حصل عليها الحزب في انتخابات سابع شتنبر 2007. هذه التقارير كلها لم تناقش من قبل القواعد الحزبية خلافا لما كان يجري في السابق فكان من المفترض أن تعرض هذه المقررات على المناضلين في الأقاليم وتناقش في الفروع وتقترح إضافات وتعديلات ويوكل للكتابة الإقليمية أن تهيء تقريرا بهذه الملاحظات والإضافات، ويوجه هذا التقرير إلى اللجنة التحضيرية الذي تعرضه على المجلس الوطني قبل انعقاد المؤتمر من اجل الأخذ بعين الاعتبار. وهو الأمر الذي لم يتم، أي أن النقاش السياسي لم يتم سواء قبل المؤتمر أو أثناء انعقاده.
محمد كرم، الأحداث المغربية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق