إعلام حر، نزيه، مستقل .... موقع صحيفة الجسور المغربية يرحب بزواره الكرام ويتمنى لهم إبحارا ممتعا، فمرحبا بكل التعليقات المفيدة والتوجيهات السديدة...

هذه الجسور .....

أردناها أن تكون صوتا حرا لإعلان الاتفاق أو الاختلاف، دونما رقابة ذاتية أو أحكام معلبة. أردناها أن تكون منبرا يسائل الوقائع من أجل الخطو إلى الأمام، والإسهام في كل هوامش التطور الممكن في مغرب اليوم ضدا على كل اليقينيات الجاهزة، والإرادات المحافظة.

وأردناها أن تكون جسورا للتواصل، والتحليل، والنقد، والإبداع... وابتغينا لها الإسهامَ في محاربة ثقافة الهامش، ومنطق التيئيس الذي أصبح يحتل مساحات واسعة في تمثلات وسلوكات الفرد والمجتمع.

هذه الجسور تعلن انتماءَها، دون تردد، لمسار التحديث، وهاجس البناء... وكم هي شاقة جسور التحديث والبناء في مغرب متحول تحاصره إكراهات التقدم ومستلزماته، وجيوب المقاومة، الظاهرة والمضمرة !

--------------------------------------------------------------------------------------------


الثلاثاء، أغسطس 12، 2008

التنوع الثقافي في السينما المغربية


تحت شعار "السينما من أجل تنمية الوعي الاجتماعي والجمالي"، نظم النادي السينمائي لمدينة سيدي قاسم المهرجان السينمائي التاسع ما بين 17 و21 أبريل 08. وفي إطار فقرات البرنامج نظمت ندوة في موضوع: "التنوع الثقافي في السينما المغربية" بمشاركة الباحثين السينمائيين محمد عابد، عمر بلخمار، حميد اتباتو، واحمد اعرايب، وكذا أحمد صلو عن المعهد الملكي للثقافة السينمائية.
في معرض الورقة التقديمية التي وقعها ذ. إبراهيم حسناوي، وألقاها السيد جمال الدين راشيدي نائب وزارة التربية الوطنية، أشار بأن "سؤال التنوع الثقافي في السينما مرتبط بسؤال السينمائية في الفيلم المغربي. إذ هو سؤال مرتبط بمرجعية الكتابة السينمائية، وكذا بالمجال الجمعي والثقافي للمجتمع والأفراد. وطرحت الورقة العديد من الأسئلة الهامة من قبيل: ما هي علاقة الفيلم المغربي بروافده الثقافية، وهل يقدم نمطا خاصا من الكتابة التي تُبرز تنوع المرجعية الثقافية المغربية؟، وهل استطاعت السينما المغربية ابتكار لغة خاصة تقارب بها الأشكال الثقافية، والإنتاج الرمزي للمجتمع المغربي من خلال مقاربة جمالية وإبداعية؟". وأشار رئيس الجلسة السيد راشيدي بأن سؤال التنوع الثقافي يستلزم استحضار العديد من المكونات (وظائف السينما - أدواتها التعبيرية، الجمهور والتلقي، المرجعيات الفكرية والفلسفية، أنماط الحكي…)
* هل الهوية شيء ثابت؟
وتدخل الصحفي والناقد عمر بلخمار. وتساءل عن مفهوم الهوية الثقافية، وعن مدلولاته، وطرح سؤالا عريضا، هل الهوية شيء ثابت أم متغير؟. وحصر عناصر الهوية الثقافية في أربعة ثوابت: البيئة، والدين، واللغة، والتراث. باعتبارها عناصر تشكل النظم الاجتماعية، وتحدد أنماط السلوكات، والتعبير. وقد قارب الناقد هذه العناصر من خلال بعض الأعمال السينمائية المغربية.
وانطلق في مستهل حديثه من ملاحظتين. الأولى تتعلق بالأفلام المغربية التي تصور في بعض المناطق الغنية بتعبيراتها الثقافية، ولكنها لا تهتم بها. وأشار إلى فيلم "طرفاية" لداوود ولاد السيد الذي صُور في طرفاية دون الاهتمام بخصوصيات المنطقة. في حين أن هناك أفلاما صورت في بعض الأمكنة الجغرافية، وأولت لها اهتماما خاصا: "عيون جافة" "وكابوس"، و "أركانة".
وهناك أفلام تناولت موضوع التعايش والتفاعل بين الثقافة المغربية والثقافات الأخرى مثل "ماروك"، "وداعا أمهات" "فين ماشى يا موشي". وأفلام أخرى تطرقت إلى موضوعة الأصالة والمعاصرة "إسلام يا سلام"، "ما وراء جيل طارق"، "الرحلة الكبرى"، "خيط الروح"، "هنا ولهيه".
وسجل المتدخل وجود أفلام تناولت المسألة الدينية برؤية نقدية: "وشمة"، "القلوب المحترقة"…، أو الطقوس الدينية والشعوذة: "شفاه الصمت"، "الشركي"، "تاغنجة"، "باب السماء مفتوح". فيما أفلام أخرى أحدثت ضجة كبيرة نظرا لطريقة تناولها: "ماروك"، "ملائكة الشيطان"، وقد حققت نجاحا تجاريا كبيرا.
وانتقد بعض الأفلام التي تصوَر بدعم أجنبي، وتقدم صورة فلكلورية أو استعراضية عن المغرب، وتتناول في مجملها مشاهد دموية بشعة، ومأساوية مثل: البكارة، الختان، الاغتسال بالدم، دفن الموتى بطرق مشوهة. وهي أفلام تبرر وجودها بكونها مأخوذة من الواقع المغربي. في حين أنها، حسب المتدخل، تستجيب لنظرة الأجنبي.
وارتباطا بسؤال اللغة هناك أفلام ناطقة كليا بالعربية، وأخرى ناطقة بالامازيغية، وعينة أخرى ناطقة بالعربية والامازيغية، وأخرى أيضا ناطقة بالفرنسية أو الإسبانية.
وعن المكون التراثي المرتبط بالعمران، والزخرفة، واللباس، والفنون الشعبية، فالملاحظ هو التوظيفات المتفاوتة المستوى في الأعمال المغربية، في تجارب مثل: جارات أبي موسى، ياقوت، أركانة، أوشتام، وكيد النسا، قصة وردة…
* الهوية صيرورة...
أما الباحث السينمائي حميد تباتو، فإنه فضل التعاطي مع الموضوع انطلاقا من أسئلة التأسيس الثقافي للسينما المغربية. واعتبر بأن سؤال التنوع الثقافي سؤال إشكالي لأنه يتأسس على العديد من المفاهيم الملتبسة. ومن ضمنها مفهوم الثقافة الذي لا يستقر على تحديد معين، أو ثابت طيلة وجوده، منذ بروز الثقافة كتعبير وسلوك يروم القطع مع الطبيعة.
يضاف إلى هذا الالتباس مفهوم الهوية. وتساءل الناقد: هل تتأسس الهوية على جوهر ثابت. هل يمكن جوهرة الهوية؟ أن نؤسسها على مرتكزات ثابتة كالدين، واللغة، والبيئة؟، وهل يمكن الارتكاز على حدود قطعية لبناء تصور موضوعي ودقيق لهذا المفهوم؟.
يقول تباتو في هذا الصدد، "إن الهوية في آخر المطاف هي كل شيء (التمظهرات السلوكية، العلاقة بالآخر، العلاقة بالمجال...) هي صيرورة. فحصر الهوية فيما هو ذاتي، لغوي، جنسي، عقائدي هو قتل لها".
وعليه، يقترح استحضار معنى الثقافة والهوية في السينما المغربية انطلاقا من الأنساق الثقافية المجتمعية. وهو ما دفعه لمساءلة التمثلات المختلفة للفيلم المغربي في تعاطيه مع التنوع الثقافي، باستحضار التمثل الغنائي، والنسق الطقوسي في المقدس الشعبي، والمكان بوصفه تقطيعا إيديولوجيا بدلالات ثقافية خاصة... إلخ.
إلى أن سؤال التنوع الثقافي يفترض أيضا-حسب تباتو- مساءلة المتن السينمائي في علاقته باقتصاد السينما، وبنمط الإنتاج والاستهلاك، وبالتصورات المؤسساتية السائدة. بالإضافة إلى موقع المخرج في العملية. وكيف يستحضر هذه الأنساق، وكيف يتمثلها.
وفي هذا الصدد، خلص إلى وجود ثلاثة أنماط إبداعية. يرتبط النمط الأول بصورة المبدع الملحمي، والثاني بنمط المبدع المقاولاتي، والنمط الثالث يحتل موقعا بينهما.
وأخيرا، توقف المتدخل على ما أسماه بانزلاقات المعنى في الممارسة السينمائية المغربية. ومن ضمن تجلياتها –المسيئة للعمل الإبداعي- الانشغال بالجانب المادي وبالمصالح الشخصية على حساب الرؤية الإبداعية، أو الانزلاق نحو استعارة بعض المعاني الثقافية في رؤية غرائبية، أو الانزلاق نحو تبخيس تعبيرات الهامش لحساب رؤية المركز، ومن ضمنها الجري نحو كونية بئيسة تخدم متطلبات العولمة...
* سؤال اللغة...
وعن أسئلة اللغة، انطلق الأستاذ أحمد صلو من أسئلة –وصفها– بالمزعجة. وحدد بعضها في: ما الذي يحدد هوية العمل الابداعي؟، وما الذي يحدد مفاهيم مثل السينما المغربية؟ السينما الامازيغية؟ السينما العربية؟.. وهل اللغة هي التي تحدد هوية السينما؟.
وللإجابة عن هذه التساؤلات، افترض المتدخل بأن اعتبار اللغة عنصرا محددا لهوية السينما يشكل نوعا من الخطورة لأن هذا الطرح يؤدي إلى الانغلاق، والانعزال. فإذا كنا سنتحدث عن سينما أمازيغية فقط لأنها ناطقة بالامازيغية، أو عن سينما مغربية فقط لأنها ناطقة بالدارجة المغربية، فهذا طرح غير صحيح. لأن المنظومة الثقافية، والأنساق الثقافية هي التي تحدد هوية العمل الإبداعي عموما. واعتبر أحمد صلو بأن الامازيغية كانت دائما حاضرة في السينما المغربية، ولكن حضورها يبقى عفويا، وغير مفكر فيه. مما يجعلها عنصرا هامشيا في أفلام "التسييح". وهناك تجارب مفكر فيها ولكن بشكل سلبي، ففي فيلم "الحلم المغربي" لجمال بلمجدوب، لا يعقل مثلا أن نشاهد رقصة الأحواش في الأطلس الكبير. في حين هناك أفلام مهمة، ففيلم "وداعا أمهات"، يتضمن جملة أمازيغية واحدة فقط، ولكن هناك عمق ثقافي أمازيغي في الفيلم.
ويصرح المتدخل بأن هناك تطورا مهما في السينما المغربية في السنين الأخيرة، يواكبه تطورا في المعالجة السينمائية. ويتأسف لفيلم "وداعا أمهات" الذي لم يحصل في مهرجان طنجة الأخير على جائزة، لاعتبارات لا علاقة لها بالعملية الإبداعية –على حد تعبيره-.
* التدخل السريع...
في مداخلة الباحث الأستاذ محمد عابد، عن سؤال الخصوصية والتنوع الثقافي. اعتبر بأن "كل ما يتركه شعب ما من أثر مكتوب، أو شفهي، أو سلوكي يعد ثقافة"، وتساءل هل حقا في المغرب نعيش تنوعا ثقافيا أم شبه تنوع ثقافي؟. وللإجابة، اعتبر عابد بأن المغرب متعدد... وهناك هويات: المغرب بهوية إسلامية، أمازيغية، إفريقية، أندلسية... واعتبر بأن الملامح التأسيسية الأولى للسينما الوطنية حاولت استحضار هذه الخصوصيات، فيما يشبه تخلصا من ظلال السينما المصرية. وهي خصوصيات حاضرة في الفكرة، والفضاء، والشخوص، واللباس...
واليوم، يتساءل، هل السيناريست المغربي واع بهذه الأسئلة. "فالسينما التي لا تشبه الحياة ليست سينما". والخصوصية، عندما تطرح، فهي ليست معادلا للانغلاق. ولكن الخصوصية تقتضي الانفتاح على الخصوصيات الأخرى. لأن الهوية "ليست هي الجلباب، والطربوش، والزليج.. بل هي كل الأشياء ذات العمق الإنساني".
وتساءل أيضا: هل يتعاون السيناريست المغربي مع الباحث المؤرخ عندما يتعلق الأمر بظاهرة تاريخية، ومع الطبيب النفساني عندما يتعلق الأمر بظاهرة نفسية، أو مع الباحث السوسيولوجي عندما يتعلق الأمر بقبيلة أو بمنطقة محددة..
ويضيف عابد أنه في إطار التحولات العالمية المتواثرة، والمتشنجة، ومع ما يعرفه العالم من تطورات معلوماتية متسارعة، هل ستخلق عندنا حساسية جديدة تجاه هذه التطورات أم لا؟، وفي هذا الصدد، هل استوعب المخرج المغربي اللغة الجديدة للجيل الجديد؟. وهي التي ستشكل مع الزمن خصوصية جديدة في المجال الثقافي المغربي. إن السينما على حد تعبير الأستاذ عابد هي التي تحسن التدخل السريع، وهي التي تلتقط اللحظة التاريخية، وهي التي تتفاعل مع زمانها. فمن حق المغربي أن يشاهد نفسه في السينما.
* المثقف السينمائي:
ومن جهته، أكد الناقد أحمد اعرايب بأن سؤال الثقافي في السينما ارتبط بظهور النخبة في العشرينيات من القرن الماضي مع جيل الطليعة، والذي اهتم بالسينما كفن منفتح على باقي المجالات الإبداعية (تشكيل – أدب – موسيقى...). وهذا الجيل أنجز أفلاما ثقافية من هذا المنظور، وأطلق نعت "الفن السابع" على السينما بوصفها فنا شاملا. هذا الاتجاه هو الذي أغنى السينما. ومعه تم إغناء المعجم النقدي للثقافة السينمائية.
بالنسبة للسينما المغربية، ظهر الاهتمام بالبعد الثقافي للسينما مع مجموعة من المبدعين. من ضمنهم أحمد بوعناني، وهو كاتب، وشاعر، ورسام، وتقني... وكان متأثرا بإيزنشتاين. وفي فيلمه "الذاكرة 14" اعتمد التوليف الديالكتيكي. فأخذ صور الاستعمار ووظفها في شريطه (20 دقيقة)، وأنتج خطابا معاكسا للمنظور الاستعماري.
وفي السبعينات، انتجت السينما أفلاما ثقافية مع حميد بناني، ومومن السميحي، ومصطفى الدرقاوي. فالمثقف السينمائي رفع من مستوى المنتوج. ونفتخر –يقول الناقد اعرايب- بالأفلام التي أنجزت في هذه المرحلة. وهذا ما لم يحصل بعد. فالكاتب إدريس الخوري عند ما يطلق نعت "السينمائيون الجهلاء" فإنه يقصد بالضبط افتقار العديد منهم للرصيد الثقافي والمعرفي.

ليست هناك تعليقات: