* قطاع تجاري غير مهيكل
* أرباح دون رقابة…
* دورات تجارية خارج القانون
* هدر ضريبي وجبائي… وازدواجية في تعامل الدولة
الحديث عن الجوطيات، بالمعنى الاقتصادي، يرتبط أساسا بسوق تجارية غير مهيكلة، لا تخضع لضوابط القانون، تتداخل فيها أنشطة مختلفة، وعلاقات عمل خارج مقتضيات قانون الشغل، وأرباح محصلة دون رقابة أو ضوابط، وتنظيمات تجارية خفية تخلق ديناميتها دون إرادة الدولة، أو ضدا على إرادتها. إنه بكل بساطة حديث عن أنشطة تجارية تدخل في سياق ما يسمى بالاقتصاد الموازي.
سوسيولوجيا، فالظاهرة أكبر من أن توصف، فئات اجتماعية عريضة، متباينة المشارب والانتماءات تستفيد من خدماتها، وتخضع لمنطق الجذب والإثارة الذي تمارسه وفق آليات العرض والطلب. وفق هذا وذاك، فإن ثقافة الجوطية ترتبط في ذاكرة المغاربة بأنماط سلوك قد تفسر كثيرا من مظاهر الاستهلاك السائد.
ترتبط ذاكرة المغاربة بفضاءات الجوطية، وفق شريط "التجارب" الخاصة لكل فرد.. تختلف الانتماءات الاجتماعية، والحاجيات والمقاصد.. لكن الفضاء واحد بتعدده. يوحد كل الأطياف التي تذهب بانتظام إلى "رحبة" الجوطية. بعضهم يسرق بعض الوقت لإطفاء شعلة هذه البلية التي تترجم عادة مترسخة في السلوك اليومي. فيما البعض الآخر يقضي ساعات طوال للتنقل بين فضاءاتها المتنوعة، لا يمل من الذهاب والإياب والبحث، والتنقيب. فيما صنف آخر يأتي لقضاء حاجة خاصة محددة في الزمن. بعض الوجوه لكثرة ترددها على الجوطية أصبحت مألوفة عند الباعة، أو تجار "الخردة"، تعرف الأمكنة جيدا، وتتقن فن التنقيب عن الجديد. أهل المكان يشكلون مجتمعا خاصا بهم. بعض النساء، اللواتي يقصدن الجوطية في طقوس منتظمة، تعرف جغرافيا المجال وتفاصيل العرض والطلب. يصرح أحد "الفراشة" قائلا: "الجوطية مكان يجدب الناس. حتى وإن لم تكن لديك رغبة في شراء شيء ما، فإن هذا المكان تلتقي فيه كل أصناف البشر. في السابق كانت الجوطية سوقا للدراويش، أما اليوم فإنها أصبحت موضة للكبار أيضا. فيما مضى كانت الأثمنة في متناول الناس. أما الآن، فإن المضاربات والمنافسة تسلطت عليها أيضا. أغلبية الناس تقتني حوائجها من الجوطية (ملابس مستعملة، أحذية بالية، أغطية، أفرشة، آليات المطبخ، أثاث منزلي، معدات إلكترونية…). وفي بعض المناسبات كالأعياد أو الدخول المدرسي تأتي الأسر بكثافة إلى الجوطية لشراء حاجيات أبنائها. وحتى الفئات الميسورة ذات الدخل المتوسط تتردد على الجوطية بانتظام…"
في كل مناطق المغرب، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، تنبث الجوطيات في المدن الصغرى والكبرى، في الأسواق الأسبوعية أو اليومية. بعضها يؤرخ لتشكل التجمعات السكنية الكبرى، ويرافق تطور المدارات الحضرية، وبعضها الآخر يولد مع توسع شبكات الباعة المتجولين، لتصبح أمرا واقعا، مسلما به ضمن النسيج التجاري للمنطقة. وهكذا تشكل فضاءات الجوطية مجتمعة، بمختلف أنشطتها وتخصصاتها، سوقا تجارية بامتياز، لم تعرف يوما، لسر من الأسرار، حالة إفلاس جماعي أو انهيار اقتصادي. كل الأنشطة، الصغيرة والكبيرة، تدر دخلا خاصا، بعضها يحقق أرباحا طائلة، تتحكم في دورتها التجارية شبكات خاصة تنشط عبر التراب الوطني عبر تقنيات وآليات محددة، وبعضها الآخر يحقق دخلا فرديا معاشيا لمجابهة متطلبات الحياة اليومية. ومع ذلك، فإن تجار الجوطية لا يبرحون مكانهم ولو بدخل محدود، ولا يقدرون على التفريط في شبر من "ملكيتهم" التجارية. يتحسر بعضهم على السنوات الماضية حيث كانت أيام الشغل مرادفا للرخاء والربح. أما اليوم، فإن الوضع قد تغير لأن بعض الأنشطة في طريقها إلى الزوال. كما أن دخول الأنشطة الجديدة إلى مدار الجوطية أثر بشكل كبير على "مدخول" العديد من الفئات. وعلى الرغم من ذلك، فإن علاقة التضامن بين تجار الجوطية لم ترق إلى مستوى التنظيم القطاعي للحرف، حتى لو تنظموا في جمعيات أو وداديات فإنهم يعرفون بأن سقف مطالبهم محدود للغاية، لان جزءا من مطالبهم يبقى خارج إمكانيات الاستيعاب القانوني، وتشير دراسة سوسيولوجية أنجزتها الكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب، بتعاون مع مركز الدراسات الاجتماعية والاقتصادية (CESEM) بخصوص جوطية درب غلف بالدار البيضاء، إلى هذا الواقع بالقول: "ليس هناك تضامن عضوي بين أصحاب الجوطية… وفي المقابل هناك تضامن تقليدي يشتغل عند حالة الوفاة أو المرض من خلال جمع التبرعات للضحايا. فاختلاف المهن، وتنوع والأنشطة التجارية (الفراشة – الملاك – المكترون - التجار الجدد - التجار القدامى…) تعطل بدوز أنماط تضامن حقيقي…".
إن خصوصية الجوطية ضمن نسيج الأنشطة التجارية تجعل منها فضاء متميزا لجلب زبناء من نوع خاص لا تستقطبهم المراكز التجارية الأخرى. ولعل هذا الاستثناء الاقتصادي هو ما يفسر نجاح الدورة التجارية التي تقوم عليها الجوطية، لأنها نجحت في تجديد آليات اشتغالها وأدوات استقطابها مع مرور الزمن.
في الأصل ارتبطت تسمية الجوطية بهذا الاسم كمقابل تلفظي لفعل "jeter" للدلالة على الأشياء المتلاشية التي ترمى، أو يتخلى عنها لأنها غير صالحة للاستغلال. فأصبح المكان الذي تجمع فيه المتلاشيات أو الأشياء البالية يسمى جوطية بإضافة "الياء" إلى الفعل الفرنسي "jeter". وهكذا، كانت الجوطية في الأصل تجمع كل الحوائج أو الأمتعة المتقادمة، وتستقطب جمهورا خاصا، لتتطور دورتها التجارية بالتدريج، مع تطور نظام العرض والطلب لتشمل العديد من المرافق، والأنشطة والتخصصات، ولتوسع بذلك من دائرة زبنائها. فأصبحت اليوم فضاء خصبا لترويج المنتوج الأجنبي (بعضه يجلب في إطار عمليات التهريب، وأنشطة الاقتصاد الموازي، وبعضه الآخر في إطار ما يجلبه العمال المهاجرون…). كما انتعشت في السنوات الأخيرة "مرافق" خاصة بتكنولوجيا المعلوميات مع بروز تجارة الأفلام المقرصنة واللوجيسيالات. لتصبح كبريات الجوطيات قبلة ينشدها خبراء القرصنة الرقمية.
إن تطور عروض الجوطية، خارج مقتضيات الأنظمة القانونية يلقى تفسيره في نجاح العلاقة البرغماتية بين العارض/الرابح، والمستهلك/الرابح، وهذا ما تشير إليه الدراسة المذكورة. وهي علاقة غير خاسرة لأن كل طرف يستفيد منها خارج رقابة الدولة.
وإذا كانت هذه العلاقة تبنى أساسا داخل منطق السوق، فإنها علاقة تنفلت من كل إمكانيات الهيكلة الاقتصادية. إن الدورة التجارية للجوطيات دورة مربحة، وعلى الرغم من ذلك، فإن فضاءاتها غير مهيكلة (انعدام الكهرباء، والماء الصالح للشرب، والبنيات التحتية الأساسية…)، ويعد هذا المعطى من بنية الجوطية نفسها. إذ كل هيكلة محتملة تعد تهديدا لمصالح الفئات المعنية. ولأن تدخل السلطات المختصة قد يعني إعمال القانون. وهذا ما يخشاه الاقتصاد غير المهيكل، وكل المنتعشين منه. فكل تغير في معالم الجوطية يهدد "مصالح" التجار. كما أن كل محاولة للتنظيم الذاتي للأطراف المعنية قد يعني تعريض المصالح المتداخلة لأصحاب الجوطية لتبعات تطبيق القانون وآثاره. ويستوجب الذكر، أن كل محاولة إدارية تنبع من السلطات المختصة تعرف مقاومة خاصة لأن المنطق الذي تشتغل به الجوطية نفسها يقوم أساسا على آلية الدفاع الذاتي باسم مصلحة الفئات المعنية والمكتسبات المتحصلة لديها.
إن الفئات التي تستفيد من خدمات الجوطية عريضة ومتباينة. كما أن مطالبها متنوعة بتنوع الزبناء. فقد يتعلق الأمر مثلا باقتناء أشياء بسيطة، وقد يتعداه إلى المكاتب، والأدوات الإلكترونية التي تنفلت من القبضة الضريبية. وهو ما يفسر أثمنتها المنخفضة بنسبة %20 أو %30 عن الأثمنة المتداولة في السوق التجاري.
يصرح أحد العارفين بخبايا إحدى الجوطيات بأن "بعض الأنشطة تعرف رواجا ملحوظا عند نهاية الشهر حيث يتقاضى الموظفون أجورهم. كما أن الحركة التجارية تنشط في بداية الموسم الدراسي، وخلال عطلة الصيف على وجه الخصوص…". إلا أن تعدد العارضين، وارتفاع وتيرة المنافسة، وتكسير الأثمان تعرض هذه الأنشطة إلى بعض الفتور. ويسجل البعض، بأسف، اكتساح المنتوجات الآسيوية لأسواق الجوطية، حيث تنافس العارضين في العديد من المنتوجات، من ضمنها على وجه التحديد منتوجات التجهيز، والإلكترونيك، وبعض الألبسة.
أما فيما يتعلق بمصادر التموين، فإن شبكاتها متنوعة يتداخل فيها المنتوج المهيكَل، والمنتوج غير المهيكل، بالأخص في بضائع من قبيل عجلات السيارات، والأحذية، والألبسة الجاهزة، واللعب، والمعدات الإلكترونية… كما يتداخل المهيكل واللامهيكل في مجالات من قبيل إصلاح الأدوات التقنية والإلكترونية حيث تتعدد مصادر الاقتناء (تجارة الهاتف النقال مثلا)، وكذلك الأمر بالنسبة للمنتوجات الغذائية حيث ينتعش التموين بفعل التهريب من منطقة الشمال المغربي، أو من بعض الدول المجاورة (الجزائر وتونس).
إن الجوطية، وعلى الرغم من احتلالها مساحات هامة في الملك العمومي، وترويجها لأنشطة تجارية متعددة، واستقطابها لفئات اجتماعية عريضة، إلا أنها لا تشغل إلا يدا عاملة محدودة. وحسب إحصاء صادر عن المندوبية السامية للتخطيط فإن متوسط الشغل في هذا القطاع لا يتجاوز 2.3%، تتوزع على 12% في مجال المتلاشيات، و10% في إصلاح وبيع المعدات الإلكترونية، و10% في التجهيز، و9% في بيع الملابس… ولا تخضع الفئة العاملة في هذا القطاع لقواعد الشغل. كما أن المشغلين غير قارين، ولا يخضعون لعقدة شغل، وينحدرون في الغالب الأعم من نفس السلالة العائلية. كما أن نسبة المسجلين في السجل التجاري (الباتانتا) لا تتجاوز 51%، وتضم بالخصوص البائعين أصحاب المحلات التجارية. أما باقي الأصناف فإنها غير مصرحة، بل إنها لا تؤدي الرسوم الجبائية (الضرائب المحلية) بذريعة أنها لا تتوصل بالإشعارات المتعلقة بذلك، أو لقلة الدخل/الربح، أو لاشتغالها في مكان غير قار، أو لارتفاع التسعيرات الجبائية..
إن أسواق الجوطية ببلادنا تخضع لازدواجية في التعامل الإداري، تارة تتدخل الدولة بقوة لتشطيب أسواق بكاملها وفق ما أعدته من بدائل، وتارة تتعامل بتساهل وفق ثقل المعطيات الاقتصادية والاجتماعية. وهكذا، فإن آليتا التسامح والقوة تفسران إلى حد بعيد المنطق الذي تدير به الدولة هذا القطاع الذي لا يخضع لشفافية وضوابط القوانين التجارية، وهو ما يفسر العديد من مظاهر الاختلال والأزمة في المنظومة الاقتصادية ببلادنا، والتي ما زالت تعاني من ضغط وآثار الاقتصاد الموازي غير المهيكل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق