إعلام حر، نزيه، مستقل .... موقع صحيفة الجسور المغربية يرحب بزواره الكرام ويتمنى لهم إبحارا ممتعا، فمرحبا بكل التعليقات المفيدة والتوجيهات السديدة...

هذه الجسور .....

أردناها أن تكون صوتا حرا لإعلان الاتفاق أو الاختلاف، دونما رقابة ذاتية أو أحكام معلبة. أردناها أن تكون منبرا يسائل الوقائع من أجل الخطو إلى الأمام، والإسهام في كل هوامش التطور الممكن في مغرب اليوم ضدا على كل اليقينيات الجاهزة، والإرادات المحافظة.

وأردناها أن تكون جسورا للتواصل، والتحليل، والنقد، والإبداع... وابتغينا لها الإسهامَ في محاربة ثقافة الهامش، ومنطق التيئيس الذي أصبح يحتل مساحات واسعة في تمثلات وسلوكات الفرد والمجتمع.

هذه الجسور تعلن انتماءَها، دون تردد، لمسار التحديث، وهاجس البناء... وكم هي شاقة جسور التحديث والبناء في مغرب متحول تحاصره إكراهات التقدم ومستلزماته، وجيوب المقاومة، الظاهرة والمضمرة !

--------------------------------------------------------------------------------------------


الأحد، أغسطس 17، 2008

كَتِيبَـةُ المَـأْسَـاةِ

جواد مومني
"إنه لشرف الشخصيات التراجيدية العظيمة أن يكون المرء مذنبا". هيجل.
- إلى: علي، مبارك ومحمد... أسياد الظلام.
وَادْرْكَلْ
ملء فيهم، بكل نبرات أصواتهم... عبر مسارب حناجرهم قالوا: الآن فقط نجد قدرة كافية كي نمر من خلالها إليك، حتى نسرد ما حصل...
نجوم لا حصر لها، ما تنوء بحمل كلكلها هذي السماء المشرعة. لا يتبدى ما بجوارهم غيرها، نجوم ثاقبة، وأخرى هاربة، وغيرها راجمة، نجوم تبقى وحدها ملاذ بصيص النور. لا يسعفهم بهج أي شيء، ولا حتى ما حمض خلدهم، وجعله نافورة من الشذو والغناء.
ماذا حصل؟ ما الذي جعل سيارة (نَاضْيَة) لا تشكو من داء أو عطب، توقفهم في هذا الممر الصعب؟ ما الذي أوقف نورا وحيدا يشق طريقه في نتوءات وعرة، غير مبال: على مدى ساعة ونيف، بين صعود وهبوط وانعراج، ما صادفت (الكولف) أضواء قادمة، ولا مصدرا لها مركونا، أو قابعا في زاوية ما من هذا الخلاء. لقد توقف المحرك وسط أدغال "وادركل"، وتحققت نبوءة أحدهم كان قد صاح بها وسط هرج الصخب الذي لا يشنف سمعا، ومرج ما يسقونه من خدر بهي، قدم هدية من عاصمة الأنوار (وهم وسط عاصمة الليل): الله يَخَرَجْ هاذ الضحك على خير!! وانضافت بذلك اللحظة إلى سابقتها الأولى، تلك التي فتحت بوابة شؤم، ستدوم فصولها إلى أشواط أخرى.
الصفعة
في الطريق نحو أعالي أزرو، تنبه محمد إلى سهم ما يفتأ يصعد: (سَخْنَاتْ الطوموبيل)، ما عادت جياد المحرك قادرة على جر الأجساد الأربعة وحمولتها. وكانت المناسبة وافرة بالتالي للتمتع بوقفة بهية، واحتساء جزء من رحيق الدوالي المُولْيِيرية: مع التقاط صور في مزيج أخرق: شفق يتقدم، غروب وشيك، ضباب شفاف، قمم زرقاء، صمت صاعق، خضرة أزورية... فضاء ساحر بكل المقاييس:
وَاعْرة هاذ لَبْلاصَة! تعجب علي.
رَاكْ في: منظر يطو، آوليدي. يرد مبارك بثقة العارفين. برد المحرك. سخنت الرأس، وتحرك الجمع ليتم رحلة السفر تلبية لدعوة (الطويل) في زفاف أحد أقربائه، بينما كان صوت الحياني يصدح متسائلا:
لمن يا إلاهة فني، - لمن سأغني؟؟
... انطلقت السيارة وراحت.
العالي داي، داي، العالي داي، داي داي
بصوته الخشن، ردد محمد هذه المقاطع وهو يدندن باتجاه علي. ساعفه جواد، وتعالت الضحكات. ارتخت الأجساد وباتت منشرحة وهي تلج البوابة العظيمة لضيعة "السلطان لكحل" لكن، حصل ما لم يكن في الحسبان...
ساد الصمت قليلا، ثم حسمه قائل:
هذا غير معقول، يجب أن نعود أدراجنا، مدوا (الطويل) بما تم اقتناؤه للعريس كهدية من مكناس، ولننصرف قبل أن يفيض الكيل.
- مادام أن المسألة بهذا الشكل من التعقيد، فالمفروض في الداعي إخطارنا بزمن الحضور وشكله وأوانه، لا أن نصفع في آخر لحظة... صرخ جواد وهو يشعل لفافة.
تأكد للواصلين أنهم ضيوف غير مرغوب فيهم، وأن المدعوين من جنس الذكور قد أخذوا حقهم في المأدبة، فترة الغذاء.
راحوا يقلبون الأمر الذي طير كل ما في عقولهم، تعكر المزاج بشكل خلق أجواء غير التي كانت سائدة قبل ساعات خلت، وبدا أن محاباة ومجاملة مصطنعتين قد فرضتا نفسيهما على الجمع وهو يحيي مودعا (الطويل).
وافين غادي آعلي؟ هذي غير الطريق المعتادة!!
غَانَمْشِيو للسبت.
آش من سبت؟
"سبت جَحْجُوحْ"، ثمة عرس إبن خالي، وأنا ادعوكم إليه، وسيعوض ما ضاع... الحيدوس حتى للصباح !! سنمر عبر (وادركل) ثم (راس جري) وهما في طريق ثنائية، كثيرا ما تكون خالية، كلها منعرجات والتواءات، لكن الطريق بخير، فقط سنكون محتاجين لـ (حْدِيدَه) مثل التي نمتطي !!
3- الانتظار:
كان الصمت سيد المكان بلا منازع، حتى حشرات الليل ما صاتت، ربما لأنها لم تألف وجود سواها هنا. السيارة المعطلة تعدم أدنى الضروريات، فلا مصباح يمكن الاستعانة به في فهم ما جرى، ولا مفاتيح تغلق عن العارفين بمجاهل الطريق بوابة الأسلة/ السبب. ما العمل إذن والساعة تجاوزت الثانية صباحا؟.
- عندي (البورطابل مشارجي) تنبه جواد لحظة، وهو يصيح في الكل فرحا.
- لكن، في ما سيفيد هذا الجهاز النقال، قد لا توجد تغطية حتى، تساعد على الاتصال. اقترح علي رقم أخيه زكرياء، وتمنى أن يكون جهازه مستعدا لاستقبال المكالمة. تمت بالفعل، ووصف موقع السقطة عبر مجموعة معالم سبق للسيارة أن مرت منها على الطريق، ووعد بالمجيء.
ماذا سيحصل؟ هل سيصلح العطب؟ هل ستستمر رحلتهم؟ لكن، إلى أين في النهاية؟ أسئلة وغيرها راحت تكلل الرؤوس المنشغلة والباحثة عن ملاذ. وجدها علي، ودفع بالكأس إلى فيه، ثم ناول غيرها لمبارك وأخرى لجواد، وصوت محمد بدأ يرد عليهم بشخيره من وسط السيارة. ضحك الثلاثة واستمروا في أحاديث مختلفة، محاولين كسر شوكة الانتظار الكُودُوِوِي. وعن بعد لاح نور قادم يشق الحلكة. دثروا ما في أيدهم. توقفت السيارة، خرج زكرياء رفقة أحد ضيوف عرس إبن خاله، وبعد عجز عن إدراك العطب، اقترح جر السيارة. سر أصحاب (الكولف)، لكن، من أين يأتي حبل الوصل والسيارتان معا تعدمانه. عليهم إذن انتظار ساعات أخرى... وكؤوس أخرى.
4- الحيدوس:
عاد زكرياء فوق جرار، وصحب معه الأربعة إلى العرس. وبوصولهم، بدأ المدعوون في الانصراف، فالساعة ناهزت السادسة صباحا، وعلى العروس أن تهنأ بعريسها، وعلى الضيوف متابعة أشغالهم في بيوتهم... ولم لا الالتجاء إلى النوم... آه، النوم، ذلك الحلم البهي، القصي الآن!.
وافِينُو الحيدوس آعْلي؟ توجه جواد سائلا.
لم يرد، واكتفى بالنظر إلى الخيام المنصوبة وإلى عازفي الجوق وهم يوضبون آلاتهم استعدادا للانصراف.
تم إحضار ميكانيكي سهر على (إصلاح) السيارة على حد شروحات راكبيها، وطلب من الضيوف استقبال راكب جديد يحملونه معهم إلى مكناس، حيث سيتوجه موكب العروس للالتقاط صور تذكارية.
أثناء الطريق، توقف المحرك ثانية. فعادت إحدى السيارات لتفقد الوضع، بعد أن تأخر الضيوف كثيرا عن القافلة، فحملت معها الراكب الجديد، ولتدعو بالسلام وحسن الختام لأصحاب "الكولف" وتنصرف... لم يعرف أحد سببا للعطب، فبدأوا في تقصي من يصلح السيارة. أحد المارة سيدلهم على ميكانيكي يقع في منحدر الوادي، لكن كيف السبيل؟
استجمع الثلاثة قواهم المتبقية لدفع السيارة إلى أعلى ربوة (بينما محمد يساعدهم عبر شخيره المنبعث من الداخل) ثم امتطوها، فنزلت دون عناء. تم الإصلاح مرة أخرى، وانطلقت (الحديدة) بشكل جيد إلى مكناس تناول الأربعة فطورهم ثم عزموا على العود باتجاه سيدي سليمان، نقطة الانطلاق.
5- السبانخ:
سارت (الكولف) دون أن تسير فيها البهجة الأولى. الكل متعب، الجميع يحس بصعوبة ما صادفه خلال الساعات الفائتة، الجو ثقيل. وعلى صوت "مارسيل" وهو يهنئ شهداءه بالنجاة من حادث المستحيل، ويقول لهم: تصبحون على وطن، التفت جواد وراءه حين سمع شخيرا عميقا ومزدوجا: إنهما مبارك ومحمد. بقيت وحدك، وعليك مرافقة علي في سياقته، هيا، استجمع كل قوتك وانتبه واحذر، عليك باليقظة، فالطريق وعرة. قرابة نصف ساعة فقط كانت كافية لتقول السيارة: لا ، لن أتزحزح عن موضعي الآن قيد أنملة، واصنعوا ما بدا لكم!!
لم يعد بمقدور أحدهم فعل أي شيء. عجز مطلق، شلل كلي، فشل ذريع في تفسير ما يجري:
- أحدكم أيها الأوغاد قد ارتكب جرما ما، صاح علي بحنق وغضب شديدين: قولوا واعترفوا الآن، هل ضاجع أحدكم شيئا ما غير البشر؟.؟
لم كل هذه الأعطاب المسترسلة؟ أكيد أن خطاياكم لا تجد السجلات الكافية لتدوينها، أو أنها غير مصنفة؟ أكيد أن فعل أحدكم يحتاج لتحميص دقيق، لست أدري. لست أدري!
أللا أدرية هذه، شابت كل محاولة في فهم الما يجري.
لم لا تتوقف هذه اللعينة ونحن وسط البشر، والناس في يقظة. يستفسر مبارك.
الحْدِيدْ عَيْبُو معاه" بكل حكمة وتبصر ينطق محمد.
كيف لا تدرون ما حصل من أعطاب وأنتم (حْرَايْفِية) في السياقة؟ يحاول جواد أن يعاتب رفاقه.
بدأ إذن، أن الحلول سقطت من أيديهم ، وإذا بمبارك يقترح حلا:
- ما فعلناه خلال العطب الأول ونحن بوادركل ليلا، نصنعه اللحظة نهارا وجهارا :انطلقت سلسلة أولى من الكؤوس تمور وتداعب شفاه الحاصلين المتفيئين ظلال صفصافة عظيمة " ثم سلسلة ثانية وثالثة… للعالم الآن توازنه بعد أن رجحت كفه الشؤم والكدر. وبدا أن الانتعاش وجد سبيله إلى الجمع ودون أن يدروا انخرطوا في لعبة هي أقرب إلى الخيال: دَفْعُ السيارة المعطلة باتجاه أي مكان عال ثم الامتطاء والانطلاق فيها وهم راكبين حتى تتوقف نهائيا. الانتظار حتى يبرد المحرك ( برأي علي) ثم معاودة العملية، وهكذا. لم يدر الرفاق كم اختطفوا من القدر المنزل عليهم عدد الكيلومترات التي حققوها عبر ذلك الانجاز.
وخلال كل توقف كان همهم شيئين: إيقاف السيارة في أقصى نقطة بها ظل، ما دامت الحرارة شديدة والشمس واهجة خلال هذا الصيف، ثم تجرع " السبانخ" بتعبير مبارك، تذكيرا لهم برسوم متحركة طفولية، لأنها قوتهم وطاقتهم تلك اللحظة… فقد كان ( بوباي) ينجز المستحيلات بعد أن يتناول علبة السبانخ !!
6- الكْوَانَبْ
هذا "باب تِيسْرَا" جبل مشروخ إلى جزئين، يطل على سيدي قاسم منفذ المدينة الرئيس قطارا أو طريقا. توقت السيارة في منعرج هنا.
- لعل اليسر يصادفنا في هذا الباب، تيمنا باسمه، همهم جواد. صار علي غير قادر على الاستيعاب بعد أن نال منه العياء، تناول (حصيرة) وضعها في فيء صبار، ثم استسلم لهدأة عميقة، وبينما محمد يمارس غطيطه داخل السيارة، راح امبارك وجواد يتفحصان الكولف، علهما يعثران على حل لسؤال أرق الكل طيلة ليلة كاملة ونصف يوم، وفيم هما كذلك إذا بسيارة (فَاكَانْسِي) تتوقف، ويسأل صاحبها عن العطب الحاصل.
- تخيل لهما أن لهذا المهاجر الغريب قلبا حنونا، على غير العادة، فأوضحا الطارئ. لكنه اقترح عليهما رقم هاتفه- بعد أن يتخلصا من هذا المشكل- ليبيعهم نظاما كاملا للمحرك، جلبه معه من فرنسا، حتى لا تتكرر (البان PANNE) مرة ثانية !! بضحكة صفراء شكراه وتخلصا منه.
- أش خاصك آلعريان ؟… دندن مبارك وهو يحرك رأسه. لم يعد أحد قادر على المزيد من الألم، فكر ونفذ محمد قرارا بركوب أي طاكسي أو (أوطوسطوب) باتجاه أقرب منطقة سكنية، عله يعثر على شيء ما أو أحد ما أنى وكيف ما كان حاله ولونه وطبعه ومذاقه وشكله ليفك (هاد الجرة) خصوصا وأن اليوم أحد، وهو عطلة نهاية الأسبوع .
عاد بعد نصف ساعة وهو يحمل بشراه.
عبد السلام الميكانيسيان سيأتي بعد حين، اتصلت به هاتفيا وشرحت له مصيبتنا، وسيكون محملا باللوازم.
عديدة هي السؤالات التي طرحها كل واحد داخل نفسه: هل سيفك هذا اللغز؟ أبمقدور الآتي أن يصلح ما عجز عنه غيره… كثرت النوايا، وطال الانتظار ما ينيف عن ساعة – بينما الدقيقة الواحدة خلال هذه اللحظات بمثابة حقبة.
أخيرا وصل عبد السلام، تساءل عن العطب، تفحص الحالة، تأمل كثيرا في شروح الأربعة، وقال: هل ثمة بنزين كاف؟.
مثل صاعقة نزل السؤال، وبدا على الوجوه ما يشبه الشمتة، كل حاول التمتمة بفكرة ما، حاولوا التخلص من السؤال عبر استبعاد هذه الفرضية. لكن إصرار عبد السلام كان قويا. فكروا في جلب الوقود وهم يعدمون حاوية له. علق محمد: فيم سينفع البُرَيْمِيلُ الفارغ الذي أتينا عليه ليلا إن لم يكن الساعة.
استقل علي سيارة الميكانيسيان وعاد بما يكفي من (المازوط)، أدار مبارك مفتاح المحرك فإذا بالكولف تستجيب، تباسم الجميع واشترك في هزء من اللحظة:
وَاشَمْتَة هادي...
الله يَخْلِيهَا جرة...
ما ظنيت نسافر معاكم مرة أخرى هادي والتوبة...
هاد الشي بزاف...
غير أن لسان حال عبد السلام كان يشي بشيء آخر: كْوَاَنبْ هَادُو.
انتهى
الأربعاء 30 يوليوز/ تموز 2003.

ليست هناك تعليقات: