إعلام حر، نزيه، مستقل .... موقع صحيفة الجسور المغربية يرحب بزواره الكرام ويتمنى لهم إبحارا ممتعا، فمرحبا بكل التعليقات المفيدة والتوجيهات السديدة...

هذه الجسور .....

أردناها أن تكون صوتا حرا لإعلان الاتفاق أو الاختلاف، دونما رقابة ذاتية أو أحكام معلبة. أردناها أن تكون منبرا يسائل الوقائع من أجل الخطو إلى الأمام، والإسهام في كل هوامش التطور الممكن في مغرب اليوم ضدا على كل اليقينيات الجاهزة، والإرادات المحافظة.

وأردناها أن تكون جسورا للتواصل، والتحليل، والنقد، والإبداع... وابتغينا لها الإسهامَ في محاربة ثقافة الهامش، ومنطق التيئيس الذي أصبح يحتل مساحات واسعة في تمثلات وسلوكات الفرد والمجتمع.

هذه الجسور تعلن انتماءَها، دون تردد، لمسار التحديث، وهاجس البناء... وكم هي شاقة جسور التحديث والبناء في مغرب متحول تحاصره إكراهات التقدم ومستلزماته، وجيوب المقاومة، الظاهرة والمضمرة !

--------------------------------------------------------------------------------------------


الأحد، أغسطس 17، 2008

وجوه ليست كلها للركض

إدريس خالي

عادة أنت لا تحب الركض. العادة لا تورث بل تكتسب أما الركض فينتقل إلينا عبر الدم. الركض حالة وراثية تصبغ النفس البشرية بالقلق والخوف الدائمين من كل شيء. قد تستيقظ في الصباح و تفكر في الركض قبل أن تشرب شايك أو قهوتك. ستركض وتتجاهل كل الوجوه التي صادفتك و تصادفك. و قد يرشق لك تحليق وجهك فتستل شفرة الموسى من روحك.

يمكن لك أن تركض بعد تمرير الشفرة على وجهك. لن تحتاط من جرح جلد وجهك. لك وجه آخر خفي غير حليق. مشعكك.لا تستعمل هذا الوجه إلا حين يغطي الذئب ظهره . المشترك بينك وبين الذئب ظلام الليل. ينهض وجهك المشعكك من سباته. يتقدم منه الظلام. يسلم عليه. يُهدي وجهكَ للظلام مرآة. يتأمل الظلام وجهه جيدا في مرآة وجهك. لا تعكس المرآة غير المرئي فيما مرآتك تعكس لامرئيك.

قد تفكر في قطع شاربك الكث وتبديل الصورة. سيصير لك وجها ثانيا بلا شارب نابت فيه. حين تقطع الشارب سيصعب على الكاميرا أن تلتقط من خلاله روحك. وجه بلا صورة انعكاس لصورة بلا وجه.

الموسى التي بين يديك لا يمكنها تحليق كل وجوهك. هناك:

وجهك الذي بشارب كث ولحية مشعككة.
وجهك الذي بلا شارب ولا لحية.
وجهك الذي بلحية وبلا شارب.
وجهك الذي بشارب و قطعة من اللحية تطلق عليها العامة الذبابة.
أنت لا ترتاح إلى كل هذه الوجوه. الوجه الأول لك وحدك. الثاني لشخصك المزيف. الثالث لسلفي مقموع بداخلك والرابع للأولاد والمجتمع.

الوجه الأول مرآتك الخاصة. جبريلك الصافي النقي. يوحي إليك نصوصك حين تغلق الشمس نوافذها. وجهك هذا وجه مكروه. هذا الوجه الغير محروث والغير مطوس(مشذب) يروقك. تستعمله حين يريدون أن يعرضوك معلبا للبيع. لا يعترف هذا الوجه بالعادات والسنن. إنه وجه بكر. طبيعي. متوحش. أصيل. وككل الأشياء الأصيلة فهو معرض للتلف. ستنتظر موتك ليأتي الأنتروبولوجيون ويبحثوا فيه. سيكتشفون انك تنتمي إلى فصيلة بشرية منقرضة. الخسارة أن البلد لا يوجد به متحف للآثار البشرية كي يضعوك هناك في مكان آمن. أنت تُجل وجهك هذا وترتاح إليه. بإمكانك الجلوس إليه الساعات الطوال ولا تحس بثقل الوقت.لا قيمة لأي شيء إذا انطفأ هذا الوجه.

بالوجه الثاني تفكر في المنازل الفسيحة و في الرصيد المنتفخ والبذلات الأنيقة والمدارس الرفيعة للأولاد. تعشق النساء هذا الوجه. يأخذنه معهن إلى السوبرماركت. يشترين به المعلبات. وفي المساء والعطل يهدينه لأسرهن و يفقأن به عيون جاراتهن الحسودات.

هذا الوجه عدوك الأبدي.

بالوجه الثالث تصلي لأجل الحوريات المستحمات في نهر الكوثر و بندقيتك مصوبة نحو الشمس.لا يحتاج هذا الوجه إلى شخص اسمه سان إيف لوران. كل شيء موجود في الدار الأخرى. وبالوجه الرابع تأكل. تنمنم. تعلق على أحداث. تقترض. تبتسم. تعتصر بالعينين المغروستين فيه ردفي و رمانتي كل الزميلات.

اركض إذن. دير علاش تولي. أنت متخلف. أنت زنديق. أنت مارق. أنت انطوائي. اشتري لك عطر شانيل. ادهن وجهك جيدا بالكريما. تحدث عن ماركات السيارات و عن جارك اللاصق برجلي زوجته المهووسة بخطورة الذباب وغبار الشارع. تحدث عن فوائد الصوم و عن أعشاب الجنة. ادخل سوق جواك وشك في كل ما يقال لك...آه. سينفجر رأسك قبل انبلاج الصبح.

ها أنت اخترت ،اضطرارا، وجها بشارب كث ولا لحية. لعنة التوفيق تطاردك حتى في خريطة الوجه. ورثت شاربك من الطفل الذي كنته. تركته ينمو كما يشاء. من حين لآخر تتدخل لمنعه من النزول إلى الأسفل. تتدخل حتى لا يشكل الشارب دائرة في وجهك. تخاف الدوائر مثلما تخاف التعليب. يقتسم معك ولداك المقص. يقطعان به أشكالا هندسية كلفوا برسمها. و من اللحية المشعككة تركت ذبابة تنمو أسفل ضفة شفتك السفلى.. كل وجوهك الأربعة يكثفها وجهك هذا. ليس الشارب علامتك فقط بل إنه عملتك المميزة أيضا. لا تحتاج للركض كي يطول شاربك و لا تحتاج إلى الابتعاد عن اللغط والصخب اليومي كي تبدو عميقا كالبحر.

عادة لا تحب الركض. الركض يورث الفوبيا. ستركض و تركض و لن تجد في متناولك على أبعد تقدير غير منزل فسيح و زوجة تافهة ورتيبة وسيارة آخر طراز. لهذا ستتمدد وتمد ذاكركتك بشعلة التذكر. تبحث عن الشعلة ولا تجد أمامك غير قصة طائر البقر. لن تركض.. لماذا ستركض و ضوء الشمس الباقية في مكانها يصل إليك ناصعا؟


ماي 2008

ليست هناك تعليقات: