إعلام حر، نزيه، مستقل .... موقع صحيفة الجسور المغربية يرحب بزواره الكرام ويتمنى لهم إبحارا ممتعا، فمرحبا بكل التعليقات المفيدة والتوجيهات السديدة...

هذه الجسور .....

أردناها أن تكون صوتا حرا لإعلان الاتفاق أو الاختلاف، دونما رقابة ذاتية أو أحكام معلبة. أردناها أن تكون منبرا يسائل الوقائع من أجل الخطو إلى الأمام، والإسهام في كل هوامش التطور الممكن في مغرب اليوم ضدا على كل اليقينيات الجاهزة، والإرادات المحافظة.

وأردناها أن تكون جسورا للتواصل، والتحليل، والنقد، والإبداع... وابتغينا لها الإسهامَ في محاربة ثقافة الهامش، ومنطق التيئيس الذي أصبح يحتل مساحات واسعة في تمثلات وسلوكات الفرد والمجتمع.

هذه الجسور تعلن انتماءَها، دون تردد، لمسار التحديث، وهاجس البناء... وكم هي شاقة جسور التحديث والبناء في مغرب متحول تحاصره إكراهات التقدم ومستلزماته، وجيوب المقاومة، الظاهرة والمضمرة !

--------------------------------------------------------------------------------------------


الأربعاء، أغسطس 13، 2008

صيحة في الصمت

محمد أوموليد
قصة:

خلسة يعانق الأفق الشمس في نشوة.. كلما اندفعت السحب في تأن وهي تتداخل بعضها البعض لتوهمك بتحريك السماء.. وصفحة الماء يصيبها الذهول كلما عكست مكرهة المشهد العجيب! وهو يبدو محمرا وخجولا! لتضارع عظمة البحر.. إلا أنها تتحول إلى أمواج حلزونية صغيرة كلما اصطدمت بالصخر ممتصا غضبها في نهم.. لتعود منهزمة وهي تجر فلولا مبعثرة.. باحثة في إصرار عمن يرد لها عظمتها وهيبتها.
غضبها في الآونة تلك لم يصطدم إلا بساقي ولم يترك لي الفرصة كي أشمر عليهما!. كان الوقت مساء. لست أدري لماذا ولوجي إلى البحر في هذه اللحظات متأملا الآفاق في استغراب.. ممررا أصابعي وسط الماء مستأذنا في لهفة!، الهدف إذن هو الوصول إلى الضفة الأخرى.. مهما تطلب عناء المغامرة من مخاطر وصعاب.
هكذا تحركت بداخلي عزيمة عجيبة! بقوة دفعتني إلى المواجهة.. للاحتدام... لا للسكون والاستسلام!. لازلت أجهل ما شدني للإقدام لا للتردد! في حيرة خيل إلي وكأنها تحذر في الصمت أطياف الفضاء ليسقط سراب متعثر في ذاكرتي.. كلما دعتني الآفاق للاقتراب منها! ومغرياتها تترجم في سكون البحر وصخبه.
بقدر ما تبرز غروبا في ألوانها الزاهية التي تشبه حلة عروس البحر ليلة زفافها.
سؤالي تحتضنه الأعماق في ترقب! وهي تزرع في الخوف والوجل! حينها سئمت النجاة للفوز بالعودة!. واستولى علي ما يشبه فعل الانتحار!. لكن الخوف يطاردني من جديد حتى لا أتحول إلى فتات داخل الأعماق بالرغم من أن عظمة البحر تتجلى في فتاته.. عظمة تفوق العقل الإنساني في تخميناته وتصوراته. نظرات شاخصة في ذهول إلى الأفق البعيد! أمل منها أن تكسر الصمت هناك.. والشمس على قرص تظهر وتختفي بين شطحات السحب الملبدة.. تنبهت لصيحة مبحوحة ومنهكة وهي تحذرني في غضب عارم من مخاطر البحر!. يجمع الشيخ قوته ليصرخ من جديد.. في الأثناء هذه يكبر غضب البحر.. ويزداد عناده وصخبه! كلما ازداد الشيخ صياحا وصراخا!.
قوة البحر تتجلى في جنده المنتشر طولا وعرضا وعمقا... لا زال البحر يتوعد.. إني أخشى غضبه.. يوم يطلق سراح الأمواج! كبيرها وصغيرها! .
على الرمال جثتان مستلقيتان ويدان متشابكتان.. يد باردة.. لغريق.. ويد دافئة.. لغريب.. وفي ضبابية تبين لي نفر من الناس طوال القامة تجمعوا على الرجل الغريق كالنمل الأبيض وهم يدسون بطنه المنتفخ بأرجل تبدو مطاطية أملا أن يسترجع أنفاسه!.
لا تتعجب إن كنت أنا الغريب حين دفعت بي الحالة تلك إلى الانغماس الذي فجر في الرغبة في سكب الدموع.. كثيب استسلمت لقدرها.. ولما هو عليها محتوم! حين تركها زوجها الغريق!.
قالت العجوز في صوت فيه بحة.. وهي تصب غضبها علي.
دون شك أن الظلمة قد أصابته.. دفعت بالرجل جرأته أن يموت موتا مجانيا! فداء لك ولأمثالك من الخنافيس! . يا لها من خسارة! لقد زحزحتم القيم وقلبتم المفاهيم!!. ولم نعد نميز بين أجناسكم، ذكورا وإناثا..
إنه استنساخ صارخ لأمواج من البشر متذبذبة في طبعها وطابعها..، اختلطت عوالمكم لترسمون حدودها على رؤوسكم المشوهة والمترنحة! حينها حركت رأسي موافقا.. وعلى محياي ابتسامة صادقة نية مني أن أرد غضبها لا غضب البحر.
رفعت الجثة إلى أعلى.. وصيحة من بعيد هزت الأقدام التي بدت تتراءى لي وهي تتعثر بين الصخر في الرواح لتستلفت أنظاري أسراب من الطيور خفاقة هنا وهناك.. وهي تطلق العنان لأجنحتها المختضبة بالأبيض والأسود.. متراخية في كبرياء! تميل ميلا خفيفا.. نزولا وصعود في مشاكسة، محاولة أن تلامس خفية أمواج مديلة بأشكال تبدو مسطحة.. وهي تعكس على لوحاتها الملتوية زرقة السماء المضمحلة والممزوجة باحمرار الأفق.
بقيت وحيدا على الرمال.. ولا أحد يسمع صرختي التي تصل في الصمت إلى حد الأعماق! لأنني تعلمت أن الصمت هو سيد الموقف في بعده الفكري.

ليست هناك تعليقات: