وأنا مستلق على سريري المعشوشب، ساهما في امتداد البساط الأخضر، حط بقربي طائر بقر شارد. جلست، حسبته حسبني عجيلا لطفيليات قوته.. جلست، فاستحال افتراضي دهشة وهو يقترب مني.. والأعجب أنه حياني بلغة آدمية، وطفق يحكي لي عن عوالم معشر طيور البقر: يتكلمون ويحسون ويحزنون ويفرحون ويعملون ويتكاسلون ويلعبون ويتمازحون ويحبون ويتزاوجون… مملكتهم لا تفسد للفرد قضية أو اتجاها أو ملاذا أو انفرادا، عدا أنها مطلقة المساواة في الزي والقوت والمبيت.
سألته عن "الحناء والتمر" اللتين كنا نطلبهما لأسرابهم في سماء مساءات طفولتنا، دون أن نظفر بهما يوما.. فرد بأن الأمر ربما يعود، فقط، إلى تعلقنا نحن العرب بالقوافي.. (وآطير بكر… أعطينا ألحنا والتمر..)، كما أن الحناء والتمر هما ما تجود به صحارينا الفسيحة.. والتي لا يتحمل البقر قساوة العيش فيها أصلا..
لم أكبح فضولي في استفساره عن تجرئه الفصيح هذا علي، فانفجر شاكيا بأن البقر الرومي المبيطر والقابع بالحضائر أتى على زمن البقر البلدي السارح في الحقول.. وأن الجرارات أجهزت بالتمام على طول زمن الحرث "بالزوجة".. عدا ما التهمته المباني من أرض الحرث.. فضاق رزقهم وكثر طيرهم.. لحمهم المقزز –أردف مواصلا- لا يثير حتى حجر الأطفال فأحرى قنص البنادق.. بياضهم القبيح لا يستأهل الإقامة بالحدائق المحروسة.. والأقفاص المنزلية هي آخر ما يمكن أن يحتوي هذه الطيور.. أما الهجرة فهم لا يقوون أو لا يعرفون لها اتجاها، كما تفعل طيور أخرى.. فلم يبق أمامهم أو وراءهم إلا ما تجود به نفايات البشر من المزابل والسوائل.. لهذا جاءني يطلب الاستئناس..
عطفت على حاله وحملته إلى البيت، لعلني أحقق سبق سيخلده تاريخ الطبيعة من بعدي.. لكني لاقيت ضجة لم تكن في الحسبان. فقد هاج وماج دجاجنا محتجا على هذا الطائر البري الذي جاء يزاحمه في قوت البيت.. صارخا بأن زمن الاستئناس أو الترويض قد انتهى منذ غابر الأحقاب. أمي، كان طبيعيا، أن تلتحق بثورة دجاجها عليها.. فزع طائري الضيف وطار قافلا إلى بريته الضنكة.. أحرجني موقفي الضعيف والمنهزم.. صاح الديك، فقمت وكلي حنق وغضب على "النعجة السوداء والحكايات الأخرى.." التي ما تزال تغط في نومها على الطائر جنبي بين الملاءات الورقية لمونتيروسو..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق